الأحزاب ما بعد 12 سبتمبر..( بقلم الدكتور محمد ضيف الله)

 الأحزاب ما بعد 12 سبتمبر..( بقلم الدكتور محمد ضيف الله)

أحزاب المعارضة جميعها سواء الحالية أو الفائتة، ما لا يقل عن 18 حزبا، نزلت للتظاهر في الشارع الرئيسي بالعاصمة، الجبهة الشعبية التي من المفترض أنها تضم 12 حزبا انضم إليها حزب المسار صاحب الرقم القياسي في استبدال الاسم، إلى جانب الأحزاب الخمسة، التكتل والتيار والشعب والجمهوري والتحالف. إلا أني لا أعتقد أن معدل مشاركة كل واحد منها يفوت بضعة مئات، وينزل بعضها إلى العشرات. فحزب المسار مثلا من الواضح أنه صنع من الأعلام الزرقاء الكبيرة أكثر من عدد المتظاهرين من أعضائه إذ كان بعضهم يرفع علمين في نفس الوقت. بمعنى أن أحزاب المعارضة هذه في أسوإ أحوالها، ومن أسباب ذلك أن كل واحد منها يظن أنه أمة بحالها، وصولا إلى التصرف بصفة “الممثل الشرعي الوحيد للمعارضة”… وهو ما يقود في آخر المطاف إلى أنها أعطت الضوء الأخضر لتمرير قانون المصالحة، وهذا واضح من الشعارات التي سمعناها منها والتي لم تكن في أغلبها تستهدف اللصوص وإنما الخصوم السياسيين. لكن لابد من أن نسجل -في الأثناء- أنها وجهت رسالة قوية تمسكا بحرية التظاهر وبالحرية في المطلق والوقوف ضد القمع.

كذلك من نتائج تلك المسيرات أنها تدفع نحو إعطاء توازن جديد داخل الحزب الأغلبي بين مكونيه الرئيسيين الدستوري واليساري، لفائدة الأول منهما. أما المكون الثاني فقد تلقى إشعارا قويا من خلال الحجم المتواضع للمعارضة “الرسمية” التي كان يراهن عليها أو حتى يلوح بها للابتزاز. ضربة مؤلمة هنا. وهو ما سيحرر النهضة من الانكماش الذي بدت عليه حتى اليوم. أمامها لو أرادت إمكانيات جديدة للمناورة سواء في علاقة مع الدستوريين أو في علاقة بالتحالف الحاكم والاتجاه به نحو التوازن المفقود.

هذا الوضع الجديد يتطلب معارضة حقيقية لم تستطع أن تحتل مكانها الأحزاب التي نزلت إلى الشارع حتى لو اجتمعت فما بالك بها وهي متفرقة وتشقها الطموحات الشخصية وتصدر من أفواهها الأحقاد الإيديولوجية. المعارضة الحقيقية لم تنزل إلى الشارع، وهذا واضح، وهي ليست موجودة في البرلمان بطبيعة الحال إذ تسيطر عليه أحزاب الحكم أساسا. وإنما هي موجودة في انتظارات قطاع واسع من التونسيين، ولا أعتقد أن التونسيين قد استكانوا إلى الواقع الذي هم فيه، ولا هم راضين عن المرتبة المتقدمة في سلم “التعاسة” التي تحتلها تونس في العالم. في هذا الإطار تكفي المقارنة بين التفاعل مع فيديوهات زعماء السياسة في تونس الذين تعرضوا إلى قانون المصالحة ومظاهرة 12 سبتمبر. عثرنا على مقطعين اثنين ظهر في الأول منها حمة الهمامي وقد شاهده 26 ألفا مع أقل من 400 مشاركة، وظهر في الثاني المنصف المرزوقي مع مشاهدة 93 ألفا وحوالي 3 آلاف مشاركة. هذه الأرقام الباردة تتأكد أكثر لو قارناها بالأرقام التي تهم زعماء آخرين وإن كانوا تناولوا مواضيع أخرى، بمعنى أن انتظارات الشارع توجد خارج المؤسسات الرسمية وخارج المعارضة الرسمية الشبيهة بما كانت عليه المعارضة الكرتونية.

محمد ضيف الله

13 سبتمبر 2015

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: