quran

الإعجاز التاريخي في الآية “حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ..” /مع د.زغلول النجار

الإعجاز التاريخي في الآية “حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ..” /مع د.زغلول النجار

 

قال تعالى:﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40].

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في خواتيم الثلث الأول من سورة “هود”، وهي سورة مكية، وآياتها مائة وثلاث وعشرون (123) بعد البسلمة، وقد سميت باسم نبي الله هود – عليه السلام – ويدور المحور الرئيس لها حول قضية العقيدة الإسلامية، شأنها في ذلك شأن كل السور المكية.
هذا، وقد سبق لنا استعراض سورة “هود”، وما جاء فيها من ركائز العقيدة، ومن قصص عدد من أنبياء الله، ومن الإشارات الكونية، ونركز هنا على ومضتي الإعجاز العلمي والإنبائي في الآية التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال.
من أوجه الإعجاز العلمي والإنبائي في الآية الكريمة:
أولاً: من أوجه الإعجاز العلمي:
في شرح قول ربنا – تبارك وتعالى -: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا…﴾ قال علماء التفسير: أي حين صدر أمرنا بنزول العذاب بكفار قوم نوح، ﴿ … وَفَارَ التَّنُّورُ …﴾ أي: نبع الماء منه على هيئة البخار وارتفع بشدة؛ كما تفور القدر عند غليانها، وكان ذلك علامة لنبي الله نوح – عليه السلام – على بدء وقوع الطوفان الذي وعده به الله – سبحانه وتعالى – إغراقاً للكفار العاصين من قومه، الذين جحدوا دعوته، وتطاولوا عليه، وسخروا منه.
وقيل في لفظة (التنور) أنه هو الكانون أو تنور الخبز الذي يخبز فيه؛ وقيل هو وجه الأرض، وأعلاها، وأشرفها، واللفظة عربية، وإن قيل بأنها معربة.
ومعنى الآية الكريمة: حتى إذا جاء وقت أمرنا بإهلاك الكافرين من قوم نوح، وفار التنور دافعاً بخار الماء بقوة، قلنا لنوح احمل معك في السفينة زوجين من كل نوع من أنواع الأحياء المتاحة لك ذكراً وأنثى، واحمل فيها كلاً من أهل بيتك إلا من سبق عليه الحكم بالإغراق، وكل من آمن من قومك، ولم يكونوا إلا قلة قليلة.
وواضح الأمر أن المقصود بتعبير (التنور) هنا هو البركان الذي خرج منه بخار الماء بكميات كبيرة وارتفع في نطاق المناخ من الغلاف الغازي للأرض، وقد هيأ الخالق – سبحانه وتعالى – فيه طبقة باردة فتكثف فيها ليعود إلى الأرض سيولاً جارفة في بحر متلاطم الأمواج أغرق كفار قوم نوح جميعاً وارتفعت فيه سفينة نوح حتى رست على جبل الجودي(قرابة ألفين متر فوق مستوى سطح البحر).
ومن الثابت علمياً أن كل ماء الأرض المقدر بحوالي (1400) مليون كيلومتر مكعب قد أخرجه ربنا تبارك وتعالى من داخل الأرض عن طريق ثورة البراكين، ولذلك قال وقوله الحق: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾ [النازعات: 30،31].
ولذلك قال – تعالى – أيضاً بعد أن تم إغراق كفار قوم نوح: ﴿ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 44].
ونسبة الماء إلى الأرض هنا من المعجزات العلمية في القرآن الكريم لأن هذه الحقيقة لم تعرف إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين؛ ومن هنا تأتي ومضة الإعجاز العلمي في الربط بين ثورة البركان (التنور) وإغراق أرض قوم نوح بطوفان الماء، خاصة وأنه ثبت علمياً أن أكثر من (70%) من مكونات الغازات والأبخرة المتصاعدة من فوهات بعض البراكين هو بخار الماء التي سرعان ما تتكثف في نطاق المناخ ويعود إلى الأرض مطراً.
وتشير الآيات القرآنية الكريمة إلى اشتراك عيون الأرض المتفجرة في إحداث طوفان نوح وذلك بقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 9-17].
وكثيراً ما تصاحب الثورات البركانية بشيء من الهزات الأرضية الشديدة التي تحرك الماء المجتمع فوق سطح الأرض في تيارات بحرية عنيفة هي التي رفعت سفينة نوح إلى قمة جبل الجودي على ارتفاع سبعة آلاف قدم (حوالي ألفي متر) فوق مستوى سطح البحر ولذلك قال تعالى: ﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي ﴾ [هود: 41-43].
وربما لعبت هذه الهزات الأرضية دوراً في تفجير عيون الأرض بالماء المتدفق من مخزونه في كل من تربة الأرض وصخورها ليشارك هطول الأمطار في إغراق الخاطئين المجرمين من قوم نوح. وهذا يؤكد حقيقة أن طوفان نوح كان إغراقاً للكافرين من قومه بالماء العذب، وعلى الرغم من ذلك يأتي إثنان من علماء فيزياء الأرض وهما الأمريكيان وليام ريان، وزميله والتر بتمان (William Ryan & Walter Pitman) لينشرا كتاباً في سنة 1998م بعنوان “طوفان نوح: الاكتشافات العلمية الجديدة عن الحدث الذي غير مجرى التاريخ”.
New Scientific William Ryan & Walter Pitman (1998): Noahs Flood: Discoveries About the Event that Changed History , Simon Schuster, New York, ny10020, pp. 1-319.
وفي هذا الكتاب يزعم الكاتبان بأن الطوفان كان بماء البحر فوق بحيرة من الماء العذب، وأنه كان حدثاً طبيعياً لا علاقة له بما جاء من أخبار قوم نوح في العهد القديم، ومن ثم فقد أنكرا الواقعة إنكاراً تاماً.
ويذكر هذان الكاتبان أن هذا الطغيان البحري الذي أشارا إليه كان قد وقع قبل (7600) سنة حين أدى ارتفاع منسوب المياه في البحار والمحيطات إلى اندفاع هذا الماء المالح من البحر الأبيض المتوسط عبر وادي البوسفور ليدمر كل شيء مر به، وليؤدي إلى عدد من الهجرات البشرية الكبيرة.
ولكن مما ينفي مزاعم هذين الكاتبين اكتشاف بقايا سفينة نوح – عليه السلام – مطمورة وسط رسوبيات للماء العذب فوق قمة “جبل الجودي” في الجزء الجنوبي الشرقي من تركيا، وإثبات امتداد هذه الرسوبيات من جنوب شرق تركيا إلى رأس الخليج العربي، مروراً بما بين النهرين دجلة والفرات.
وتؤكد هذه الكشوف أن الطوفان كان بالماء العذب الذي هطلت به الأمطار الشديدة، وتفجرت عنه عيون الأرض كما جاء بالقرآن الكريم من قبل ألف وأربعمائة سنة، وأن الحدث وقع عقاباً لقوم نوح في هذه المنطقة فقط، ولم يشمل كل الأرض، ولم يقض على جميع صور الحياة الأرضية كما جاء في العهد القديم (سفر التكوين: 6-9).
ثانياً: من أوجه الإعجاز الإنبائي:
على الرغم من ضخامة حدث “طوفان نوح”، وعلى ضرورة بقائه عالقاً في الأذهان، ولو من قبيل التراث الشعبي الذي يحمله الناس شفاها من الأجداد إلى الأحفاد، ومن الآباء إلى الأبناء، إلا أن أهل الأرض جميعاً ومنهم العرب في زمن الجاهلية كانوا قد فقدوا الصلة تماماً بوحي السماء، وشاع بينهم العديد من صور الكفر والشرك والضلال.
من هنا يأتي ذكر نبي الله نوح – عليه السلام – في ثلاثة وأربعين موضعاً من كتاب الله، كما تأتي تفاصيل قصته مع قومه حتى تم القضاء عليهم بالطوفان في عشرات من الآيات التي جاءت في ثمان وعشرين سورة من سور القرآن الكريم، وتأتي تسمية إحدى سور هذا الكتاب العزيز باسم نبي الله نوح – عليه السلام – وهي السورة الحادية والسبعون في ترتيب سورة المصحف الشريف، يأتي ذلك كله وجهاً من أوجه الإعجاز الإنبائي في كتاب الله، ولذلك فإن الله – تعالى- قال تعالى يوجه الخطاب إلى خاتم أنبيائه – صلى الله عليه وسلم – قائلاً له:
﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49].
ولا يقلل من إعجاز ذلك ورود شيء عن قصة نبي الله نوح – عليه السلام – في سفر التكوين من العهد القديم (6-9) لأن الرواية هنا جاءت مشوهة مبتورة، مليئة بالأخطاء في حق الله -تعالى- ، كما جاءت مليئة بالأخطاء العلمية والتاريخية المجافية للمنطق مجافاة كاملة، لأن فيها إشارة إلى أن الله – تعالى- توعد الأرض ومن عليها بالدمار وهذا لم يحدث، وأن نوحاً عليه السلام كان عمره ستمائة سنة حين وقع الطوفان، والقرآن الكريم يقرر أنه عاش بين قومه تسعمائة وخمسين سنة ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [العنكبوت: 14-15].
كذلك جاء في العهد القديم أن أبعاد السفينة كان 450 × 75 × 45 قدماً، وبقايا السفينة التي عثر عليها على جبل الجودي توحي بأنها كانت أصغر من ذلك بكثير. وتذكر رواية العهد القديم أن نوحاً – عليه السلام – حمل معه على السفينة أزواجاً من كل أنواع الحياة البرية والداجنة، ومن جميع كائنات الأرض، وهذا أمر مستحيل.
كذلك تشير رواية العهد القديم إلى أن الطوفان استمر لمائة خمسين يوماً غامراً جميع الأرض بما في ذلك كل قمم الجبال التي تغطت بمياه الطوفان بسمك يزيد على عشرين قدماً، وهذه استحالة علمية. وأشارت رواية العهد القديم إلى أن سفينة نوح استقرت على جبل أرارات (أراراط أو أغرى داج) وقد اكتشفت بقايا السفينة على “جبل الجودي” الذي يقع على بعد (250) ميلاً إلى الجنوب من جبل “أرارات”، في جنوب شرقي تركيا بالقرب من حدودها مع كل من العراق وسوريا إلى الشمال من مدينة الموصل.
ومن المعروف أن جبل “أرارات” يوجد في أقصى الشمال الشرقي من تركيا على حدود أرمينيا، وهو كتلة بركانية بها أعلى قمتين في تركيا ترتفع إحداهما إلى (5185) متراً فوق مستوى سطح البحر بينما ترتفع الأخرى إلى 3093 متراً.
ففي منتصف شهر مايو من سنة 1948م اكتشف أحد رعاة الغنم الأتراك واسمه رشيد سرحان (Reshit Sarihan) بقايا من أخشاب سفينة نوح – عليه السلام – في قمة “جبل الجودي” (Mount Judi or Cudi Dagh) وعلى إثر هذا الاكتشاف تتابعت دراسات الموقع إلى وقتنا الراهن، وتم إصدار العديد من النشرات عنه من أمثال أعمال كل من مارتن روى (Martin Wroe, 1994)، تشارلين ويلليس (Charles Willis, 1980)، وجون وارويك مونتجومري (John Warwick Montegomry) في السبعينيات من القرن العشرين، والتي أثبتت جميعها صدق الاكتشاف وقد أعطت البقايا الخشبية للسفينة المكتشفة عمراً مطلقاً في حدود (4500) سنة قبل الميلاد وذلك باستخدام طريقة الكربون المشع كما أعلن مارتن روى بجريدة الأوبزرفر اللندنية بتاريخ (16/1/1994م).
وعلى الرغم من ذلك، ومن إخبار القرآن الكريم برسو السفينة على “جبل الجودي”، ومن وجود بعض الكتابات التاريخية القديمة التي تم اكتشافها مؤخراً والتي تسجل ذلك من مثل كتابات كل من “بيراسوس” (Berasus) وهو من كهان الحضارة البابلية، و”أبيدينوس” (Abydenus) وهو من تلامذة سقراط، ومن رموز الحضارة اليونانية القديمة، فقد ظلت محاولات الغربيين مستميتة في إثبات رسو سفينة نوح على جبل أرارات (اراراط أو أغرى داج) حتى أعلنت مجموعة من العلماء الروس بتاريخ (25/3/2005م) في مؤتمر صحفي نقلته وكالة إنترفاكس للأنباء (The Interfax News Agency) أنه لا توجد أية آثار لسفينة نوح على “جبل أرارات”، وأن جميع العينات التي درست تؤكد ذلك، كما أكدته دراسات فادين تشيرنوبورف (Vadin Chernoborv) الذي أوفد مجموعة العلماء هذه للقيام بتلك الدراسة.
من ذلك يتضح جانب الإعجاز الإنبائي في استعراض القرآن الكريم لقصة نبي الله نوح – عليه السلام – مع قومه، والتي لخصتها الآية التي اتخذناها عنواناً لهذا المقال. فالحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله على نعمة القرآن، والحمد لله على بعثة خير الأنام – صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

موقع فضيلة الدكتور زغلول النجار

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: