الإعجاز التشريعي في الآية “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ”/ مع د. زغلول النجار

الإعجاز التشريعي في الآية “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ”/ مع د. زغلول النجار

 

بسم الله الرحمن الرحيم

من أسرار القرآن
قال الله تعالى:” شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ ……”
(‏ البقرة‏:185)

هذه النص القرآني الكريم جاء في نهاية الثلث الثاني من سورة “البقرة”, وهي سورة مدنية , وآياتها (286) بعد البسملة , وهي أطول سور القرآن الكريم على الإطلاق .
ويدور المحور الرئيسي لسورة “البقرة” حول قضية التشريع الإسلامي , مع الإشارة إلى عدد من ركائز العقيدة الإسلامية , واستعراض لصفات كل من المؤمنين والكافرين والمنافقين , وتفصيل لقصة خلق الإنسان ممثلا في خلق أبوينا آدم وحواء- عليهما السلام- وإشارة إلى عدد من أنبياء الله ورسله , وتناول لمواقف أهل الكتاب بشئ من التفصيل الذي استغرق أكثر من ثلث هذه السورة الكريمة التي ختمت بإقرار حقيقة الإيمان بالله , وملائكته , وكتبه ورسله , وبدعاء إلى الله- تعالى- يهز القلوب والعقول والنفوس في آن واحد .
هذا , وقد سبق لنا استعراض سورة “البقرة” ,وماجاء فيها من ركائز التشريع , ومكارم الأخلاق , والقصص , والإشارات الكونية , ونركز هنا على أوجه الإعجاز التشريعي في اختيار شهر رمضان لتطبيق عبادة الصيام فيه , وفي فرض هذه العبادة وجعلها ركنا من أركان الإسلام .

من أوجه الإعجاز التشريعي في النص الكريم

(1) إن شهر رمضان هو أشرف شهور السنة على الإطلاق ولذلك جاء ذكره باسمه مفصلا في كتاب الله , وهو الشهر الوحيد الذي ذكر اسمه في القرآن الكريم , بينما جمعت الأشهر الحرم- على فضلها- تحت هذا المسمى , وفصلت أسماؤها في أحاديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ( وهي ذو القعدة , وذو الحجة , والمحرم , ورجب ) والتي كان العرب منذ القدم يحرمون القتال فيها , كأحد بقايا الحق القديم الذي أنزله الله- تعالى- هداية لعباده المؤمنين , ثم انحرف العباد- في غالبيتهم عنه .
(2) عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن القرآن الكريم نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا , وكان ذلك في ليلة القدر من شهر رمضان في أول سنة من البعثة المحمدية الشريفة , ثم أنزل بعد ذلك مفرقا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بحسب الوقائع على ثلاث وعشرين سنة .
(3) يؤكد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن جميع ما نعلم من رسالات السماء أنزل إلى الأرض في شهر رمضان , فقد روى الإمام أحمد عن وائلة بن الأسقع أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: ” أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان , وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان , وأنزل الإنجيل لثلاث عشر خلت من رمضان , وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان ” .
(4) هذه الحقيقة تؤكد أن تعظيم شهر رمضان ليس فقط لفرض الصيام فيه , بل لسر يعلمه الله- تعالى- مما جعله مناط اختياره- سبحانه وتعالى- له لإنزال جميع ما نعلم من رسالاته السماوية في هذا الشهر بالذات ,وربما يكون ذلك هو من مبررات تشريع الصيام في شهر رمضان- على جلال عبادة الصيام وقدرها عند رب العالمين لأنها أحب العبادات الى الله- فعن أبي أمامة- رضي الله عنه- أنه قال : أتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقلت : مرني بعمل يدخلني الجنة , قال: ” عليك بالصوم فإنه لا عدل له ” ثم أتينه الثانية , فقال: ” عليك بالصوم”
(أخرجه كل من أحمد , والنسائي والحاكم ) .
وعن سعيد الخدري- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال : ” لا يصوم عبد يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم النار عن وجهه سبعين خريفا”
( أخرجه الجماعة , إلا أبا داود) .
وعن سهل بن سعد أن النبي- صلى الله عليه وسلم – قال: “إن للجنة بابا , يقال له الريان , يقال يوم القيامة : أين الصائمون ؟ فإذا دخل آخرهم أغلق ذلك الباب ”
( أخرجه الإمامين البخاري ومسلم) .
(5) إن إنزال جميع ما نعلم من الكتب السماوية في شهر رمضان فيه تأكيد على وحدة رسالة السماء , وعلى الأخوة بين الأنبياء ,وبين بني آدم جميعا ,وذلك كله منطلق من وحدانية الخالق- سبحانه وتعالى- فوق جميع الذين خلقهم في زوجية واضحة حتى يبقى الله- تعالى- متفردا بوحدانيته .
(6) إن اختيار شهر رمضان لإنزال جميع ما نعلم من رسالات السماء فيه تأكيد على أنه أشرف شهور السنة على الإطلاق , فكما فضل الله- تعالى- بعض النبيين وبعض الرسل على بعض , وفضل بعض الأفراد العاديين على بعض , فضل بعض الأماكن وبعض الأزمنة على بعض , فجعل مكة المكرمة أشرف بقاع الأرض , يليها في الشرف مدينة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم بيت المقدس الذي ندعو الله- تعالى- أن يعين أمة الإسلام على تحريره من دنس اليهود . ومن تفضيل بعض الأزمنة على بعض جعل ربنا- تبارك وتعالى- يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع , وجعل شهر رمضان أفضل شهور السنة ,وجعل العشر الأواخر من ليله أفضل عشرة ليال في السنة , وجعل أشرفها على الإطلاق “ليلة القدر” التي جعلها ربنا- تبارك وتعالى- خيرا من ألف شهر ,( أي أن العبادة فيها تفضل العبادة في أكثر من ألف شهر , وهي تزيد على 83 سنة ) . وفي المقابل جعل ربنا- سبحانه وتعالى- الأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة أفضل عشرة أيام ( بمعنى النهار) في السنة , وجعل أشرفها على الإطلاق يوم عرفة .
(7) من هنا كان تأكيد القرآن الكريم على فضل شهر رمضان الذي قال ربنا- تبارك وتعالى- فيه : “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ…..*”.
( البقرة:185 ).
(8) وكان المصطفى- صلى الله عليه وسلم- يبشر صحابته الكرام بمقدم شهر رمضان بقوله : ” قد جاءكم شهر مبارك, افترض الله عليكم صيامه , تفتح فيه أبواب الجنة , وتغلق فيه أبواب الجحيم , وتغل فيه الشياطين , فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم ”
( أخرجه كل من أحمد , والنسائي والبيهقي ) .
(9) في قوله- تعالى- “…. فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ….*” المراد بالشهود هنا هو شهود الوقت , لا شهود رؤية الهلال , الذي لا يراه بالقطع كل الناس . و(شهد) هنا بمعنى حضر , ويقصد به من شهد منكم الشهر بالغا, مقيما , غير مسافر ولا مريض فليصمه أي شهر رمضان , وهذا دليل على كرامة هذا الشهر عند رب العالمين . و(الشهود) و(الشهادة) هو الحضور مع (المشاهدة) إما بالبصر , أو البصيرة , وإما بهما معا , ولكن (الشهود) بالحضور المجرد هنا أولى , ولكن (الشهادة) مع (المشاهدة) تكون أولى عند رؤية الهلال , وهي قول صادر عن علم يقيني حصل بمشاهدة البصر , أوبإدراك البصيرة , أو بهما معا .
ويأتي الفعل (شهد) بمعنى علم علما قاطعا . أو اطلع اطلاعا صادقا , أو حضر حضورا واقعا , أو أخبر وتبين إخبارا مقرونا بالعلم واالإظهار , ولذلك قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : ” صوموا لرؤيته , وأفطروا لرؤيته , فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ”
( رواه البخاري ومسلم).
وعن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله عليه وسلم- يقول ” إذا رأيتموه فصوموا , وأذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له”
(أخرجه الإمام البخاري).
وعنه أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال : ” إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب”
( أخرجه الإمام البخاري).
وذلك لا يعني عدم الحساب , بل هو من قبيل التسهيل على الأمة في زمن لم يكن متوافرا لها شئ من المعارف والتقنيات المتاحة لنا اليوم .
وعلى ذلك فإن الرؤية تشمل إدراك ذلك بالعين المجردة , أو بواسطة الأجهزة المقربة (التلسكوبات) , أو بواسطة الحساب الفلكي , أو باستخدام الطائرات والأقمار الصناعية .
والتقدير في حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يشير صراحة إلى الحسابات الفلكية , وعلى كل ما هو متاح من المعارف المكتسبة والتقنيات المتطورة . والذي يعين على رؤية هلال رمضان بعد غروب يوم (29) من شعبان واستخدام كل التقنيات المتاحة هو المناط الحقيقي لإثبات دخول شهر رمضان . ورؤية هلال رمضان إذا ثبتت في أي بقعة من بقاع الأرض , فإن ثبوتها ملزم لجميع بقاع الأرض إذا أعلموا بذلك , وذلك لأن عملية ميلاد الهلال هي حدث كوني يعم كل الأرض مع اعتبار الفوارق الزمنية . ومن الملفت للنظر أن كلا من فقهاء الأحناف والمالكية والحنابلة يقررون بأنه لا عبرة باختلاف المطالع , فإذا رأى الهلال أهل بلد وجب الصوم على بقية البلاد لقوله- صلى الله عليه وسلم- : ” صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته” وهو خطاب عام لجميع الأمة , فمن رآه منهم في أي مكان كان ذلك رؤية لهم جميعا . ومن المعلوم أن كلا من القمر والأرض يدور من الغرب إلى الشرق , ونتيجة لذلك فإن البلاد في نصف الكرة الغربي ترى الهلال الوليد لفترة أطول من نظائرها في نصف الكرة الشرقي . ويبقى فرق التوقيت بين أبعد نقطتين على سطح الأرض لا يتعدى (12) ساعة بالزائد او بالناقص , ومن ثم فإن اختلاف الأمة في بدء الصيام ونهايته هو ناتج عن انقسام المسلمين اليوم إلى أكثر من (62) دولة ودويلة , ولا علاقة له بالمعطيات العلمية .
كذلك فإن التغير في طول كل من الليل وانهار يتضاعف باستمرار في اتجاه خطوط العرض العليا , فإذا وصلنا إلى خط عرض (48,5) شمالا أو جنوبا فإن شفق العشاء يتصل بشفق الفجر في فصل الصيف , ويكون طول الليل حوالي أربع ساعات فقط , وهنا يلزم التقدير على أساس أقرب منطقة تنتظم فيها العلامات الفلكية أو اختيار عدة من أيام أخر .
وفي قول ربنا- تبارك وتعالى- “… فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ …*” هو أمر ملزم لكل مسلم , بالغ , عاقل , صحيح , مقيم متى رأى الهلال أو أخبر برؤيته من مصدر موثوق به . وفي زمن تسارع وسائل الاتصال والمواصلات الذي نعيشه لم يعد هناك مجال لاختلاف الأمة في تحديد أوائل الشهور القمرية التي يرتبط بهما ركنان من أركان الإسلام هما : الصيام والحج , ولم يعد هناك مبرر لمسلم مكلف أن يحرم نفسه من بركات شهر رمضان بغير عذر شرعي , ولذلك حذر المصطفى- صلى الله عليه وسلم- من التفريط في يوم واحد من أيام رمضان فقال : “من أفطر يوما من رمضان , في غير رخصة رخصها الله له , لم يقض عنه صيام الدهر كله , وإن صامه”
(أخرجه أبو داود , وابن ماجة والترمذي).
من كل ذلك يتضح وجه من أوجه الإعجاز التشريعي في فريضة صيام شهر رمضان , وفي جعل هذا الشهر أفضل شهور السنة لاختياره من بين شهور السنة لإنزال جميع ما نعلم من الكتب السماوية فيه , فالحمد لله على نعمة الإسلام , والحمد لله على نعمة القرآن , والحمد لله على بعثة خير الأنام – صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين- وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

موقع فضيلة الدكتور زغلول النجار

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: