اعتقال الشيخ أنيس الشايب و تقديمه كإرهابي ، التوقيت و الدلالات بقلم ماهر زيد

في مثل هذا الشهر من السنة الفارطة اتخذت الداخلية التونسية قرارها التاريخي باعتبار تيار أنصار الشريعة تنظيما ارهابيا مع ما يستلزمه ذلك من اجراءات و خطوات .كنت وقتها من الذين وقفوا بشدة ضد “الصيد بالكركارة” الذي تمنعه كل قوانين العالم و أنه ” لا تزر وازرة وزر أخرى” ، إضافة إلى كون الداخلية مجرد جهة تنفيذية و إنما القضاء في دولة القانون و المؤسسات هو من يوزع التهم و يفصل بين الناس فيما هم فيه يختلفون .

لقد بشرنا وقتها بحرب مفتوحة ستعلنها جهات خارجية و أخرى داخلية على بعض ما تحقق من مكاسب للتونسيين بعد الثورة تحت مسمى محاربة الإرهاب و صيانة الأمن القومي حتى صدقت رؤيانا اليوم بعد سنة فقط ليصبح إغلاق المساجد و مداهمة الجمعيات الأهلية و استفحال آفة التعذيب و منع المواطنين من السفر أمرا واقعا يعيشه التونسيون كل يوم مع التلويح المتواصل “بمزيد من الإجراءات” لمحاربة الإرهاب و “استئصاله” .

اعتقال الشيخ أنيس الشايب و عرضه على “وسائل الإعلام” التي سارع أغلبها كالببغاوات يحركهم حقدهم الإيديولوجي الذي أعماهم بعد عودة الإسلاميين إلى المشهد العام بقوة بعد الثورة ، رددوا زعم الداخلية بأنها اعتقلت الشايب و هو يخطط لأرتكاب أعمال إرهابية .

اليوم يمر قطار الإرهاب التونسي بخصوصياته الفريدة عالميا إلى السرعة القصوى باعتقال و تجريم (دون محاكمة) الوجوه الفاعلة صاحبة القدرة على تجنيب بلادنا مزيدا من المصائب . فحكومة الشركات العابرة للقارات التي وصلت إلى سدة الحكم بالعمليات الارهابية و الاضرابات و الاغتيالات و التلويح بالإنقلابات أطلقت العنان لجيل جديد من الأمنيين المرتبطين بالكلية بأجندات خارجية متصهينة لتؤسس لقواعد لعب و اشتباك جديدة لا تمت لأعراف العمل الأمني و السياسي التونسي بصلة . فقد سبق للداخلية أن أعلنت الحرب بداية التسعينات على حركة النهضة و صنفتها ارهابية أيضا ، لكنها حافظت رغم كل ما صاحب ذلك من جرائم قتل و تعذيب و تنكيل حافظت على خصوصية تُميزها عن غيرها مما هو موروث في تجارب أخرى غربية بالأساس .

فقد شاهد التونسيون على شاشاتهم وقتها طلبة و تلاميذ يعترفون بالإعداد لتنفيذ أعمال إجرامية (و آثار التعذيب و العنف واضحة على وجوههم) ، إلا أنهم لم يروا قياديا واحدا يُعامل بنفس الطريقة فيتم تعذيبه و إكراهه على التصريح بما لا يريد أمام الرأي العام .بل إن أفعال التعذيب و سوء المعاملة لم تشمل القيادات السياسية البارزة حتى في أوقات تورط تنظيماتهم في مزالق و شبهات عنف ضد الدولة .

لقد ظل العقل الأمني طيلة عقود يميز بين قواعد التنظيمات المعارضة و قياداتها التي خصها بمعاملة مختلفة أسست للأرضية التي كانت تنطلق منها التفاهمات و التسويات السياسية . لكن ما نراه اليوم من حرق للأخضر و اليابس يدفع لليقين بأن من يحرك هذه الآلة الجهنمية لا يمكن أن يكون سليل المدرسة التونسية الخالصة .

إن الشيخ أنيس الشايب القيادي في التيار السلفي الذي قال فيه وزير الداخلية نفسه في يوم اعلان الحرب عليه “السلفيون أصيلون كأصالة الزيتون التونسي ، و حربنا اليوم مع من يحمل السلاح علينا و ليس مع السلفيين ” لا يمتلك حتى جهاز كمبيوتر في حياته الخاصة فكيف الوقوف و التخطيط لعمليات ارهابية من خلال ادعاءات لأجهزة فاسدة لا تميز بين مخيم كشافة و معسكر إرهاب .

و أنيس الشايب كان كبار المسؤولين في الدولة الى حدود الماضي القريب ينزلون من مكاتبهم الفارهة صحبة حراساتهم للإستئناس برأيه أو طلب تدخله لدى أوساط أو أخرى من أجل الحفاظ على أجواء التوافق و التوازن في بلد يعمل البعض بالليل و النهار خدعة و خلسة و مكيدة من أجل تفتيته و تركيعه . و قبِل الشيخ الشايب ذلك الدور و أداه كاملا .لقد أدى ذلك الدور زمن المخلوع و واصله بعد الثورة كمرجع من عقلاء التيار السلفي .

إن السيدة راضية النصراوي تشهد و الشهادة من الدين للذي يدرك قيمة ذلك ، أن تمت دعوتها لحضور “الملتقى الأول” للتيار السلفي عام 2011 مثل غيرها من الشخصيات الوطنية . و هي لئن تخلفت عن الحضور فإن الهدية التي تم إعدادها لها يومها كانت من أكثر الهدايا قيمة و ذلك عرفانا و شكرا لها لاستبسالها في الدفاع عن السلفيين لما كانوا مساجينا مثل غيرهم في سجون الطاغية بن علي .و لعل من الذين وقفوا وراك تلك الحركة الشيخ أنيس الشايب مثلما تؤكده مصادر عدة . فمالذي يحدث الآن بالضبط ؟ هل هو حرق لجميع المراكب حتى لا تهدأ الأوضاع و يستمر مسلسل العنف و معه مسلسل التمعش منه و الإبتزاز ؟

أليست تونس اليوم في أمسّ الحاجة إلى تجميع كل أبنائها حول التوافق و التهدئة لعزل الإرهاب و تركه مكشوفا ؟ أم أن الحل هو السرعة القصوى إلى الأمام و الإكتفاء بنصائح الطواقم الأمنية الأمريكية بالعوينة التي ظاهرها تكوين و تدريب و باطنها فتنة و تخريب كما يُقال ؟

بقلم : ماهر زيد

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: