“الأسد” و معركة البقاء الأخيرة.. (مقال/ الكاتب السوري غازي دحمان)

يخسر نظام الأسد بشكل يومي مواقع جديدة و يخسر معها بعضا مما تبقى لديه من مقاتلين و مساحات جغرافية بمواردها الاقتصادية ومزاياها الإستراتيجية، وتتراجع مع ذلك يوما بعد آخر قدرة النظام على الاستمرار.
يأتي ذلك بعد أن حصلت تغيرات نوعية في ديناميكة الصراع نتجت عنها تحولات فاقت قدرة النظام وحلفائه على إمكانية تعديلها لمصلحتهم، وبناء على ذلك فإن التقديرات تشير إلى إمكانية انهيار النظام في صيغته الحالية في أشهر محدودة، إذا لم يحصل تدخل من نوع معين لتغيير الديناميكات الحالية.

وفقا لتقديرات دولية، فإن نظام الأسد خسر جزءا كبيرا من جنوده، وفي أحسن التقديرات لم يعد لديه أكثر من مئة ألف مقاتل جزء منهم غير مضمون الولاء، حيث يتم تجنيدهم عنوة ضمن وحدات جيش النظام. ولدى النظام عدد مماثل من المليشيات الشيعية والمحلية التي ينضوي جزء كبير منها تحت اسم “لجان الدفاع المدني” و”الجيش الوطني”، وهي بالعموم مليشيا غير منضبطة وليست على درجة عالية من التأهيل ولا تملك أسلحة فاعلة.
وخسر النظام أيضا في حربه الحالية معظم قوته البرية من الدبابات والمدرعات جراء التدمير المباشر أو عبر اغتنامها من الثوار، وبعد حصول قوات المعارضة على كميات مقبولة من صواريخ تاو فإن سلاح الدبابات بدأ يفقد فعاليته في الحرب، كما أن جزءا كبيرا من قواعد الدفاع الجوي تم تدميرها، ويقع بعضها في مطارات شبه محاصرة “مثل مطار أبو الظهور في إدلب ومطار كويرس في حلب ومطار دير الزور”.
ولعل ما زاد من حدة الإرهاق والخسائر أن قوات النظام كانت تقاتل على مساحة كبيرة من الأراضي السورية تطبيقا لنظرية “جيش في كل ركن”، وهو أمر استنزفها تماما على مدار حرب امتدت لسنوات، وقد لوحظ مؤخرا أن قوات النظام فقدت بالفعل إرادة القتال وخاصة تلك التي تخوض المعارك في مناطق بعيدة عن المراكز. وتحول الجيش السوري إلى حارس يتولى حماية النظام.
على ضوء ما سبق، بدأت تظهر توجهات لدى نظام الأسد بإعادة الانتشار ضمن مناطق معينة تملك فيها تلك القوات مزايا إستراتيجية تجعلها قادرة على الصمود، ومبدأ هذا التوجه يقوم على أن الانسحاب من بعض الجبهات يتيح إمكانية اختصار خطوط الإمداد والاتصال، وإنشاء خطوط مواجهة جديدة مما يسمح بالدفاع عن المناطق التي تعتبر ذات فائدة أكبر، وهي المناطق ذات الكثافة السكانية العالية في وسط وغرب سوريا وصولا إلى العاصمة دمشق.
وفي الآونة الأخيرة بدأت تظهر أصوات داخل جيش النظام تطالب بما يسمى “إعادة تجميع القوات” لتدافع عن المناطق العلوية الساحلية، تحت ما يسمى “الحرس الجمهوري للساحل”. ويؤكد مراقبون في سوريا على وجود تشجيع إيراني للسير بهذا التوجه، وأن طهران أوصلت هذه الرسالة إلى دمشق عبر وزير دفاع نظام الأسد خلال زيارته الأخيرة طالبا المساعدة المالية.
وقد أسهمت انتصارات المعارضة الأخيرة في شمال سوريا واقترابها من معاقل النظام التقليدية وخزانه البشري من الجنود في إظهار هذا التطور، ذلك لأن نظام الأسد كان طوال سنوات حربه على السوريين يملك خيارا مريحا يتمثل في اللجوء إلى الساحل وتشكيل دولته الطائفية بعد أن يترك سوريا مدمرة وبحالة من الفوضى والخراب، وبذلك ينجو من أعماله ويدعي أمام العالم أنه اضطر إلى هذا الخيار.
بيد أن اقتراب الثوار من مناطقه تلك سيدفعه الى تغيير أولوياته بشكل جذري، بما يضطره إلى الانسحاب من مناطق كثيرة لا تعتبر ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة لخطته، حتى دمشق تقع ضمن هذه الرؤية في حال كانت تكاليف المحافظة عليها من شأنها التأثير على إستراتيجيته.
وبحسب المعطيات الميدانية، فإن مراكز المدن في حلب ودير الزور ودرعا ستكون المناطق الأكثر ترجيحا لخسارتها من قبل قوات النظام في المرحلة القادمة، وخاصة بعد إجراء هيكليات جديدة للقوات فيهما والسيطرة على غالبية طرق الإمداد، وهذا الوضع يصعب كثيرا موقف قوات النظام فيها ويحكم على معاركها بالخسارة المؤكدة.
والواضح أن إزالة قوات النظام في هذه المدن، وخاصة درعا وحلب، أمر مرتبط بقرار إقليمي. ذلك لأن بدء إشارة انطلاق المعارك في درعا تعني أن العاصمة أصبحت في مرمى الخطر خلال فترة وجيزة، وهو ما يجري تأخيره بعض الشيء.
تأتي حماة وحمص في المرتبة الثانية، بعد أن قضمت قوات المعارضة غالبية مساحات الأمان التي تحيط بهما ودمرت الأنساق الدفاعية لقوات النظام وخاصة من الجهة الشرقية للمحافظتين، ومع أن المعركة صعبة في هاتين المنطقتين لوجود بنية عسكرية تتمثل بمطارات “حماة والتيفور”، ولأنها تشكل الجدار الأخير الذي يحمي منطقة الساحل، إلا أن قوات المعارضة استطاعت إيجاد فراغات كبيرة في قلب هذه المنطقة وتموضعات تسمح لها بالسيطرة وبإجراء عملية وصل تمتد من ريف اللاذقية الشمالي إلى أرياف حماة وحمص الغربية.
وثالث مناطق الصراع ستكون الطرق الواصلة بين هذه المحافظات، كالطريق الواصل بين حلب واللاذقية والذي لم يبق منه تحت سيطرة النظام سوى مواقع قليلة متناثرة، وطريق حمص دمشق الذي يحاول “حزب الله” تأمين سيطرة نارية عليه وربطه بطريق بيروت دمشق، ويشكل الطريقان الأخيران خطوطا حمرا لدى قوات نظام الأسد، لأن سقوطهما سيعني بشكل أوتوماتيكي سقوط العاصمة والمنطقة الجنوبية بالكامل بما فيها مدينة السويداء.
يخضع الصراع في سوريا لجملة من الحسابات والتعقيدات، بعضها له علاقة بالترتيبات الخاصة بالمنطقة وطبيعة النظام الإقليمي الجديد الذي سيخلف القديم المتصدع ومواقع الأطراف المختلفة فيه، وكذلك الحسابات المتعلقة بالعلاقات بين القوى الكبرى التي لا تعطي أهمية كبيرة للواقع الإنساني الصعب وتسعى بدل ذلك إلى ترتيب المشهد بما فيه عملية سقوط النظام ومستقبل سوريا وطبيعة نظام الحكم والقوة التي سيكون لها السيطرة والحكم.
حتى هذه اللحظة لا يوجد ما يؤشر على الاتفاق على مجمل هذه التفاصيل والوصول إلى مقاربة موحدة تجمع هذه الدول، ولعل السبب في ذلك يعود إلى حقيقة أن هذه الأطراف ليس لديها تأثير كبير على القوة الثورية بتياراتها المختلفة، وخاصة الإسلامية منها وصاحبة الذراع الأقوى والأكثر فعالية في الميدان، ولا تثق الأطراف الدولية بهذه القوة وتعتقد أنه ليس بإمكانها تحقيق الاستقرار في بلد ينطوي على تعددية دينية وعرقية.
وهذا الوضع المربك يدفع بهذه الأطراف إلى محاولة إدارة الصراع بما يؤجل سقوط نظام الأسد قدر الإمكان إلى حين وضوح المشهد، أو إمكانية إيجاد بدائل له يمكنها إدارة مؤسسات الدولة والحفاظ على الأقليات وضبط الجبهة مع إسرائيل وضمان عدم انتقال حالة عدم الاستقرار إلى لبنان.
غير أن هذه الإدارة ليست مضمونة في ظل حالة الزخم الكبيرة للثوار والاندفاعات التي يحققونها على جبهات عديدة، وفي ظل حالة انهيار قدرات قوات النظام على الصمود، وعدم قدرة حلفائه على إسعافه، وعليه فإن التقدير أن تلجأ الأطراف الإقليمية والدولية في المرحلة القادمة -من أجل إدارة الصراع بكفاءة، بما يضمن عدم انفلات الأمور- إلى أحد أمرين:
– الضغط من أجل تخفيف الدعم العسكري للثوار وخاصة الذي تتولى تقديمه كل من تركيا والسعودية وقطر، أو الاشتراط على الثوار التركيز على جبهات معينة بحيث لا يؤدي التغيير فيها إحداث تغييرات جذرية.
– إشعال الصراعات بين الثوار لإشغالهم عن إكمال مهمتهم، خاصة أن التقدم الذي تحقق في الميادين يعود بجزء كبير منه إلى عمليات التوحد الكبرى التي أجرتها الفصائل المقاتلة، ولعل واحدة من آليات بذر الخلاف والصراع هي شق الصف السياسي على شاكلة المؤتمر الذي دعا إليه نظام السيسي الذي يسعى بكل ما أمكنه من قوة لتعطيل الديناميكيات الجديدة لصالح نظام الأسد، لاعتقاده أن انتصار الثوار يشكل تهديدا خطيرا للأمن القومي المصري.

وكذا المحاولات التي يقوم بها المبعوث الدولي ستيفان دي مستورا الذي يبدو عمله وكأنه محاولة للترويج لمعارضة سياسية قريبة من نظام الأسد تكون لها الحصة الكبرى في تمثيل المعارضة أو تصبح قوى موازنة للائتلاف الذي يحظى بشرعية دولية.
بالنظر إلى كل ذلك، فإن نظام الأسد الآن هو في وضعية التخزين، تجري المحافظة عليه كي لا يتحلل أو يفسد، إلى زمن معين تكون فيه طاولة المفاوضات قد هيئت وأعدت.
لذا تسعى أميركا إلى بناء شبكة تفاوض حوله في الفترة القادمة، وتحاول كل من إيران وروسيا بناء شبكة أمان تتسع لما تبقى من هذا النظام، لكن كل ذلك لن يمنع حصول مفاجآت طالما أن النظام بات يقع على خط كل الاحتمالات السيئة.
لا شيء يضمن نجاح عملية المحافظة عليه والتحكم بهذه العملية لفترة طويلة، ذلك لأن النظام لم يفقد فقط القدرة على الصمود ولكنه فقد معها القدرة على الاستفادة من الجهود الخارجية للحفاظ على نفسه لمدة أطول.
قد يحصل ذلك، بمعنى أن تستطيع القوى الخارجية إطالة عمره أكثر، لكن ذلك عدا عن كونه سيكون بالغ التكلفة فإنه سيكون محصورا ضمن بقعة جغرافية صغيرة جدا تقل كثيرا عن نسبة الخمس التي يسيطر عليها الآن من الجغرافية السورية.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: