الإعجاز التاريخي في الآية ” وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ.. “/ د. زغلول النجار

الإعجاز التاريخي في الآية ” وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ.. “/ د. زغلول النجار

 

قال الله تعالى:” وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ ‏” (يس‏:41)‏.

هـذه الآية الكريمة جاءت في منتصف سورة يس‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها ثلاثة وثمانون‏ (83)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم الذي قيل فيه إنه من المقطعات الهجائية التي استفتحت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم‏ ,‏ أو أنه من أسماء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ، أو لقب من ألقابه الشريفة ، وذلك بدليل توجيه الخطاب إليه مباشرة في جواب القسم بالقرآن الحكيم على صدق رسالته وذلك بقول الحق ـ تبارك وتعالى ‏: ‏” يس . وَالْقُرْآنِ الحَكِيمِ . إِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ . عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . تَنزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ . لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ
غَافِلُونَ ” (يس‏:1‏-‏6)‏ . وهذا الاستهلال العظيم الذي يلخص طبيعة الرسالة التي أوحى بها رب العالمين إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ، وهذا القسم المعظم بالقرآن الحكيم على حقيقة نبوته وصدق رسالته‏ ,‏ وعلى استقامة منهج تلك الرسالة السماوية الخاتمة التي أنكرها كثير من الكفار والمشركين‏ ,‏ والعصاة الضالين الغافلين‏ ,‏ والتي أنزلها رب العالمين إنذاراً لأهل الجاهلية الذين كانوا قد فقدوا الصلة بوحي السماء‏ ,‏ فانحرفوا عن منهج الله‏ ,‏ وحادوا عن حقيقة رسالة الإنسان في هذه الحياة فضلوا وأضلوا‏ ,‏ خاصة وأن المسافة الزمنية بينهم وبين آخر رسالة سماوية كانت قد طالت، فلم يكن آباؤهم الأقربون قد تلقوا مثل هذا الإنذار من الله‏ ,‏ وهذا الإنذار كما كان لكفار ومشركي الجزيرة العربية هو للبلايين الغافلة في جنبات الأرض اليوم‏ ,‏ ومن بدء البعثة المحمدية الشريفة وحتى قيام الساعة ‏.‏
وبعد هذا الاستهلال الكريم تستمر سورة يس بقول ربنا ـ تبارك وتعالى‏ : ‏” لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ . إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ . وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَداًّ وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَداًّ فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ . وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ . إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ . إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ ” (يس‏:7‏-‏12)‏ .
وهذه الآيات الكريمة تصف حال الكفار والمشركين في زمن الوحي ، وإلى يوم الدين فتقول بأن الله ـ تعالى ـ يعلم بعلمه المحيط أن أكثر الناس لن يكونوا بمؤمنين، وهؤلاء المحكوم عليهم بالشقاء‏ ,‏ كمن جعلت الأغلال في عنقه تجمع إليها يديه إلى ما دون ذقنه‏ ,‏ فارتفع رأسه فصار مقمحاً ـ أي مرفوع الرأس من شدة الضيق والعذاب مع غض البصر‏ ,‏ لا يستطيع أن يطأطئ رأسه لوصول الأغلال إلى ذقنه‏ ,‏ وهو تمثيل رائع لحال هؤلاء المصرين على الكفر بالله ـ تعالى ـ أو على الشرك به‏ ,‏ وعلى إنكار نبوة الرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ، والكفر برسالته‏ ,‏ وعلى عدم الخضوع للحق الذي جاء به‏ ,‏ فجعل الله ـ تعالى ـ بينهم وبين الحق سدوداً من أمامهم ومن خلفهم‏ ,‏ وجعل على أبصارهم غشاوة فلا يبصرون الحق أبداً‏ ,‏ فكأنهم قد حبسوا في حظيرة الجهالات‏ ,‏ وحرموا من النظر في الدلائل والآيات كالأعمى في جنح الظلام لا يرى نوراً‏ ,‏ ولا يدرك طريقاً‏ ,‏ وإنسان هذا شأنه لن يؤمن أبداً سواء جاءه من ينذره أو لم يجئه‏ .‏
وتوجه الآيات الحديث إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن إنذاره لا يفيد إلا من كان لديه الاستعداد الكامل لاتباع القرآن الكريم‏ ,‏ وخشية رب العالمين الذي لا يمكن له أن يراه في الدنيا، ولكن يرى آثار إبداعه في خلقه حيثما نظر‏ ,‏ وهذا هو الذي يستحق البشارة بمغفرة الله لسيئاته‏ ,‏ وبمضاعفة أجره الكريم على ما قدم من حسنات‏ .‏
وتضيف الآيات قول الله ـ سبحانه وتعالى ـ بأنه يحيي الموتى‏ ,‏ ويسجل على عباده ما قدموا في الدنيا من أعمال‏ ,‏ وما تركوا وراءهم فيها من آثار‏ ,‏ وكل شيء قد أحصاه الله ـ تعالى ـ في اللوح المحفوظ ، وهو كتاب واضح مبين‏ ,‏ به كل ما كان وما يكون إلى يوم القيامة‏ .‏
وفي التأكيد على عدد من ركائز العقيدة الإسلامية، وهي المحور الرئيسي للسورة ضربت الآيات بعد ذلك مثلاً بأهل قرية كان أهلها من عبدة الأوثان‏ ,‏ فأرسل الله ـ تعالى ـ إليهم رسولين فكذبوهما‏ ,‏ وعززهما الله برسول ثالث، وتقدم ثلاثتهم بدعواهم إلى عبادة الله ـ سبحانه وتعالى ـ وحده بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏ ,‏ فكذبهم أهل هذه القرية الظالمة‏ ,‏ ونفوا رسالتهم‏ ,‏ كما نفوا وحي الله ـ تعالى ـ إليهم‏ ,‏ فأجاب المرسلون بأن الله ـ جل جلاله ـ يعلم بأنه أرسلنا إليكم‏ ,‏ وأن وظيفة الرسول هي مجرد البلاغ المبين عن رب العالمين‏ ,‏ والأمر بعد ذلك متروك إلى الناس “‏ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ‏” ,‏ وعلى الرغم من هذه السماحة فقد أخذت أهل القرية العزة بالإثم، وردوا بغلظة بالغة عليهم يلخصها القرآن الكريم في الآيتين الكريمتين التاليتين فيقول ‏:‏ ” قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ” (‏يس‏:18-19)‏ .
وجاءهم رجل من أقصى المدينة سمع بالدعوة إلى دين الله فاستجاب لها ، وآمن بها بعد ما رأى فيها من دلائل الحق‏ ,‏ وعلامات الصدق‏ ,‏ وسوية المنطق ، جاء يدعو قومه الضالين وهم يجحدون الحق‏ ,‏ ويتوعدون الرسل ويتهددونهم ‏: ‏” وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ . اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ . وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . أَأَتَّخِذُ مِـن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ . إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ . إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ” (يس‏:20‏-‏25) .
ويوحي تتابع الآيات بعد ذلك أن كفار القرية قتلوا هذا العبد المؤمن‏ ,‏ وأن الله ـ تعالى ـ أكرمه بمنازل الشهداء‏ ,‏ وتروي الآيات حواراً معه وهو في العالم الآخر على النحو التالي ‏:‏ ” قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ ” (يس‏:26‏,‏27)‏ .
وتؤكد الآيات ما نزل بقومه من العذاب‏ ,‏ كما نزل على من سبقهم من الأمم المكذبة بدين الله‏ ,‏ وكما ينزل اليوم بالمكذبين المعاصرين‏ ,‏ وكما سينزل مستقبلاً على أمثالهم من الكفار والمشركين الآثمين إلى يوم الدين‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات متحسرة على الذين لا يتعظون بمصارع الهالكين‏ :‏ ” وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ . إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ . يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ . أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ القُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ . وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ” ‏(‏يس‏:28‏-‏32)‏ .
وتستمر السورة من الآية رقم‏ (33‏ إلى ‏44)‏ في استعراض عدد من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في جنبات الكون‏ ,‏ والمثبتة لحقيقة الألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة للإله الخالق البارئ المصور فوق جميع خلقه ‏.‏
ومع وفرة هذه الآيات الكونية ووضوحها لكل ذي بصيرة ، فإن الغالبية من العباد في غفلة عنها‏ ,‏ ومع كثرة أنبياء الله ورسله الذين أرسلوا لهداية أهل الأرض إلى حقيقة وجودهم ورسالتهم في هذه الحياة ، وزودوا بالعديد من الآيات والمعجزات التي تشهد على صدق دعاواهم ، فإن غالبية أهل الأرض سخروا من أنبياء الله ورسله ، وكذبوهم ، وتطاولوا عليهم‏ ,‏ وخالفوا أوامرهم‏ ,‏ واستعجلوا البعث الذي وعدوا به‏ ,‏ والعذاب الذي أنذروا به وهم لا يدرون أن الله سريع الحساب وفي ذلك تقول الآيات‏ : ‏” وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ . وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ . وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ . فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ” (يس‏:45‏-‏50) .‏
و‏(‏الصيحة الواحدة‏)‏ هنا هي نفخة الصعق التي يموت على أثرها كل حي علي حاله‏ , ” ‏وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ‏”‏ أي مشغولون بالدنيا يتخاصمون ويتنازعون فيما انهمكوا فيه من شئونها‏ ,‏ غافلين عن الآخرة وأهوالها‏ .‏
ثم تنتقل الآيات إلى مشهد البعث فتقول ‏: ” وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ . قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ المُرْسَلُونَ . إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ . فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ” (‏يس‏:51‏-‏54)‏ .
و‏(‏نفخة الصور‏)‏ هنا هي نفخة البعث التي يُبعث على أثرها جميع من في القبور مندهشين مذعورين متسائلين‏ :‏ ” مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ” ؟ ثم يتذكرون ما وعدوا في حياتهم الدنيا فكذبته غالبيتهم، فيعترفون في صغار وذلة قائلين‏ : ” هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ المُرْسَلُونَ ” . ‏ثم تأتي صيحة العرض الأكبر أمام رب العالمين‏ ,‏ وهي صيحة واحدة يجمع على إثرها جميع الخلق أمام خالقهم لحسابهم‏ ,‏ وإذا القرار العلوي يتردد في هذا الموقف الرهيب‏: ‏” فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون‏ ” ‏(يس:54) .
وتأخذ الآيات في التمييز بين نعيم أهل الجنة في الجنة، وشقاء أهل النار في الجحيم‏ ,‏ وترتفع الأصوات مخاطبة أهل النار لتقول ‏: ‏” وَامْتَازُوا اليَوْمَ أَيُّهَا المُجْرِمُونَ . أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ . وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ . وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ . هَذِهِ جَهَنَّمُ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ . اصْلَوْهَا اليَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ . الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ . وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِياًّ وَلاَ يَرْجِعُونَ ” ‏(‏يس‏:59‏-‏67) .‏
‏”‏ وَامْتَازُوا اليَوْمَ أَيُّهَا المُجْرِمُونَ “‏ أي انعزلوا بعيداً وانفردوا وانفصلوا عن المؤمنين للقاء مصيركم من النار و ‏” أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ ‏”‏ بمعنى أوصيكم‏ ,‏ أو أكلفكم‏ ,‏ و ” جِبِلاًّ كَثِيراً ” أي خلقاً كثيراً‏ ,‏ و‏(‏اصلوها‏)‏ أي قاسوا حرها‏ ,‏ واحترقوا فيها ‏.‏
و “‏ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ “‏ أي لمحونا أعينهم ومسحناها‏ ,‏ و ” فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ ‏”‏ أي تبادروا إلى الطريق ليجوزوه فلم يستطيعوا‏ , “‏ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ‏”‏ أي فكيف يبصرون؟، ومعنى‏ “‏ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ ‏”‏ أي لبدلنا صورهم الإنسانية إلى مسخ آخر وهم في أماكنهم‏ .‏
هذا كله حين يحين موعد الآخرة الذي يستعجلونه تكذيباً به‏ ,‏ واستهتاراً بهوله‏ ,‏ أما لو تركوا في الأرض‏ ,‏ وعمروا طويلا‏ًً ,‏ فإنهم صائرون إلى حالة من الضعف والعجز والشيخوخة والهرم يستعجلون معه الموت‏ ,‏ وفي ذلك تقول السورة الكريمة‏ :‏ ” وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ ‏” (يس‏:68)‏ .
وهذه النكسة هي عاقبة المكذبين في الدنيا‏ ,‏ فلا يلقون تكريماً من الله ـ تعالى ـ في ضعف الكبر‏ ,‏ وعجز الحواس والأطراف‏ ,‏ وكثرة الأمراض والعلل‏ ,‏ بينما يكرم ربنا ـ تبارك وتعالى ـ عباده الصالحين في كبرهم كما يكرمهم في آخرتهم أما الكفار والمشركون‏ ,‏ والطغاة الظالمون المتجبرون فعقابهم في الدنيا أكيد وحسابهم في الآخرة أنكى وأشد ‏.‏
وبعد ذلك تعاود سورة يس ما بدأته في أولها من تأكيد على حقيقة الوحي الذي أوحاه الله ـ تعالى ـ إلى خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم، وعلى صدق نبوته ورسالته‏ ,‏ وعلى حكمة القرآن وصفائه الرباني إلى الحد الذي يقسم به ربنا ـ تعالى ـ شأنه وهو الغني عن القسم بحقيقة كل ذلك، فتأتي الآيات بالرد القاطع على الذين ادعوا على رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بأنه شاعر‏ ,‏ وعلى القرآن الكريم بأنه شعر حين عجزوا عن الإتيان بشيء من مثله وهم في قمة من قمم الفصاحة والبلاغة وحسن البيان فتقول‏ : ‏” وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ . لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَياًّ وَيَحِقَّ القَوْلُ عَلَى الكَافِرِينَ ” (‏يس‏: 69-70)‏ .
وتنتقل الآيات في ختام هذه السورة المباركة إلى استعراض عدد آخر من آيات الله في الكون حتى تكون شاهدة على طلاقة القدرة الإلهية في إبداع الخلق‏ ,‏ وعلى قدرته ـ تعالى ـ على الإفناء والبعث‏ ,‏ مستنكرة كفر الكافرين وشرك المشركين فتقول ‏: ‏” أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ .وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ . وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ . وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ . لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ . فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ . أَوَ لَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ . وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ . أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ . إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ . فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ “‏ ‏(‏يس‏:71‏-‏83) .‏
وهكذا تختتم سورة يس بهذا الختام الرائع الذي يهز العقل والقلب معا‏ًً ,‏ والذي فيه رد علمي دقيق على المشركين‏ ,‏ وخطاب مطمئن رصين إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليه ‏ ,‏ وعتاب رباني رحيم لكل إنسان مدرك لحقيقة خلقه من نطفة لا ترى بالعين المجردة‏ ,‏ ولكل متشكك في إمكانية البعث بعد الموت‏ ,‏ أن يدرك أن الله ـ تعالى ـ قد جعل لنا من الشجر الأخضر النار التي منها نوقد، والعديد من مصادر الطاقة المتاحة للإنسان‏ ,‏ وأن يدرك أن الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وهو الخلاق العليم، ثم التأكيد على أن من صفات هذا الخلاق العليم أن يقول للشيء‏ :‏ كن فيكون؛ لأنه ـ تعالى ـ خالق كل من المادة والطاقة‏ ,‏ والجمادات‏ ,‏ والأحياء‏ ,‏ والمكان والزمان‏ ,‏ فلا يعصي أمره شيء من خلقه إلا عصاة الإنس والجن في فترة اختبارهم طوال حياتهم الأرضية القصيرة فقط‏ ,‏ وقد أعطاهم ـ سبحانه وتعالى ـ العقل والنفس والشهوات والإرادة الحرة‏ ,‏ وحرية الاختيار‏ ,‏ وهم مع ذلك داخلون في دائرة قدر الله الغالب الذي لا خروج عليه ولا مهرب منه‏ ,‏ ومن هنا ختمت هذه السورة المباركة بتأكيد أن الله ـ تعالى ـ بيده ملكوت كل شيء‏ ,‏ وأن مصير كل موجود إليه ـ سبحانه وتعالى ـ فلا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه‏.‏ وهذه الآيات الجامعة تهز القلوب الواعية، والعقول المستنيرة، والأبدان الطاهرة‏ ,‏ ويتحرك لوقعها كل ما في الوجود‏ .‏
من ركائز العقيدة الإسلامية في سورة يس :
‏(1)‏ الإيمان بأن القرآن الحكيم هو تنزيل من رب العالمين لإنذار الخلق أجمعين إنذاراً نهائيا‏ًً ؛‏ لأنه آخر الكتب السماوية المنزلة‏ ,‏ وأتمها وأكملها‏ ,‏ والكتاب السماوي الوحيد الذي تعهد ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بحفظه فحُفظ حفظاً كاملا‏ً ,‏ بنفس لغة وحيه ـ اللغة العربية‏ ـ على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية سيظل محفوظاً إلى أن يرث الله ـ تعالى ـ الأرض ومن عليها‏ .‏
‏(2)‏ التصديق بجميع أنبياء الله ورسله‏ ,‏ وعلى رأسهم إمامهم وخاتمهم أجمعين‏ ,‏ سيدنا محمد بن عبد الله صاحب النور المبين‏ ,‏ والصراط المستقيم‏ ,‏ الذي آتاه الله ـ تعالى ـ جوامع الكلم‏ ,‏ ولم يكن شاعراً‏ ,‏ ولا الشعر ينبغي له‏؛‏ لأن غالبية الشعراء يتبعهم الغاوون‏ .‏
‏(3)‏ الإيمان بالله ـ سبحانه وتعالى ـ رباً واحداً أحداً‏ ,‏ فرداً صمدا‏ًً ,‏ لا يشاركه في ملكه شريك‏ ,‏ ولا ينازعه في سلطانه منازع‏ ,‏ ولا يشبهه من خلقه أحد‏ ,‏ وهو ـ تعالى ـ منزه عن الصاحبة والولد‏ ,‏ وهو خالق كل شيء وغيره لا يخلق‏ ,‏ ويعلم كل شيء فلا يخرج شيء عن علمه من سر أو نجوى أو علن‏ ,‏ وأنه يحيي الموتى ويكتب ما قدموا وآثارهم‏ ,‏ وأن كل شيء محصى عنده في اللوح المحفوظ‏ ,‏ وهو العزيز الرحيم النافع الضار‏ ,‏ الذي بيده ملكوت كل شيء واليه يرجع الخلق أجمعون‏ ,‏ وهو أحكم الحاكمين‏ ,‏ فأمره إذا أراد شيئا أن يقول له‏ :‏ كن فيكون‏ ,‏ وهو الذي ينزل رحماته على من يشاء من عباده المتقين ‏.‏
‏(4)‏ اليقين بأن الشرك بالله ـ تعالى ـ كفر به‏ ,‏ وأنه من أبشع ألوان ظلم الإنسان لنفسه‏ ,‏ وأنه من وساوس الشيطان، وأن الشيطان للإنسان عدو مبين‏ ,‏ ولابد لكل عاقل من تطهير عقيدته من أبسط ألوان الشرك‏؛ لأن التوحيد الخالص لله هو هداية الله ـ تعالى ـ لخلقه، وهو رسالة كل أنبياء الله والمرسلين منهم‏ .‏
‏(5)‏ التصديق بحتمية الموت‏ ,‏ وبحتمية البعث والنشور على جميع الخلق‏ ,‏ وبحتمية الحساب والجزاء‏ ,‏ والخلود الأبدي في الحياة الآخرة إما في الجنة أبداً أو في النار أبدا‏ًً ,‏ والتسليم بحقيقة الجنة ونعيمها‏ ,‏ وحقيقة النار وجحيمها‏ .‏
” وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ ‏” (يس‏:41)‏.

من الإشارات الكونية في سورة يس :
‏(1)‏ الإشارة إلى إحياء الأرض بإنزال المطر عليها‏ ,‏ وإخراج الحب منها‏.‏ وإثرائها بجنات من نخيل وأعناب‏ ,‏ وتفجير العيون فيها ‏.‏
‏(2)‏ خلق كل شيء في زوجية واضحة‏ ,‏ ومعنى الزوج الفرد الذي له شريك يغايره في الفطرة، ويماثله في الهيئة، ويناسبه في المعاشرة والتلازم لاستمرارية الحياة‏ ,‏ وهذه الزوجية التي وضعها الله ـ تعالى ـ قاعدة للوجود من اللبنات الأولية للمادة إلى الإنسان تشهد للخالق ـ سبحانه وتعالى ـ بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏ .‏
‏(3)‏ الإشارة بسلخ النهار من الليل إلى رقة طبقة النهار التي لا يزيد سُمكها عن مائتي كيلو متر فوق مستوى سطح البحر‏ ,‏ بينما تصل المسافة بين الأرض والشمس إلى حوالي مائة وخمسين مليون كيلو متر‏ ,‏ ومعنى ذلك أن الأصل في الكون الظلام‏ ,‏ وان النور نعمة عارضة فيه‏ ,‏ وان تبادل الليل والنهار على نصفي الأرض يؤكد هذه الحقيقة‏ ,‏ ويشير إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏ .‏
‏(4)‏ إثبات حقيقة أن الشمس تجري لمستقر لها حسب تقدير العزيز العليم‏ .‏
‏(5)‏ وصف دوران القمر حول الأرض في منازل محددة‏ ,‏ متدرجاً في هيئات متتالية من الهلال إلى البدر إلى هلال كالعرجون القديم قبل الدخول إلى المحاق‏ .‏
‏(6)‏ الإشارة إلى جري كلٍ من الأرض والقمر والشمس في مدارات محددة لكل منها‏ ,‏ مما ينطبق على جميع أجرام السماء‏ .‏
‏(7)‏ الامتنان على بني الإنسان الذين يملئون جنبات الأرض اليوم‏ ,‏ والذين عاشوا من بعد نوح ـ عليه السلام إلى اليوم ثم ماتوا‏ ,‏ والذين سوف يأتون من بعدنا إلى قيام الساعة بأنهم كانوا في صلب نوح ـ عليه السلام ، وفي أصلاب الذين نجوا معه من الطوفان في الفلك المشحون‏ ,‏ ومعهم زوجان من كل أنواع الخلق‏ .‏ وقد أثبتت الدراسات الأثرية وجود بقايا خشبية فوق جبل الجودي في جنوب شرقي تركيا تمثل واحدة من بقايا سفينة نوح‏ ,‏ خاصة أن هذه القمة تمثل أعلى القمم في جبال جنوب تركيا‏ ,‏ وأن هذه الألواح الخشبية مدفونة في رسوبيات تكونت من مياه عذبة‏ ,‏ وأن آثار هذا الطوفان موجودة في السهول الشاسعة الممتدة بين النهرين‏ ـ‏ دجلة والفرات‏ .‏
والامتنان أيضا بأن الله ـ تعالى ـ خلق لبني آدم مثل هذا الفلك ما يركبون من مختلف وسائل المواصلات‏ .‏
‏(8)‏ الإشارة إلى أن الله ـ تعالى ـ ‏(‏الذي أنطق كل شيء‏)‏ سوف يُنطق الأيدي والأرجل لتشهد على أصحابها يوم القيامة‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تثبت أن لكل خلية حية قدراً من الوعي والإدراك والتمييز ومن القدرة على استيعاب المعلومات وتخزينها‏ .‏
‏(9)‏ التأكيد على أن من طال عمره زادت قوى الهدم في جسده على قوى البناء‏ ,‏ وبدأ الضمور يظهر على أجهزة هذا الجسد حتى يعمه، فينكسه الله ـ تعالى ـ في الخلق حتى يموت إلا من رحم‏ .‏
‏(10)‏ الإشارة إلى خلق الأنعام، وإلى ما فيها من آيات عظام‏ ,‏ ومن أهمها تذليلها للإنسان ‏.‏
‏(11)‏ التأكيد على حقيقة خلق الإنسان من نطفة، فإذا هو خصيم لربه مبين‏ .‏
‏(12)‏ إثبات أن الله ـ تعالى ـ هو الذي ينشئ العظام في الجنين‏ ,‏ والتأكيد على أن الذي أنشأها أول مرة قادر على أن يحييَها وهي رميم ‏.‏
‏(13)‏ الإشارة إلى تزود الشجر الأخضر بقدر من طاقة الشمس‏ ,‏ وتخزينها على هيئة عدد من الروابط الكيميائية فيما يبنيه النبات من كربوهيدرات ، وزيوت ، ودهون تمثل مصدراً مهماً من مصادر الغذاء للإنسان ولكثير من الحيوان‏ ,‏ وتتحول عند الجفاف أو التحلل الجزئي إلى العديد من مختلف مصادر الطاقة التي يحتاجها الإنسان في حياته على الأرض‏ .‏
‏(14)‏ التأكيد على حقيقة أن الله ـ تعالى ـ هو خالق السماوات والأرض، وخالق كل شيء‏ ,‏ وأنه قادر على إفناء خلقه ثم بعثه من جديد ‏.‏
‏(15)‏ وأن من صفات هذا الخالق العظيم أن يأمر الشيء بـ ‏(‏كن‏)‏ فيكون ‏؛‏ لأن ملكوت كل شيء‏‏ بيديه‏ ,‏ وكل مخلوق عائد إليه لا محالة ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فإني سوف أقصر حديثي هنا على النقطة السابعة من القائمة السابقة والتي يقول فيها ربنا ـ تبارك وتعالى ‏:
‏” وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ ‏” (‏يس‏:41)‏ .
من الدلالات العلمية للآية القرآنية الكريمة :
في عدد من الآيات الكونية المبهرة في الأنفس والآفاق ساقتها سورة يس للاستدلال على حقيقة الألوهية‏ ,‏ وعلى طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏ ,‏ وشهادة ذلك على إمكانية البعث وحتميته جاء قول ربنا ـ تبارك وتعالى ‏:‏ ” وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ ‏” (يس‏:41)‏ .
ومن دلالات هذه الآية الكريمة ـ والخطاب فيها موجه إلي كل الناس ـ أن ذريتهم جميعا‏ :‏ بالبلايين التي عاشت وماتت من بعد طوفان نوح إلى اليوم ، والبلايين التي تملأ جنبات الأرض اليوم‏ ,‏ وممن سوف يخلفوننا إلى قيام الساعة‏ ,‏ كل هؤلاء كانوا محمولين في الفلك المشحون في صلب نبي الله نوح ـ على نبينا وعليه من الله السلام ، وفي أصلاب الذين آمنوا برسالته فنجاهم الله ـ تعالى ـ في معية هذا العبد الصالح والنبي الصالح‏ .فالموجة الثانية من ذرية آدم إلى آخر من يعقب كانت في سفينة نبي الله نوح ـ عليه السلام ، وعلى ذلك فإن هذا النبي وصحبه الكرام يمثلون الأبوة الثانية للبشرية بعد هلاك من كفر من قوم نوح بالطوفان ‏.‏
والمعارف المكتسبة من علم الوراثة تؤكد على حقيقة أن بني آدم جميعاً كانوا في صلب أبيهم آدم ـ عليه السلام ـ لحظة خلقه‏ ,‏ أي في شيفرته الوراثية المتخلقة في خلاياه التكاثرية‏ ,‏ والتي يخلقها ربنا ـ تبارك وتعالى ـ من وضع دقيق بين الصلب والترائب‏ ،‏ وهذا المخزون الوراثي ‏(Genetic Pool)‏ الذي كان في صلب أبينا آدم ـ عليه السلام ـ شاركته فيه أمنا حواء ـ رضي الله عنها ـ التي خلقها الله ـ سبحانه وتعالى ـ من آدم بعلم الله وحكمته وقدرته‏ ,‏ ثم جعل ربنا ـ تبارك وتعالى ـ من التزاوج سنة من سنن الحياة‏ ,‏ وسبباً في تكاثر الخلق وعمارة الأرض‏،‏ لذلك جعل هذا الخالق العظيم الحكيم الشيفرة الوراثية للإنسان في معظم خلاياه‏ ,‏ وجعلها محمولة على عدد محدد من الصبغيات هو‏ (46)‏ صبغياً يحدد نوع الإنسان‏ ,‏ وجعل الخلايا الجسدية‏ ـ‏ أي التي ينبني منها الجسد‏ ـ‏ تحمل عدد الصبغيات كاملا‏ًً (46‏ صبغياً‏)‏ بينما شاءت إرادته الحكيمة أن تحمل خلايا التكاثر أو النطف‏ ـ الحيامن (‏(Sperms والبييضات ‏Oocytes)) ـ‏ نصف عدد الصبغيات ‏(23‏ صبغياً فقط‏)‏ في كل خلية تكاثرية‏ ,‏ حتى إذا اتحدا وتمت عملية الإخصاب بنجاح تكامل عدد الصبغيات إلى ‏(46)‏ وهو العدد المحدد للنوع‏ .‏
والنطفة المخصبة‏ (Fertilized ovum or Zygote)‏، والتي يسميها القرآن الكريم باسم النطفة الأمشاج ـ أي المختلطة ـ تبدأ في الانقسام المستمر حتى تكون الحوصلة الأريمية ‏(Blastocyst)‏ التي تنغرس في جدار الرحم، وتستطيل مكونة مرحلة العلقة‏ (Leech-like stage)‏، أو الأريمة المنغرسة‏ (Implanted Blastula) ,‏ ثم تتحول إلى مرحلة المضغة‏ (An embryo in the shape of a chewed piece of meat) ,‏ وتتحول المضغة إلى مرحلة العظام‏ (The Skeletal Stage) ,‏ ثم كسوة العظام باللحم وإنشاء الجنين ‏(Embryo)‏ خلقاً آخر حين ينتقل إلى مرحلة الحميل ‏(Fetus)‏ بعد نهاية الأسبوع الثامن من ليلة الإخصاب‏ ,‏ ويخرج هذا الحميل عند ميلاده بعد فترة تتراوح بين ‏177‏ ليلة إلى ‏266‏ ليلة ـ أي بعد ستة إلى تسعة أشهر قمرية ـ حاملاً نصف صفاته عن أبيه وأسلاف أبيه إلى آدم‏ ـ‏ عليه السلام‏ ,‏ والنصف الآخر عن أمه وأسلافها إلى حواء‏ ـ‏ رضي الله عنها‏ .‏
وإذا علمنا أن الشيفرة الوراثية في الخلية الواحدة من خلايا جسم الإنسان تتكون من ‏18.6‏ بليون جزيء من ثلاثة مركبات كيميائية موزعة عليها بالتساوي‏ (6.2‏ بليون جزيء لكل واحد من هذه المركبات الكيميائية الثلاثة‏)‏، وهذه المركبات هي القواعد النيتروجينية‏ ,‏ والفوسفات‏ ,‏ والسكر‏،‏ وتتجمع هذه البلايين من الجزيئات في‏3.1‏ بليون نويدة‏
(Nucletide)،‏ حيث يجتمع لكل نويدة زوج من القواعد النيتروجينية يستند كل واحد منهما إلى جزيئين أحدهما من السكر والآخر من الفوسفات‏ ,‏ وتتوزع هذه النويدات في أكثر قليلاً من بليون شفيرة‏ (Codon)‏ تتكون كل واحدة منهما من ثلاث نويدات‏ ,‏ وتتوزع هذه الشفيرات في حوالي أربعين ألف مورث ‏(Gene) ,‏ وتنتشر الجينات على طول الصبغيات الستة والأربعين المحددة لنوع الإنسان‏ ,‏ وإذا علمنا أن هذا الحشد من ‏18 ,6‏ بليون قاعدة كيميائية تكتب الصفات الوراثية للإنسان‏ ,‏ وأنه إذا اختل وضع جزئ واحد من هذه البلايين من الجزيئات عن وضعه المحدد له، فإن صاحبه إما أن يشوه خلقياً أو لا يكون ‏.‏ وإذا علمنا أن هذه الشيفرة الوراثية تتكدس في حيز لا يزيد على الواحد من مليون من المليمتر المكعب‏ ,‏ وأن قطر الخلية الحية من خلايا جسم الإنسان لا يزيد على ‏0.3‏ من الملليمتر في المتوسط‏ ,‏ وأن الصبغيات تنقسم باستمرار لتكوين خلايا التكاثر العجيبة‏ ـ ‏النطف‏ ،‏ وأنه إذا عدنا بعملية الانقسام لتكوين تلك الخلايا التكاثرية إلى الوراء مع الزمن‏ ,‏ فإن الشيفرات الوراثية لجميع بني آدم الذين تم خلقهم ثم ماتوا‏ ,‏ والأحياء ـ ويموت منهم الملايين في كل يوم ، والذين سوف يخلقون إلى قيام الساعة‏ ,‏ كل هؤلاء كانوا في صلب أبينا آدم ـ عليه السلام ـ لحظة خلقه‏ ,‏ ثم انتقل من هذا المخزون الوراثي الأول جزء إلى نوح ـ عليه السلام ، وإلى من آمن معه‏ ,‏ ويشكل هذا الجزء المخزون الوراثي الثاني الذي خلق ويخلق وسوف يخلق منه كل البشر من بعد طوفان نوح إلى قيام الساعة‏ ,‏ ولذلك قال ربنا ـ تبارك وتعالى ـ مخاطباً الناس من بعد نوح‏ : ” وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ ‏” (يس‏:41)، وقال ـ عز من قائل‏ :‏ ” إِنَّا لَمَّا طَغَا المَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الجَارِيَةِ ‏” (‏الحاقة‏:11) ، وقال ـ وهو تعالى أصدق القائلين ‏: ‏” ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً ‏” (الإسراء‏:3) .‏
ومن معاني هذه الآيات القرآنية الثلاث أن جميع أفراد الدورة الثانية للبشرية من لدن نجاة نبي الله نوح ـ عليه السلام ، والذين آمنوا معه من نازلة الطوفان إلى قيام الساعة كانوا جميعاً في الفلك المشحون (أي في سفينة نوح ـ عليه السلام ـ) ولم يكن ممكناً تصور هذه الحقيقة إلا بعد التطور المذهل في علوم الوراثة مع بداية القرن العشرين‏ ,‏ وسبق القرآن الكريم بالإشارة الضمنية إلى هذه الحقيقة‏ ,‏ والتأكيد على أنها من آيات الله في الخلق يشهد بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية فحفظه حفظاً كاملا‏ًً :‏ كلمة كلمة ، وحرفاً حرفاًً على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية‏ ,‏ وتعهد ـ سبحانه وتعالى ـ بذلك إلى قيام الساعة‏ .‏
فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على بعثه خير الأنام‏ ,‏ سيد الأولين والآخرين‏ ,‏ وخاتم الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ وإمام المتقين الذي بلغ الرسالة الخاتمة‏ ,‏ وأدى أمانتها حق الأداء‏ ,‏ وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين‏ ,‏ فجزاه الله خيراً ما جازى به نبياً عن أمته‏ ,‏ ورسولاً على حسن أداء رسالته‏ ,‏ وآتاه الوسيلة والفضيلة ، والدرجة العالية الرفيعة من الجنة‏ ,‏ إن ربي لا يخلف الميعاد‏ ,‏ وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ، ومن تبع هداه ، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ ,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ‏.‏

موقع فضيلة الدكتور زغلول النجار

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: