الإعجاز التاريخي في : ” كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم..” / مع د.زغلول النجار

قال الله تعالى:” كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ‏ ” (‏التوبـة‏:8).

هــذه الآية الكريمة جاءت في أوائل سورة التوبة‏,‏ وهي سورة مدنية‏, ‏وهي ومن طوال سور القرآن الكريم إذ يبلغ عدد آياتها مائة وتسعة وعشرين ‏(129)‏، وهو مما يجعلها سادس أطول السور بهذا الكتاب المجيد‏,‏ وهي من أواخر السور التي أنزلت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ أنزلت في السنة التاسعة من الهجرة‏ . وقد سميت بهذا الاسم ـ التوبة ـ لورود هذه الكلمة ومشتقاتها في إثنتي عشرة آية من آيات هذه السورة المباركة‏,‏ كما سميت باسم (براءة)، وهي الكلمة التي استهلت بها‏,‏ وسميت باسم (الفاضحة) و(المخزية) و (المثبرة) ـ أي المهلكة‏ ـ (والمنكِّلة) و(سورة العذاب‏)؛‏ وذلك لفضحها المنافقين والمهلكة لهم‏,‏ والمنكلة بهم‏,‏ والواصفة لعذابهم‏,‏ كما سميت باسم (المحفزة) أو (الحافزة) لتحفيزها المؤمنين على الجهاد في سبيل الله من أجل إعلاء دينه‏ .‏
ولم تستفتح سورة التوبة بالبسملة؛ لأن البسملة رحمة من الله ـ تعالى ـ والسورة تبدأ بإعلان من الله ـ سبحانه وتعالى ـ ومن خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالبراءة من المشركين‏,‏ والرحمة والبراءة من ذمة الله وذمة رسوله أمران لا يلتقيان أبداً‏ .‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة التوبة حول عدد من التشريعات الإسلامية المتعلقة بالجهاد في سبيل الله‏,‏ وبمصارف الزكاة‏,‏ والحاكمة للعلاقة بين المسلمين وكلٍ من المشركين‏‏ والمنافقين الذين توسعت السورة في وصف أحوالهم النفسية‏,‏ ومواقفهم العملية من الحق وأهله‏،‏ ونواياهم الشريرة‏,‏ وحيلهم الماكرة في بث بذور الفتنة والفرقة والضعف في صفوف الأمة‏,‏ وذلك من أجل التأكيد على خطر النفاق والمنافقين في المجتمعات الإنسانية ـ بصفة عامة ـ وفي المجتمع المسلم ـ بصفة خاصة ـ ولذلك تضمنت الآيات الثماني والعشرون الأولى من هذه السورة الكريمة حثاً للمسلمين على الجهاد في سبيل الله‏,‏ وتحديداً للعلاقات بين المسلمين والمشركين ومبررات ذلك‏,‏ والأحكام هنا على إطلاقها؛ لأن العبرة في القرآن الكريم هي بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ‏.‏
وبالإضافة إلى ذلك أشارت الآيات في هذا المقطع من السورة الكريمة إلى نصر الله للمؤمنين في مواطن كثيرة‏,‏ وإلى أسباب هزيمتهم في بعض الحالات‏,‏ ومن هذا المقطع نختار قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ :‏ ” الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ‏ . يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ . خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ” ‏(‏التوبة‏:20‏ ـ‏22) .‏
وفي الآيات من‏ (29)‏ إلى ‏(31)‏ تنتقل السورة الكريمة إلى تحديد العلاقات بين المسلمين وأهل الكتاب بصفة عامة‏,‏ وإن كان المقصود في هذه الآيات هو دولة الروم وحلفاءها من نصارى العرب في بلاد الشام وما وراءها‏ .‏ ‏ وتنعي الآيات‏ (38‏ ـ ‏41)‏ على المشركين شركهم‏,‏ وتأمر بقتالهم‏,‏ كما تنعي على بعض المسلمين تثاقلهم إلى الأرض عندما دُعوا إلى الجهاد في سبيل الله فتقول ‏:‏ ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ‏ . ‏إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏”(‏التوبة‏:39,38) .

وتشير الآيات إلى نصرة الله لرسوله وصحبه أثناء الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ‏.‏
‏وتنتقل السورة بعد ذلك إلى القضية الأساسية فيها، والتي تناولتها في أكثر من نصف مجموع آياتها‏ (68‏ آية من الآية رقم ‏41‏ إلى الآية رقم ‏110)،‏ وهي قضية تحريم النفاق‏,‏ وتجريم المنافقين‏,‏ وفضح حيلهم‏,‏ ووصف سوء نفسياتهم‏,‏ وخبث نواياهم‏,‏ ومكرهم وخداعهم‏,‏ واختلاقهم الأعذار للتخلف عن الجهاد في سبيل الله، ولعدم القيام بالواجبات المفروضة عليهم تجاه مجتمعاتهم‏,‏ ومحاولة تقويض تلك المجتمعات بالإرجاف‏,‏ وإثارة الفتن‏,‏ وبث الإشاعات الكاذبة من أجل فرقة المسلمين وإضعاف شوكتهم‏، وتحذرهم من محاولة النيل من قدر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتقول ‏:‏ ” وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيـْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ “‏ (‏ التوبة‏:61) . وتضيف السورة في هذا المقطع الأساسي منها قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ :‏ ” الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ المُنَافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ . وَعَدَ اللَّهُ المُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ‏ ” (‏التوبة‏:68,67)‏ .
وفي هذا المقطع من السورة تستشهد الآيات أيضاً بعدد من الأمم البائدة فتقول ‏:‏ ” أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏” (‏التوبة‏:70)‏ .
وفي مقابل المنافقين تعرض سورة التوبة لشيء من صفات المؤمنين، ولبعض جزائهم في الدنيا والآخرة فتقول ‏:‏ ” وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .‏ وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ ‏ ” (‏ التوبة‏:72,71) .‏
وتأمر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ـ بمجاهدة المنافقين‏,‏ وبعدم الصلاة على أمواتهم أو القيام على قبورهم‏,‏ وبعدم استخدام أيٍ منهم في عمليات الجهاد أبدا‏ًً .‏
وتعاود الآيات إلى ذكر شيء من صفات الرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصفات الذين آمنوا معه من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين‏,‏ وبذكر شيء مما أعد الله ـ تعالى ـ لهم من الخيرات فتقول‏ :” لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ . أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ‏ ” ‏(‏التوبة‏:89,88)‏ . ‏
ويأتي المقطع الأخير من هذه السورة المباركة‏ (‏من الآية رقم ‏111‏ إلى الآية رقم ‏127)‏ في التأكيد على فضل الجهاد في سبيل الله‏,‏ وعلى عظيم أجره عند الله ـ تعالى ـ‏ وبالنهي عن الاستغفار للمشركين‏ مع ضرب المثل بوعد إبراهيم ـ عليه السلام ـ الاستغفار لأبيه‏,‏ ثم تراجعه عنه‏,‏ وبالجزم بعلم الله ـ تعالى ـ بكل شيء‏,‏ وبأن له ملك السماوات والأرض‏,‏ وبأنه هو الذي يحيي ويميت‏,‏ وأن الخلق مالهم من دونه من ولي ولا نصير‏,‏ وبالتأكيد على أن التوبة منة من الله الذي تاب على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة‏,‏ وتاب على الثلاثة الذين خُلِّفوا في المدينة‏,‏ وبالتأكيد على فضل الفقه في الدين‏,‏ وعلى ضرورة أن يتخصص فيه نفر من أبناء المسلمين‏ .‏
ومن هذا المقطع من سورة التوبة نختار قول الحق ـ تبارك وتعالى ـ :‏” إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاًّ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ ‏” (‏ التوبة‏:111) .
وتختتم سورة التوبة بشيء من صفات الرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبتوجيهه إلى التوكل على الله ـ تعالى ـ وحده‏,‏ والاكتفاء بكفالة رب هذا الكون ومليكه‏,‏ رب العرش العظيم، وفي ذلك تقول الآيات موجهة الخطاب إلى أهل مكة‏ :” لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ . فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ “‏ (التوبة:128 ، 129) .
من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله ـ تعالى ـ :”‏ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ‏” (‏ التوبة‏:8).‏ ‏
ذكر صاحب الظلال ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ ما نصه‏ : واقتضت الآيات استنكار أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدوا ثم استقاموا فيُستقام لهم مدة عهدهم ما استقاموا عليه ، مع تذكير المؤمنين بأن المشركين لا يرقبون فيهم عهداً، ولا يتذممون من فعلة لو أنهم قدروا عليهم‏,‏ وتُصور كفر الكافرين‏,‏ وكذبهم فيما يظهرونه للمؤمنين أحياناً من مودة زائفة‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في تفسير الجلالين ـ رحم الله كاتبيه ـ ما نصه‏ :‏ ثم رجع السياق إلى الكلام عن قريش وأعوانهم الذين نقضوا العهد‏,‏ قال تعالى‏:” ‏كَيْفَ‏ “‏ يكون لهم عهد‏، ” ‏وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ‏ “‏ يظفروا بكم‏ “‏ لاَ يَرْقُبُوا‏ ” لا يراعوا ‏” فِيكُمْ إِلاًّ‏ “‏ قرابة”‏ وَلاَ ذِمَّةً “‏ عهداً‏ً,‏ بل يؤذوكم ما استطاعوا‏,‏ وجملة الشرط حال‏ “‏ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ ” بكلامهم الحسن‏ “‏ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ ‏”‏ الوفاء به‏ ” ‏وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ” ناقضون للعهد‏ . ‏(انتهى قول المفسر)
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ـ رحم الله كاتبه ـ ما نصه‏ : ” ‏كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ‏ “‏ أي كيف يكون لهؤلاء الناكثين عهد عند الله، وعند رسوله والحال أنهم‏ “‏ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ‏ “‏ يظفروا بكم ويغلبوكم‏ “‏ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ “‏ لا يراعوا في أمركم‏ “‏ إِلاًّ‏ “‏ عهدا‏ًً‏، أو حلفاً، أو قرابة‏ “‏ وَلاَ ذِمَّةً ‏”‏ حقاً أو عهدا‏ًً .‏ يقال‏ :‏ ظهر عليه يظهر‏,‏ أي غلبه‏,‏ وأظهره على عدوه ‏:‏ أعانه عليه ‏.‏ والذمة‏ :‏ كل أمر لزمك بحيث إذا ضيعته لزمك مذمة ‏.‏ أو هي ‏:‏ مايُتذمم به‏,‏ أي يجتنب فيه الذم‏ .‏ (انتهى قول المفسر) ‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ـ جزاهم الله خيراً ـ ما نصه‏ :‏ كيف تحافظون على عهودهم ـ المشركين‏ ـ وهم قوم إن يتمكنوا منكم ويكونوا ظاهرين عليكم ، فلن يدَّخروا جهداً في القضاء عليكم‏,‏ غير مراعين فيكم قرابة ولا عهدا‏ًً,‏ وهؤلاء يخدعونكم بكلامهم المعسول‏,‏ وقلوبهم منطوية على كراهيتكم‏,‏ وأكثرهم خارجون عن الحق ناقضون للعهد‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
من التشريعات الإسلامية في سورة التوبة :
‏(1)‏ احترام العهود والمواثيق، والعمل على توفيتها كاملة غير منقوصة‏ .‏ ‏
(2)‏ ضرورة إجارة المستجير حتى لو كان مشركاً ‏.‏
‏(3)‏ وجوب الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس لدفع المظالم والظالمين‏,‏ ومقاتلة أئمة الكفر والشرك والضلال ، وعدم جواز التخلف عن ذلك إلا لأعذار حددتها السورة‏ .‏ ‏
(4)‏ عدم جواز السماح للمشركين بعمارة مساجد الله أو بالدخول إلى المسجد الحرام‏ .‏
‏(5)‏ عدم جواز تولية المشركين، وإن كانوا من أقرب الناس نسباً للمسلم‏ (‏الولاء والبراء‏) .‏
‏(6)‏ تحريم كنز الذهب والفضة، وتحريم البخل عن إنفاقهما في سبيل الله ‏.‏
‏(7)‏ تحريم كلٍ من النفاق‏,‏ والنسيء والقتال في الأشهر الحرم‏,‏ والصلاة على المنافقين، أو الصلاة في مساجد الضرار ‏.‏
‏(8)‏ وجوب أداء الزكاة وتحديد مصارفها ‏.‏
‏(9)‏ ضرورة أن ينفر نفر من أبناء المسلمين ليتفقهوا في الدين، وهو فرض كفاية على جميع المسلمين‏ .‏

” كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ‏ ” (‏التوبـة‏:8).

من ركائز العقيدة في سورة التوبة:
‏(1)‏ الإيمان ـ بالله ـ تعالى ـ ربا‏ًً,‏ واحداً أحداً‏,‏ فرداً صمداً‏,‏ ووجوب طاعته وخشيته‏,‏ وتقواه‏,‏ والتسليم بأنه على كل شيء قدير‏,‏ وأنه عزيز حكيم‏,‏ غفور رحيم‏,‏ عالم الغيب والشهادة‏,‏ لا يضيع أجر المحسنين‏,‏ وأنه قد تعهد بنصرة عباده المؤمنين ‏.‏
‏(2)‏ اليقين بأن الخلق لا يعجزون الخالق أبدا‏ًً,‏ وأن الشرك بالخالق كفر به‏,‏ ولذلك يبرأ الله ـ تعالى ـ ورسولُه والمؤمنون من المشركين ‏.‏
‏(3)‏ التسليم بأن حب الله ورسوله‏,‏ وحب الجهاد في سبيل الله يجب أن يكون أحب إلى قلب المسلم من جميع ما هو سوى ذلك، وأن من حب الله ـ تعالى ـ تنزيهه عن الشريك‏,‏ والشبيه‏,‏ والمنازع‏,‏ والصاحبة والولد‏,‏ وعن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله ‏.‏ ‏
(4)‏ الإيمان بأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ سوف يُظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون‏ .‏
‏(5)‏ التصديق بالقدر خيره وشره‏,‏ وبضرورة التوكل على الله حقَّ التوكل ‏.‏
‏(6)‏ اليقين بأن الذين يؤذون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهم عذاب أليم‏ .‏
‏(7)‏ التسليم بأن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض‏,‏ وأن الله ـ تعالى ـ لا يهدي القوم الفاسقين‏ .‏ ‏
(8)‏ التصديق بكلٍ من الجنة والنار‏,‏ وبأن الخلود في الآخرة سيكون في أيٍ منهما، أو على الأعراف بينهما‏ ،‏ وأن الجنة للمؤمنين والمؤمنات خالدين فيها أبدا‏ًً,‏ وأن النار لمن يحادد الله ورسوله خالداً فيها أبداً ‏.‏ ‏
(9)‏ الإيمان بأن الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس فريضة إسلامية‏,‏ وأن الذين لا ينفرون في سبيل الله يعذبهم الله عذاباً أليماً، ويستبدل قوماً غيرهم‏,‏ وأنه لا يجوز القتال في الأشهر الحرم ‏.‏
‏(10)‏ التصديق بأن التوبة الصادقة تمحو الذنوب‏,‏ وأن الله ـ تعالى ـ غفور رحيم‏ .‏ ‏
(11)‏ التسليم بكل ما جاء في كتاب الله من أمور الدين والدنيا في العقائد‏,‏ والعبادات‏,‏ والأخلاق‏,‏ والمعاملات‏,‏ والأوامر، والنواهي‏,‏ والحقائق، والأخبار عن الكون وما فيه ومن فيه‏,‏ وعن النبوات والأمم السابقة‏ .‏
من الإشارات الكونية في سورة التوبة‏ :‏
‏(1)‏ الإشارة إلى حقيقة أن الكافرين إذا ظهروا على المؤمنين لا يرقبون فيهم إلاً ولا ذمة ‏.‏
‏(2)‏ التأكيد على أن‏ “..‏ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ….” (التوبة:36) . ‏
‏(3)‏ إثبات أن الله ـ تعالى ـ له ملك السماوات والأرض‏,‏ وأنه يحيي ويميت، وأن الخلق ليس لهم من دونه من ولي ولا نصير ‏.‏
من الدلالات الإنبائية للآية الكريمة :
أولاً : في قوله ـ تعالى ـ : ” كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً …”(التوبة:8) . يشير هذا النص لكريم إلى حقيقة أن الكفار والمشركين إذا كانت لهم الغلبة المادية، فإنهم يفسدون في الأرض ويتجبرون على الخلق وينشرون المظالم , ويحرمون الحلال ويحلون كل حرام، حيث لا مانع لديهم من ضمير أو تشريع يحول بينهم وبين ذلك , وأحداث التاريخ تؤكد ذلك وتثبته ومنها ما يلي :
(1)حصار الكفار والمشركين لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولمن آمن معه من المسلمين في شعب بني هاشم لمدة ثلاث سنوات حتى اضطروا إلى أكل الشجر (من سنة 619م إلى سنة 622م) .
(2) مؤامرة كفار ومشركى قريش على قتل رسول الله – صلى الله عليه وسلم ، أو سجنه، أو نفيه حتى اضطروه إلى الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة (سنة 622) بعد سلسلة طويلة من اضطهاد أصحابه وتعذيبهم بصورة وحشية .

(3) تكرار خيانات كلٍ من يهود بني قريظة، وبني النضير، وبني قينقاع لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونقضهم لعهودهم التي قطعوها له , وتآمرهم عليه ، وتآمرهم مع أعدائهم من الكفار والمشركين , ومحاولة قتله وسمِّه ـ صلوات الله وسلامه عليه .
(4) استمرار الحملات الصليبية على العالم الإسلامي لحوالي قرنين كاملين (من 1095 إلى 1291م) راح ضحيتها ملايين من القتلى والجرحى والمقعدين والأرامل والأيتام ، وخسائر مادية لا تقدر بثمن ، فقد تم خلال هذه الحملات تدمير آلاف من مدن وقرى المسلمين، ويكفى في ذلك الإشارة إلى قتل الصليبين أكثر من ثمانين ألف نفس في ليلة واحدة حين استسلمت مدينة القدس رافعة الرايات البيضاء .

ولا تزال الحروب الصليبية مستمرة إلى اليوم فى موجات متلاحقة من المد والجزر تحت العديد من الأقنعة المستترة والمكشوفة ، واستخدمت فيها أقذر الأساليب وأحقر الممارسات، وكانت تلك الحروب المقدمات الأولى للاستعمار الغربي لغالبية أراضى المسلمين ,ولما تعرضوا في ظله لأبشع صور القمع الوحشي وغير الإنساني الذي يرفضه كل شريف .
(5) وكان الغرب من وراء غارة المغول على بلاد المسلمين , واجتياحهم لبلاد خوارزم , وبخارى , وسمرقند , وإيران، والعراق، وبلاد الشام فى هجمة همجية تخريبية تم خلالها سقوط بغداد وتدميرها بالكامل سنة 1258م (656هـ) , ولم يوقف تلك الهجمة إلا هزيمة التتار المغوليين فى معركة عين جالوت أمام جيوش المسلمين ، ثم دخول هؤلاء الغازين فى الإسلام جميعاً .
(6)ثم اشتعلت الحروب الصليبية من جديد بسبب وصول الإسلام إلى رومانيا سنة (1263م 661هـ) على أيدي القوات التركية ،وبسبب توالى انتصارات دولة الخلافة العثمانية على مدى سبعة قرون متواصلة تقريباً ، من 1258م إلى 1924 م ( الموافق 657هـ إلى 1343هـ ) ، ونتيجة لذلك أعلن البابا ” أوجانيوس ” الرابع قيام حرب صليبية جديدة ضد المسمين في سنة (1443م 847هـ) كان من نتائجها إنهاء حكم المسلمين في الأندلس بعد ثمانية قرون كاملة من الإعمار المادي والروحي والمعنوي، وقد تم ذلك بعد مذابح وجرائم مروعة استمرت إلى سنة (1492م 898هـ )، وراح ضحيتها مئات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ والشبان، وسُجلت تحت مسمى جرائم محاكم التفتيش .
ولكن ما لبث السلطان مراد الثاني أن ألحق بالغربيين هزيمة ساحقة في سلسلة من المعارك المتلاحقة تُوجت بفتح القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح وجيوشه الباسلة سنة (1453م 857هـ) , ثم فتح بلاد الصرب في سنة (1458م 863هـ ) , وضم كلٍ من ألبانيا وبلاد البوسنة والهرسك وكثير من دول شرق وجنوب أوروبا إلى دولة الخلافة العثمانية، ثم ضم بلاد التتار بعد إسلام أهلها طواعية واختياراً , وبسبب هذه الفتوحات الإسلامية المتسارعة شرع البابا (ليو) العاشر في إعداد حرب صليبية سابعة في سنة (1571م 923هـ) انتهت بهزائم منكرة للغربيين .
(7) في سنة (1662م 1073هـ ) تجددت الحروب الصليبية بإعلان نداء ” الواجب المشترك ” الذي يُلزم جميع مسيحيي العالم بضرورة العمل ضد دولة الخلافة الإسلامية التي عبروا عنها بتعبير ( العدو الأول للكنيسة )، وانبثق عن هذه الدعوة تحالف صليبي ـ بضم كلٍ من ألمانيا وفرنسا واتحاد الراين والبنادق ـ عمل في السر والعلن على إسقاط دولة الخلافة الإسلامية حتى تحقق له ذلك في سنة (1924م 1343هـ) بعد سلسلة من الحروب المتواصلة على الجبهات الشرقية مع القوات الروسية والصينية , وعلى الجبهات الغربية والجنوبية مع الاتحاد الصليبي الغربي , وفى كل هذه الحروب كانت تجاوزات الصليبيين تفوق الخيال في وحشيتها .
وبعد إسقاط دولة الخلافة العثمانية بدأت حملات الاستعمار الغربي والشرقي لاحتلال مختلف أراضي المسلمين بالقوة , والعمل على تغريب الدول بإقصاء الإسلام كلياً عن السلطة، وعن مقامات اتخاذ القرار , وتمكين الأقليات الصغيرة والأحزاب الدهرية من كل ذلك .
(8)وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، والتي راح ضحيتها أكثر من 55 مليون قتيل , وملايين المقعدين والمشردين والأرامل والأيتام , وبعد تدمير أهم مدن العالم تقريباً ـ وفى مقدمتها هيروشيما ونجازاكى اليابانيتين ـ بدأت موجة تململ الدول المحتلة من نيران الاستعمار الغربي والشرقي , وبدأت حركات التحرر الوطني التي راح فيها ملايين الضحايا، والتي انتهت بانسحاب المستعمرين على مراحل من المماطلة، وذلك من غالبية الدول التي استعمروها , ولكن ما كادت هذه الدول أن تلتقط أنفاسها حتى ظهرت المؤامرة الغربية بغرس الكيان الصهيوني الغريب في قلب المنطقة العربية ودعمه عسكرياً ومالياً وسياسياً بلا حدود، حتى يكون موطئ قدم للغرب في المنطقة , ووسيلة من وسائل إثارة القلائل والفتن والحروب فيها باستمرار . وجرائم الصهاينة على مدى أكثر من نصف قرن على أرض فلسطين وأراضى المنطقة العربية كلها أكثر من أن تحصى في هذه العجالة , ولا تزال مستمرة إلى اليوم بشراسة لا توصف بكلمات .
(9) وتجددت الغارة الصليبية على المسلمين فوق أراضي البلقان حين طالب كلٌ من المسلمين والكروات بالاستقلال عن الحكومة اليوغوسلافية التي يتحكم فيها الصرب، وذلك في استفتاء عام في مارس 1992,وفى أغسطس من نفس العام قامت القوات الصربية ـ بمساعدة العديد من الدول الأوربية ـ باحتلال70% من مساحة البوسنة والهرسك، واحتل الكروات 20% من مساحة هذه البلاد المسلمة، وحاصروا المسلمين في 10% من أراضيهم في عملية تطهير عرقي بشعة في قسوتها وانعدام إنسانيتها، وذلك في قلب أوربا التي تدعي لنفسها أنها قارة متحضرة ، وقد دمرت البلاد في أثناء هذه الغارة الصلببية الجديدة، وتمت الآلاف من عمليات القتل والإبادة الجماعية والاعتداءات الجنسية التي تقشعر لها الأبدان . وبعد أن استجار العالم من ذلك تدخلت قوات الأمم المتحدة في أواخر سنة 1992م من أجل حفظ ماء الوجه , ولكنها تخلت عن الذين دخلت لحمايتهم بعد أن جردتهم من سلاحهم بدعوى إعلان المناطق التي حشد فيها المسلمون كمناطق آمنة ترفع علم الأمم المتحدة، ولكن في فبراير 1994م هاجمت القوات الصربية مواقع المسلمين في كلٍ من سراييفو و جورازده وسربرنيتسيا، ودفنوا في المدينة الأخيرة أحياء قرابة العشرة آلاف شيخ وامرأة وطفل وشاب بعد سلسلة من التعذيب والاغتصاب والإرهاب فاقت كل وصف، وتم ذلك تحت سمع وبصر الأمم المتحدة .
(10) وتجددت الحروب الصليبية – الصهيونية مرة أخرى في حربي الخليج العربي الأولى والثانية بمؤامرات قوى الشر في العالم الغربي بقيادة كلٍ من الولايات المتحدة، وبريطانيا ، وحلفائهم الذين دفعوا بأكثر من مليون ونصف جندي مزودين بأحدث ما أنتجت مصانع السلاح التقليدي وغير التقليدي من أدوات القتال، و ذلك في هيئة احتلال عسكري جديد لأراضى المسلمين، فتم احتلال أراضى العراق سنة 2003 م، وقد سبق ذلك عدد من غزوات مشابهة لأراضى كلٍ من أفغانستان والصومال وجنوب السودان .
وفى كل الأحداث والمواقع التي انتصر فيها أهل الكفر والشرك والضلال على المسلمين، لم يرقبوا فيهم إلاً ولا ذمة، تماماً كما تصف الآية الكريمة التي نحن بصددها , وتكفي هنا الإشارة إلى ما نفذه العسكريون الأمريكيون ـ ولا يزالون ينفذونه ـ في جوانتانامو , والعراق، وأفغانستان، وفى غيرها من سجون الدول التي تتحكم الولايات المتحدة الأمريكية في سياستها , وما حدث من العسكريين البريطانيين في سجون ومعتقلات البصرة، والعمارة والشعبية، وغيرها من مدن جنوب العراق، مما يعكس حجم الوحشية التي يتصف بها الغربيون , وحجم الكراهية التي يكنونها للإسلام والمسلمين بما يعجز الإنسان عن وصفه ، وما يصم الحضارة الغربية بخلوها من أبسط قواعد الدين أو الأخلاق أو الإنسانية أو الرحمة , ويصف كل ما ورد من مسميات يتشدق بها الغربيون كذباً ،مثل حقوق الإنسان، واتفاقية جنيف، وقرارات محكمة العدل الدولية، ولجان تقصى الحقائق في جرائم الحرب , يصف ذلك كله بمجرد حبر على الورق، لا يحظى بشيء من الاحترام أو التقيد أمام آلة الحرب الغربية الوحشية الهمجية التي لا تعرف رباً ،ولا دينا، ولا خلقا، ولا إنسانية، ولا قيماً .
سوف تبقى جرائم سجن أبو غريب في العراق التي سُربت إلى وسائل الإعلام سنة 2004م من جرائم الغربيين وصمة عار على جبين كل غربي إلى يوم الدين ، خاصة بعد اعتراف المجرمين الذين قاموا بالتعذيب بأنهم قاموا بذلك تنفيذاًًً لأوامر عليا من قياداتهم السياسية والعسكرية , وبعد أن كشف مدير عمليات اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن وجود عمليات تعذيب واسعة النطاق متجاوزة حد البشاعة في كل السجون التي تديرها قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية في الأراضي العراقية , وليست هذه الانتهاكات لكرامة الإنسان مقصورة على سجون أبو غريب والبصرة والشعبية التي تسربت بعض صورها إلى وسائل الإعلام بعد عام واحد من اجتياح الأراضي العراقية ؛ لأن هذا السلوك الوحشي المقزز هو السمت العام لسلوك الغزاة الغربيين في كل مكان احتلوه , فقد أوضح مسئول اللجنة الدولية خلال مؤتمر صحفي عُقد في جنيف أن عمليات التعذيب الوحشي للسجناء العراقيين ليست حالات محدودة، بل هي أسلوب منهجي يُنفذ على نطاق واسع بأساليب غير إنسانية , مذلِّة ومهينة لكرامة الإنسان , وبتعليمات عليا من القيادات العسكرية والسياسية للدول الغازية ، وليس أدل على ذلك من قيام جنود وضباط الولايات المتحدة بتدنيس المصحف الشريف في سجون جوانتانامو، وبالاعتداء على الأعراض في سجون العراق وأفغانستان، وبطباعة كتاب مزيف يسمونه الفرقان الحق يوزعونه في الدول المسلمة، وليس أدل على ذلك من محاولات النيل من شخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى كل وسائل الإعلام الغربية اقتداءاً بجريمة الصحافة الدانمركية .

ثانياً : في قوله تعالى : ” يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ…”
على الرغم من هذا التاريخ الأسود, المليء بالمصادمات الدموية وغير الإنسانية، فإن زعماء الغرب وكتَّابه ومفكريه ظلوا يرددون الدعوة الباطلة بأنهم لم يحتلوا العالم الإسلامي إلا من أجل تحديثه , وفرض قيم جديدة للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان فيه , ونظم جديدة في الاقتصاد وسلوكيات الإنسان . والمتأمِّل في هذا المخطط الشيطاني يدرك بغير عناء أن الهدف الحقيقي منه هو إخراج أمة الإسلام من دينها , وتغريبها عن أصالتها وحضارتها وقيمها، وإخضاعها الكامل للثقافة الغربية المتحللة من كل قيد , وإذابتها في بوتقة الحضارة الغربية التي على الرغم من تقدمها العلمي والتقني المذهل قد تحللت أخلاقياًً , ودينياً , وسلوكياً بشكل يجعلها تتآكل اليوم من داخلها , وأن الهدف الحقيقي من وراء محاولات فرض القيم الغربية الهابطة على العالم الإسلامي هو جر هذا العالم إلى هوة السقوط التي انهارت مجتمعات الغرب فيها حتى لا تكون أمة هي أربى من أمة , وأن الهدف الحقيقي من وراء الإكراه على نظم اقتصادية متشددة هو حماية مصالح الغرب على حساب مصالح المسلمين، وابتزازهم واستنفاد ثرواته ؛ لأن الهدف الحقيقي من وراء مخططات الغزو العسكري هو نهب ثروات المسلمين بغير حق , والعمل على مزيد من تفتيته حتى تسهل إذابتهم في ظل عالم التكتلات الذي نعيشه فلا تقوم للمسلمين قائمة , ولكي تبقى الغلبة المادية في المنطقة بيد الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين، والذي زرعوه في قلب العالمين العربي والإسلامي بالقوة، ودون أدنى سند شرعي أو قانوني أو عرقي أو ديني ، ويفعلون ذلك مع إدعاءات عديدة بمحاولة إقامة العدل في المنطقة ، وصدق الله العظيم الذي أنزل في محكم كتابه من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق: ” يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ ” (التوبة آية : 8) .

ثالثاً : قوله ـ تعالى ـ : ” وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ..”
تشير الإحصائيات إلى أن غالبية الدول غير المسلمة قد أصبحت بلا دين , وأن القلة الضئيلة من المتدينين قد فسدت عقائدها بالشرك بالله , وفسدت عبادتها وأخلاقها وسلوكياتها , فانهارت مؤسسة الأسرة ، وحل محلها الزنا المعلَن فيما يسمى بالمعاشرة( Co-habitation )، وأصبح غالبية الأبناء لا يعرفون لهم أباً , وانتشر الشذوذ الجنسي، وشرَّعت لهم الحكومات، وسمحت بزواج الأمثال ، كما سمحت بالتبني لمثل هذه البيوت المنحرفة عن الفطرة السوية , ولهذه الأوساط العفنة الشقية , ولا يمكن وصف نفسية الطفل الذي ينشأ في بيت سوء كهذا الوسط الشاذ، وانتشرت كل الفواحش والفتن والجريمة والإدمان على كلٍ من الخمور والمخدرات والقمار والربا، وسادت أخلاقيات المصلحة المادية البحتة , والعيش بالمبادئ الشخصية أياً كانت مستوياتها , واقتراف كل الأخطاء بدعوى الحرية الشخصية حتى لوأدى ذلك إلى الإساءة إلى الآخرين , فانتشرت المظالم , وأبيحت المحرمات والتجاوزات وغيرها من المعاصي التي تستوجب غضب الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ كما تستوجب نزول عقابه … وفى وصف هذه المجتمعات المتحللة من كل قيمة أخلاقية جاء قول ربنا – تبارك وتعالى : ” وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ” .
ولا أجد وصفاً أبلغ من هذا الوصف الإلهي الذي ينطبق على أهل المجتمعات غير المسلمة المعاصرة انطباقاً دقيقاً، والسبق بالإشارة إلى ذلك من الإعجاز الإنبائي للقرآن الكريم . فالحمد لله على نعمة الإسلام , والحمد لله على نعمة القرآن ,والحمد لله على بعثة سيد الأنام سيدنا محمد بن عبد الله ـ صلى الله وسلم وبارك عليه ـ وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

موقع فضيلة الدكتور زغلول النجار
[ads2]

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: