الأمّة بين أخاديد التنظيمات والنظم… مقال رضا بودراع

ما زلت أتأمل في قصة أصحاب الأخدود، وكيف نقل الراهب جينات التوحيد للغلام ليقود أكبر حركة تغيير في نظام طاغوت ذلك العصر، ينخرط فيها الراهب والغلام لتطال في الأخير رجال مقربين من رأس الكفر كوزير الملك، وقد كانت النخبة القائدة بأعباء هدم الصنم توليفة عجيبة من راهب، وغلام، ووزير كلفهم في نهاية المطاف مجزرة حقيقية، مست هذه النخبة، فكان يؤتى الواحد منهم فينشر من مفرق رأسه حتى يجزل نصفين، إلا ما كان من أمر الغلام.

لكن ما لم يكن تتصوره تلك النخبة المؤمنة التي ابتليت وجاهدت حتى قضت، أن تنهض الأمة بعدهم قاطبة بأعباء التغيير وهدم الصنم، لقد انتقل الأمر من جهاد النخبة إلى جهاد الأمة، وكانت الصدمة. نعم صدمة كبيرة في صفوف الباطل، صدعت أركان مؤسساته، بعدما حطمت النخبة الشهيدة أركان معتقداته ومقدسات أفكاره، ولم يجد نظام الكفر إلا الإبادة والحرق وحفر الأخدود؛ ليسطر مجد أمة شهيدة، آثرت موت، ينقلها لعالم آخر تجد فيه طعم الحرية، خير من البقاء في عالم تفقد فيه لذة العبودية لله وحده. وسمى الله ذلك بالفوز العظيم، ولم يعظم في كتابه فوزًا غيره. اليوم والعالم يقبع تحت ظلم وظلمات نظام عالمي تقوده عصابة مجرمة متجبرة، قد تبدو متقدمة عن طاغوت قصتنا، لكن المبدأ واحد نحكمكم أو نقتلكم، وبعبارة أخرى نحكمكم أو الأخدود. لكن الأخاديد التي نصبت للأمة اليوم تنوعت وتعددت ومنها:

1- أخدود النظم: فمن أراد التغيير بالسياسة داخل النظم، نصب له أخدودها، فتحرق فيه كل القيم تحت شعار أن السياسة «فن الممكن»؛ لتغيب معاني الاجتهاد في طلب إصلاح الراعي والرعية، وتحرق معاني العبودية لله وحده، وتصبح غاية أصحابها تحقيق «الشرعية» من ناصبي الأخدود لتوهب لهم «أي حياة». ويؤتى بمنشار الديمقراطية فيجزل الرجل من مفرق رأسه جزلتين نصفها لله، والآخر للشيطان؛ لتجد الأمة نفسها تحت محرقة الاستبداد.

2- أخدود التنظيمات: عندما تيأس الأمة من نظمها تسعى لتنظيم نفسها، ودون ذلك أخاديد الأمن والقمع والاختراق إلى أن يؤتى بمنشار البغي فيجزل أهل الحق نصفين، واحد يشحذ به سكاكين بغيه، والثاني محرقة للشباب المغرر به، ويا له من أخدود عظيم.

3- أخدود المال: شيء اسمه اقتصاد عالمي قُواده البنوك وقيعانه لوبيات المال، تمول حرب الباطل بأموال الشعوب المستضعفة، حتى إذا شحت عليهم مواردهم نصبوا صناديق التنمية، وجيء بمنشار صندوق النقد الدولي ليحرق رصيد أجيال قادمة، ويحرق حريتها في أخدود الديون.

4- أخدود الفكر: وليس أقوى من فكرة حان وقتها، وكان الصحابة لا يتجاوزون العشر من الآيات حتى يفهموها وينزلونها على الأرض، ثم إلى عشر غيرها. لكن اليوم جيء بمنشار التنظير لينشئ مدارس يغرق نصفها في الكلام، ويُحرق النصف الباقي في مراجعاته، أخدود لطالما أحرقت فيه أفكار بالغة، وأعدمت فيه عقول نابغة لم تجد للواقع سبيلًا.

وبين كل تلك الأخاديد وغيرها ستخرج أمة الإسلام لتنهض بما كتب الله لها، كنتم خير أمة أخرجت للناس… والإخراج هنا قدري وسنة ثابتة، بعدما تيأس كل النخب العاملة والأيادي المموّلة، لينتقل الأمر من جهاد نخبة إلى جهاد أمة، تتصدع فيه أركان قوة هذا النظام العالمي المجرم، بعدما يصدّع جهاد النخبة أركان فكره . ومن ينسى نفسه في خضم الصراع فيجعلها قطبًا يدور حولها غيره، فليذكر أصحاب الأخدود ليعلم أنه صراع بين الحق والباطل، وأن الأمر بيد الله يجعله حيث شاء، فالأمر أمره، والأرض أرضه، ونحن عبيده.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: