الإسلام هو الحلّ

عندما يطرح الإسلاميون، شعار “الإسلام هو الحل” فإنهم يدركون ما يعنون، ويستحضرون في ذلك قيم الإسلام وتعاليمه وخطوطه العريضة في أصول الحكم، والتربية، والاقتصاد، وطرق وكيفية التعامل مع المشاكل والتحديات من منظور إسلامي، أي بناء على تعاليم الإسلام ومفاهيمه. ولا ينفون إسلام أحد أقر بالشهادتين، والتزم بأركان الإسلام، ولم يحلل حراما، ولم يحرم حلالا. إذ أنّ هناك معايير تحدد دين الإنسان، مهما كان هذا الدين.
**
1 ) معروف بداهة أنّ من لا يعترف لله الواحد الأحد بالوحدانية، ولنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وبقداسة القرآن كلام الله، وبراءته من تحريف الزيادة والنقصان. ولا يؤمن بالمبادئ النظرية والممارسات العملية للاسلام، ولا سيما على مستوى الاعتقاد، لا يعد مسلما..
والإيمان يختصره الحديث الصحيح حول، الإيمان، والإسلام، والإحسان. إذ أنّ تحديد المفاهيم ضروري جدا. ولا يمكن التلاعب بالألفاظ، أوالتغاضي عن الأساسيات، وكذلك المنطلقات للوصول إلى الحقائق الموضوعية، وتنظيم العلاقات السياسية والمجتمعية بناء على ذلك. وتنازل الإسلاميين، لا قدر الله، عن سؤال الماهيات، يدخلهم في متاهات لا أول لها ولا آخر.
2 ) إنّ الإسلام يختلف عن بقية الأديان، إذ أنّ مملكة الله في الإسلام تشمل الأرض والسماء، والدنيا والآخرة. ومن الملفت للنظر أن يكون الاقتصاد معجزة الإسلام، في القرن 21، لنتأكد مما سلف ذكره. وحتى يحقق الاقتصاد الإسلامي أهدافه لا بد من أن يكون هناك مجمتع إسلامي، وسياسة إسلامية، وحتى لا تكون المصرفية الإسلامية مجرد (جزء تابع للنظام الربوي الوحشي). لذلك يطرح الإسلاميون شعار الإسلام هو الحل. وهو ليس شعارا خاويا، بل عنوان لمشروع حضاري يعتمد على قيم الإسلام وهديه في السياسة والاجتماع والاقتصاد، مع مساحة شاسعة ولا متناهية لأعمال العقل واستنباط الحلول في دوائر الإسلام المتعددة. والإسلاميون يطرحون تطبيق تعاليم الإسلام لا كبرنامج سياسي فحسب، بل طريقة حياة. وهو حق من حقوقهم، فالآخرون أيضا لديهم طريقتهم في الحياة التي يدعون إليها. وغياب منظومة يحتكم إليها في البلاد الإسلامية، وراء كل الهرج والصراع السياسي والثقافي بين نخبه.
والغرب لا يمكن أن يكون النموذج الكامل الذي ينبغي أن يحتذى به في كل شيء، فله إنجازاته وإخفاقاته ومشاكله التي يعاني منها. ولذلك يطرح الإسلاميون، الإسلام هو الحل.
3 ) إنّ الحرية ليست هي القيمة الوحيدة التي يبشر بها الإسلام في إطار منظومته، بل يبشر بمشروعه الشامل والحرية جزء منه. وكما أنّ لكل منظومة مفاهيم للحرية ولحدودها، فالإسلاميون لديهم نظرتهم للحرية ولمفاهيمها. ولا يمكن لأحد أن ينصب نفسه وصيا على المجتمع والأمة إن قبلت بمواصفات الحرية في الإسلام أوغيره من المنظومات.
بقي تحديد الآليات التي على أساسها تختار الأمة منظومتها المفضلة، بعد أن يتاح للجميع عرض ما لديهم من أنوار مقابل (ظلامية الاسلاميين). ويجب أن لا يصاب بالنكوصية لفلسفة الاستبداد إذا رغب الشعب عن جمهوريته الفاضلة، وانحاز (لإمارة ماضوية).
والحقيقة هي أنّ الكثير من المتناولين للقضية الإسلامية في الأمة، لم يقرأوا كثيرا في أدبيات الحركة الإسلامية. فلا أحد من المفكرين أو الكتاب الإسلاميين قال بوجود أجوبة مفصلة في القرآن والسنة عن كل مشاكلنا، ويجب تطبيقها لحلها نهائيا، وإنما يؤكدون بأنّ حل مشاكلنا يكمن في التفاعل بين العقل والنص القرآني، والبحث عن الحلول في إطار هذا التفاعل من قبل أهل الاختصاص. وجواب الإسلام على الكثير من القضايا كما يفهمه الكثيرون، هي في قوله تعالى “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” وأهل الذكر يعني الخبراء في كل تخصص، لذلك من الحل الإسلامي أيضا قوله صلى الله عليه وسلم “أنتم أعلم بأمور دنياكم” بما يعني أنّ هناك تفاعل بين النص والواقع، وأنّ التجربة ومساحة العلم الدنيوي شاسعة وعريضة في “الحل الإسلامي”.
4 ) إنّ الإسلام يقدم السلام الروحي لملايين الملتزمين به في مشارق الأرض ومغاربها، بينما تعصف الأزمات والأمراض النفسية بمليارات البشر، والتي غالبا ما تتحول إلى أمراض عضوية تدفع بهم للشيخوخة المبكرة. ولننظر في نسب الانتحار، وأمراض الإيدز، والإدمان، والجريمة المنظمة، والدعارة، واليأس وفقد الأمل، لنعرف أنّ الإسلام ليس حلا لكل ذلك فحسب، بل ضرورة تفرضها الضرورة. وكما أن المريض لا يشفى إلا بتناول الدواء فإنّ الإنسان لا يستقيم ويسلم من كل الآفات إلا إذا التزم بالإسلام إيمانا وممارسة.
5 ) وقد سبق الحديث عن معجزة الإسلام الاقتصادية التي دفعت الكثير من الدوائر الاقتصادية للمناداة باتخاذ المذهبية الاقتصادية الإسلامية قاعدة للعمل البنكي والمصرفي في العالم، وتسارع الكثير من الدول الغربية لفتح مراكز مالية وبنوك وأنشطة اقتصادية وفقا للشريعة الإسلامية.
وفي المجال السياسي يمنح الإسلام الأمة، حق اختيار الحاكم وفصله، ومراقبة أداء الحكومة، ومراجعة السلطات. في ثنائية سبقت كل الإصلاحات التي عرفها العالم الحديث وهي ثنائية “الطاعة والتقويم”. ولذلك لا يجب النظر لما جرى في التاريخ الإسلامي من صراعات، من وجهة نظر سلبية، بل هناك الكثير من الإيجابيات، ومنها حيوية الأمة. ولا ندري لماذا يفتخر الآخرون بثوراتهم التاريخية، وصراعهم السياسي في سبيل الوصول إلى ما وصلوا إليه، رغم أنّ بعضها كان كارثيا، فرنسا، إسبانيا، روسيا، ألمانيا، ايطاليا، وقبل ذلك اليونان، ويشعر البعض بالحياء من بعض المفاصل التاريخية، بقطع النظر عن الخطأ والخطيئة فيها. فالأمة لم تكن مجموعات من الدهماء في تاريخنا، بل ثارت وقاتلت من أجل حقوقها، ومن أجل العدالة سواء كانت مخطئية هنا أو مصيبة هناك.
وكما أنه “إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار” فإنّ هناك أيضا “من قاتل دون ماله فقتل فهو شهيد ومن قاتل دون دمه فهو شهيد ومن قاتل دون أهله فهو شهيد”. وفي القرآن والسنة وما أقره علماء الأمة، ما يمثل مرجعية في العمل السياسي، ومن ذلك جهاد الإمام مالك في مواجهة الاستبداد واغتصاب السلطة، والذي دفع بسببه ثمنا باهضا “ليس على مستكره يمين” أي لا يمكن سوق الناس بالعصا وقوة البوليس وفرض نظام سياسي لم ينتخبوه ولم يوافقوا عليه. ونحن لا نحتاج لبرنامج مفصل من الماضي، ولم يقل أحد من الإسلاميين بذلك البتة، ولكننا نحتاج لأسس نبني عليها برنامجا معاصرا، لا يكون وحيا من تراث أو تجربة الآخرين، (مع أهمية الاستفادة من ذلك للاستنارة لا للنسخ) وهذا ما يختلف حوله الإسلاميون مع غيرهم.
6 ) خطيئة أخرى ينزلق إليها غيرالإسلاميين في نظرتهم للحل الإسلامي، وهي مطالبتهم بحلول لمشاكل لم تنتج عن تطبيقات الإسلام. فالإيدز، والإمراض الجنسية، والتغيرات المناخية، وثقب الأوزون، والتلوث، وما ينتج عن ذلك من أخطار بيئية، وما يتهدد البشرية ولا سيما الجفاف والتصحر وانهيار الزراعة، والمجاعة، والعطش لا يتحمل الإسلام المسؤولية عنه، بل إنّ الإسلام يؤكد أنّ ذلك من عمل الإنسان، وسيتحمل المسؤولية عنه “ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس… ” وبالتالي فإنّ الإنسان المفسد في الأرض بالتلوث، أو غيره، يجب أن يكف عن ذلك، وهذا هو الحل الذي لا يدعو إليه الإسلاميون فحسب، بل عقلاء العالم، والمدركون لما تقود إليه السياسات الدولية من دمار. وبما أنّ قضية البيئة قضية عالمية يجب أن تستجيب لمعالجتها المعمورة بأسرها فإنه من التعجيز، وفي نفس الوقت العيب، دعوة الإسلاميين في محاولة للتبكيت الرخيص أن يجدوا حلا لمثل هذه القضايا بين ثنايا القرآن والسنة.
ومن التعجيز أيضا والعيب في نفس الوقت، جعل القضية البيئية، محور امتحان قدرة الإسلاميين، وطرحهم الإسلامي على حل قضية يعترف من يطرحها صراحه أنها تتجاوزهم، وإنما تتعلق بسياسات دولية، في حال تحولت نحو الإسلام، ستجد الحل للمشكلة. فكما أنّ الإسلام يحمل حلولا لمشاكل البلاد الإسلامية الغارقة في الفساد والمحسوبية والبطالة والجهل والهجرة وخوصصة الدولة، فإنّه يحمل حلولا أيضا لقضية البيئة، يمكن في حال اعتمادها حل المشاكل، إذ لا يمكن أن يكون وجود الدواء وحده كافيا لشفاء المريض، بل لا بد من الخضوع للعلاج وفق مواصفات صانع ذلك الدواء. وبالتالي فإنّ الإسلاميين لا يقدمون الإسلام حلا سحريا كما يزعم البعض، وإنما يقدمون آليات الإسلام في الإصلاح على مختلف المستويات، وضمن برامج وكفاح مرير. وسواء انتصرالإسلاميون في البلاد الإسلامية، أو جزء منها، فإنّ الحل الإسلامي، يحتاج لتفاعل جماهيري، وتفاعل أممي، على المستوى الحقل الواحد، وعلى مدى بقية الحقول الأخرى، لا سيما وأنّ مشتركات كثيرة، وقوى فاعلة في الحقول الأخرى تلتقي مع الحل الإسلامي لقضية البيئة، والتي تتجاوز تعريفها بالمشكلة أو الأزمة.
7 ) وفي المجال التنموي أو الاقتصادي، يطرح البعض مشاكل العالم، ويدفعون بها في وجه الإسلاميين، كما لو كانوا مسؤولين عن إطعام 7 مليارات من البشر، أو عن الليبرالية المتوحشة التي تكدس ثروات مخزية على حافة وفقر كافر على الحافة المقابلة، واتساع الهوة بين الطرفين يوما بعد يوم. والواقع هو أنّ الإسلاميين لا يطرحون أنفسهم، حكومة عالمية، ولكنهم يدركون بأنّ الثروات الهائلة في البلاد الإسلامية وتحديدا العربية كافية لصنع نهضة كبرى، وحل مشاكل البطالة والفقر والأمية واختلال الميزان التنموي والاقتصادي بين أقطارنا المختلفة. وهذا ما تؤكده حتى الدراسات التي يعدها، مركز دراسات الوحدة العربية، وغيره من الدراسات الجماعية والفردية. وهو ما ينطبق أيضا على الوضع العالمي، في حالة بحثنا عن نظام اقتصادي دولي أكثر عدلا، تؤيده مقاصد الإسلام بالضرورة. والمصرفية الإسلامية والتي تدفع البعض للسخرية ويا للسخرية، ليست جزءا هامشيا في النظام الليبرالي، وإنما جزء لا يتجزأ من المشروع الإسلامي، وإن اجتزئ ذلك الرافد الهام من المشروع، وألحق بنظام آخر بشكل موازٍ، وليس متماهيا معه بداهة. فالتعامل المصرفي وفق الشريعة الإسلامية غصن من شجرة، اقتطع منها ليصبح مكونا له مواصفاته ومميزاته إلى جانب النظام الربوي. وليس جزءا هامشيا جدا، مثلما يهرف البعض. ونحن ننادي بالمشروع الإسلامي ككل بمنآى عن هيمنة النظام الربوي.
8 ) إنّ الإسلاميين لا يتحدثون عن حلول سحرية، بل نظام للعدالة. ويعتقدون بأنّ مبادئ الإسلام ، قادرة على تحقيق العدالة، والتي بدورها توفر تدريجيا العمل للعاطلين، والذين يجب أن يكون لهم الحق في أساسيات الحياة، كالسكن، والرعاية الاجتماعية إلى حين توفير عمل لهم. وهناك جملة من المبادئ التي تحدد مسؤولية الدولة الإسلامية في حاجة لمساحة أكبر للشرح. ولا شك فإنّ الحد من الفساد المستشري والفقر المدقع والتخلف المخجل، وإنهاء الاستبداد السائد المسؤول عن كل ذلك، رهن بمدى وعي الشعوب بأهمية الحرية، ومدى الاستعداد للتضحية من أجل تحقيقها.
9 ) غالبا ما يحاول البعض عن قصد الخلط بين التيار الوسطي الأوسع في البلاد الإسلامية، والحركات التي تستخدم العنف لتحقيق أهدافها، ومن ثم تحميل الجميع المسؤولية عن ردود الفعل والنتائج، وليخلص ذلك البعض إلى خاتمة مغلوطة، هي أنّ الحركة الإسلامية مسؤولة عن دوام الاستبداد واستمراره، كما لو أنّ بلادنا العربية كانت في طريقها لتتحول إلى دول ديمقراطية، لولا 11 سبتمبر، وهو شطح يمكن التراجع عنه لو نظر فيه بموضوعية. وهو شطح لا يقل عن اعتبار الدخول في برلمانيات الدكتاتورية، دخول تحت مظلة الديكور الديكتاتوري. وإذا ناءت الحركة الإسلامية بنفسها عن السياسة، قيل إنها مستقيلة وتتماشى طريقتها مع مصالح العصب الحاكمة، وبالتالي تجد نفسها أمام هذا النفي إلى حد استبطان استئصالها (من خلال الإيحاء بأنها شر كله) في وضع يعبر عنه المثل الشعبي “آكلك.. آكلك مهما فعلت”. وينسى الجميع أنّ الحركة الإسلامية، حركة اجتهاد، ولا تقول بعصمة أو نطق باسم الله، وإنما تنطلق من الإسلام كما تفهمه، وتصيب وتخطئ.. وليكن للآخرين فهمهم.
10 )  أمر آخر يطنطن حوله البعض، مثل الاستشهاد بالسودان وإيران وغيرهما، وهم يعلمون الاختلاف الحاصل بين مختلف التجارب، مما يعني أن تجربة تركيا والتي يشيد بها الجميع مختلفة، ويمكن لتجربة أخرى أن تكون كذلك أو أفضل. وفي المقابل “التوجه للناس بالموعظة في الجوامع لإصلاح الأخلاق العامة هروب من مواجهة حقيقة أنّ نظامنا السياسي هو أكبر مصدر للفساد والتواكل والمحسوبية”. وهكذا نجد جميع التجارب الإسلامية في قفص الاتهام، ثم يخلص البعض لما يقوله الإسلاميون من أنّ “الإسلام ليس فقط طريق الأمة إلى القمة، وإنما الزاد الذي يعيننا على أحوال وأوحال ذلك الطريق” وأنّ “الإسلام ليس وصفات سحرية (كما زعم) وإنما قيم، وقد كرمنا بني آدم، … ومتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، و “من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا” وأنّ حل المشاكل كقضية البيئة لا تتم إلا بتضافر جهود الجميع. وأنّ الحل ليس في الإيحاء بوجود وصفات جاهزة يملكها طرف دون آخر (وهذا لم يقل به الإسلاميون) وإنما في ثورة ذهنية تحافظ على الثوابت العقائدية، وتمارس سياسة بروغماتية. ومن التنظير إلى العمل والإصلاح، من خلال التجربة. “ومن التبسيط إلى الوعي بالتعقيد الهائل للعالم”. إنّ سورة الفاتحة تعلمنا أنّ العبادة ليست شأنا فرديا، وإنما هي عمل جماعي “اهدنا الصراط المستقيم” ولم يقل جلّ جلاله اهدني الصراط المستقيم. وبالتالي فإنّ العمل من أجل مجتمع إسلامي تُحَقَّق فيه مقاصد الصلاة، أمر واجب التحقيق. ويدرك الإسلاميون أننا في حاجة لثورة روحية، كما في حاجة لثورة اقتصادية وثورة ثقافية، وثورة مجتمعية في ظل نظام إسلامي، لنقدم الإسلام حلا عمليا، في مخططات وبرامج، وليس شعاراتيا فقط، وهذه مسؤولية كل مسلم.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: