الإعجاز العلمي في الآية “وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ..”/ مع فضيلة الدكتور زغلول النجار

الإعجاز العلمي في الآية “وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ..”/ مع فضيلة الدكتور زغلول النجار

قال تعالى:”وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ” ‏(العنكبوت‏:41)‏.
هذا النص القرآني جاء في مطلع النصف الثاني من سورة العنكبوت‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها ‏(69)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود التشبيه فيها للجوء الكفار والمشركين إلى أولياء من دون الله بلجوء العنكبوت إلى بيتها، وهو أوهن البيوت على الإطلاق‏،‏ وهذا هو المقام الوحيد الذي جاء به ذكر العنكبوت في كتاب الله‏.‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية الإيمان بالله‏,‏ وتكاليف ذلك الإيمان، مما قد يتعرض له المؤمنون‏ بسبب تمسكهم بدين الله ودعوتهم إليه‏‏ نتيجة للصراع المحتوم بين الباطل وأهله‏,‏ والحق وجنده‏.‏
وتأكيداً لهذه السنة الدنيوية عرضت السورة الكريمة لقصص عدد من أنبياء الله ورسله‏,‏ ولما لاقوه من العقبات في طريق دعوتهم إلى دين الله‏,‏ كما عرضت لعدد من الشخصيات والأمم الطاغية المتجبرة‏,‏ وكيف أخذهم الله بذنوبهم‏,‏ وحقَّرت من شأن هؤلاء الكافرين والمشركين‏,‏ وضربت بهم الأمثال‏,‏ وربطت بين الحق في دين الله‏,‏ والحق الذي في السماوات والأرض‏,‏ وأكدت وحدانية الله ـ تعالى ـ‏ ووحدت بين رسالات السماء‏,‏ ودعت المؤمنين إلى الثبات على إيمانهم‏,‏ أو الهجرة بدينهم في أزمنة الفتن‏,‏ وعظَّمت من شأن الجهاد والمجاهدين في سبيل الله‏,‏ وأكدت سنة الابتلاء‏,‏ ومسئولية الفرد‏,‏ وفردية التبعات‏,‏ ووضحت مصائر كلٍ من المؤمنين‏,‏ والمنافقين‏,‏ والكافرين‏,‏ وخُتِمَت بالبشرى للمجاهدين، وبتثبيت الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ لهم‏.
عرض موجز لسورة العنكبوت:
تبدأ سورة العنكبوت بالحروف المقطعة الثلاثة‏ (‏ ألم‏)‏ التي تكررت في مطلع ست سور من سور القرآن الكريم‏.‏
وهذه الفواتح الهجائية التي جاءت في مطلع تسع‏ وعشرين سورة من سور القرآن الكريم، وهي إما أن تكون رمزاً إلى كلمات أو معانٍ أو أعداد معينة‏,‏ أو أن تكون أسماءاً للسور التي جاءت في مطلعها‏,‏ أو هي من قبيل التحدي للعرب بالقرآن الكريم وإثبات إعجازه‏,‏ أو هي من وسائل قرع للأسماع والقلوب كي تنشط وتتنبه لتلقي القرآن الكريم‏,‏ أو أنها مجرد فواتح تميز أسلوب القرآن الكريم عن غيره من الأساليب‏,‏ أو أن كل حرف منها عبارة عن كلمة لها معنى محدد في كلام العرب‏,‏ أو أنها من الشهادات المادية الملموسة على صدق نبوة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ من حيث نطقه بأسماء الحروف‏,‏ وهو النبي الأمي‏,‏ والأمي لا يستطيع إلا النطق بأصوات الحروف دون أسمائها‏,‏ أو فيها كل ذلك‏,‏ أو هي من الغيب الموكول إلى الله ـ تعالى‏ ـ حتى يفتح على واحد من أبناء المسلمين إلى رأي فيه‏.‏
وبعد هذا الاستهلال تؤكد السورة أن الابتلاء والفتن للمؤمنين من سنن الله في الأرض كوسيلة من وسائل إعدادهم لتحمل أمانة التبليغ عن الله وعن رسوله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏
” أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ‏ .‏ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ‏ “‏ ‏(‏العنكبوت‏:2،3)‏.
ومن هذه الفتن فتن النفس وشهواتها‏,‏ وفتن إقبال الدنيا على أهل الكفر والشرك والمعصية‏,‏ وفتن الشعور بالغربة وسط عوالم الضياع التي يعيشها إنسان اليوم‏,‏ وفتن استبطاء نصر الله لعباده الصالحين‏,‏ وفتن الأهل والأحباء في زمن اختلال الموازين‏,‏ واضطراب المقاييس‏,‏ وانقلاب المعايير‏,‏ ولا يستطيع المؤمن الثبات على إيمانه إلا بالانتصار على الشهوات‏,‏ والاستعلاء على الدنيا وما فيها‏,‏ والإيمان بأنها لو تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منه شربة ماء‏.
ومن عوامل ثبات المؤمن الأنس بمعية الله‏,‏ والثقة الراسخة في نصره وتأييده وثوابه‏,‏ والصبر على الأهل والأحباب،‏ وفي ذلك يقول المصطفى ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ:‏ ” أشد الناس بلاء الأنبياء‏,‏ ثم الصالحون‏,‏ ثم الأمثل فالأمثل‏,‏ ويبتلى الرجل على حسب دينه‏,‏ فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء‏ ” (أخرجه الإمام أحمد في مسنده).‏
وذلك لأن النفس الإنسانية تصقلها الشدائد وتطهرها‏,‏ وتوقظ كوامن الخير فيها‏,‏ وتأخذ بزمامها إلى مسارات الجد الذي لا هزل فيه‏,‏ وتصرفها عن كل تافه وحقير في هذه الحياة‏,‏ وتحفظها من الضياع والضلال في دروبها المتشعبة‏,‏ وذلك على مستوى الأفراد والجماعات‏,‏ فلا يبقى صامداً صابراً في الابتلاءات إلا من زكت نفسه‏,‏ وشرفت خصاله‏,‏ وخلصت نواياه وأعماله لله الخالق البارئ المصور وحده‏(‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏)،‏ فيبقى المؤمن ثابتاً على عهد الله حتى يلقاه‏ ـ تعالى‏ ـ وهو راضٍ عنه‏,‏ وقد أسلم الراية من بعده إلى من يكمل المسيرة من ورائه‏,‏ حتى لا يحرم أجر ذلك حتى قيام الساعة‏.
أما الذين يفتنون المؤمنين‏,‏ ويعملون السيئات، فلن يفلتوا أبداً من عقاب الله في الدنيا‏,‏ ولهم في الآخرة عذاب مقيم‏، ولذلك تقول الآيات‏:‏
” أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ‏ .‏ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ‏ .‏ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ” ‏(‏العنكبوت‏:4‏ ـ‏6)‏.
وتؤكد الآيات أجر الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏,‏ وتوصي الإنسان بوالديه‏,‏ ثم تقابل مواقف الثابتين في الفتن بمواقف المستخذين فيها‏,‏ وهو موقف من مواقف النفاق‏,‏ والله لا يحب المنافقين‏.‏ وهناك فرق واضح بين تجاوز الفتنة قدرات الاحتمال فيضعف المؤمن ويبقى واثقاً من نصر الله‏,‏ وبين اليأس والقنوط من رحمة الله‏.‏
ثم تعرض الآيات لوناً آخر من الفتن وهو فتنة الإغراء والإغواء التي يقوم بها كثير من الكفار‏‏ مع فساد تصورهم للمسئولية‏,‏ ولكلٍ من التبعة‏ والجزاء‏.‏
وتحدد الآيات بجزم ووضوح أن المسئولية والتبعة والجزاء على قدر القيام بحق هذه المسئولية، أو الإهمال فيها‏.‏
وتستعرض الآيات بعد ذلك قصص نفر من أنبياء الله ورسله‏,‏ ومواقف أقوامهم منهم‏,‏ وما نزل من عقاب الله على تلك الأقوام جماعات وأفرادا‏ًً,‏ وكان منهم أقوام نوح‏,‏ وإبراهيم‏,‏ ولوط‏,‏ وشعيب‏,‏ وهود‏ ـ‏ قوم عاد ـ‏ وصالح ـ‏ قوم ثمود ـ‏ وكان من الأفراد كلٌ من قارون‏,‏ وفرعون‏,‏ وهامان‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ:‏
” فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ “‏ ‏(‏العنكبوت‏:40).‏
وبعد استعراض مصارع هؤلاء الكفار والمشركين من الطغاة المتجبرين في الأرض‏ والمفسدين فيها، تعود الآيات للتأكيد على أنه لا سلطان في هذا الوجود لغير الله‏,‏ ولا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه ـ‏ سبحانه وتعالى ـ وأن قوى أهل الشر هزيلة‏,‏ ضعيفة‏,‏ واهنة‏,‏ مهما تعاظمت وتجبرت‏,‏ وأن اللجوء إليها والاحتماء بها كاحتماء العنكبوت ببيتها الهزيل‏,‏ الواهن‏,‏ الضعيف‏,‏ والذي تصفه السورة الكريمة بأنه أوهن البيوت فتقول‏:‏
” مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ العَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ” ‏(‏العنكبوت‏:41).‏
ثم تنتقل الآيات بالخطاب إلى رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ فتقول‏:‏
” اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ “‏ ‏(‏العنكبوت‏:45)‏.
وتأمر المسلمين بحسن مجادلة أهل الكتاب فتقول‏:‏
” وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ “‏ ‏(‏العنكبوت‏:46).‏
وفي ذلك أبلغ الرد على بعض المنغلقين على أفكارهم المريضة الذين شنوا حملة ظالمة على الإسلام وهم أجهل الناس به‏.‏ فعبر السنتين الماضيتين ألقى وليام بويكن عشرات المحاضرات هاجم فيها الإسلام والمسلمين بجهل فاضح‏,‏ وسذاجة بلهاء، ذكر فيها جدلاً بينه وبين أحد القواد العسكريين الصوماليين المسلمين قال فيه‏:‏ أنا أعلم أن إلهي أكبر من إلهه‏,‏ وأعلم أن إلهي إله حقيقي وإلهه وثن‏.
وكرر مراراً ادعاءه الباطل أن عدو أمريكا هو الشيطان، وأن هذا العدو لابد وأن يهزم إذا حاربناهم باسم المسيح‏.‏
وهذا وأمثاله لا يعلم أن الإسلام هو دين التوحيد الخالص لله الواحد الأحد الذي لا يشبهه أحد من خلقه‏,‏ ولا شريك له في ملكه‏,‏ ولا منازع له في سلطانه‏,‏ والمنزه عن الصاحبة والولد،‏ ولا يعلم أن السيد المسيح‏-‏ عبد الله ورسوله‏-‏ برئ منه ومن بذاءاته‏,‏ ومن أمثاله وبذاءاتهم‏،‏ وأن الله ـ‏ تعالى‏ـ سوف يعاقبه وأمثاله على هذه البذاءات في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ والله‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ لا يرضى من عباده الظلم‏.‏
وتعاود الآيات في سورة العنكبوت توجيه الخطاب إلى رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ردا على أهل الكتاب في زمانه ومن بعده إلى زماننا وحتى قيام الساعة فتقول‏:‏
” وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يُؤْمِنُونُ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الكَافِرُونَ .‏ وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ‏ .‏ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ “‏ ‏(‏العنكبوت‏:47‏ ـ‏49).‏
وتستمر الآيات في حوار الكفار والمشركين‏,‏ وفي تعظيم شأن القرآن الحكيم‏,‏ وفي التحذير من فجائية عذاب الآخرة‏,‏ وأن جهنم بنيرانها قريب من الكفار والمشركين والمفسدين‏,‏ ثم تنتقل الآيات بالخطاب مرة أخرى إلى المؤمنين‏ تدعوهم إلى الهجرة بدينهم إذا ضُيِّق عليهم في بلادهم‏,‏ فأرض الله واسعة‏,‏ ويكرمهم الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ بنسبتهم إلى ذاته العلية، وذلك بندائهم بقوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ:‏ ” يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ‏…‏ ” (العنكبوت:56)، مؤكداً لهم أن أقصى ما يمكن أن يتعرض له العبد في هذه الحياة هو الموت‏,‏ وهو حق على كل مخلوق‏،‏ وأن جزاء الصابرين المتوكلين على ربهم هو الجنة‏ “‏ وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ ” (آل عمران:136),‏ وأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ هو الذي ” يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏ ” ‏(‏ العنكبوت‏:62)‏.
وأنه من تناقضات المشركين أنهم لا ينكرون أن الله ـ تعالى‏ ـ‏ هو الذي خلق السماوات والأرض‏,‏ وسخر الشمس والقمر‏,‏ وهو الذي نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها‏,‏ وعلى الرغم من ذلك يشركون به‏,‏ وأن هذه الحياة الدنيا ما هي إلا لهو ولعب “‏…‏ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ “‏(‏العنكبوت‏:64)‏.
وتستمر الآيات في عرض ما وقع فيه المشركون من قريش‏-‏ وجميع المشركين من بعدهم‏-‏ من تناقضات أفضت بهم إلى الكفر بأنعم الله ‏ـ‏ ولا تزال‏ ـ‏ من أجل التمتع الزائل ببعض قشور الحياة الدنيا الفانية‏,‏ وهم الذين أكرمهم الله‏(‏ تعالى‏)‏ بحرم مكة الآمن‏,‏ ومن حولهم القبائل في اقتتال وتناحر مستمر‏,‏ ولا يجدون الأمن إلا في ظل هذا البيت الحرام‏,‏ وبدلا من تعظيمه ملأوا ساحته بالأصنام التي أشركوها في عبادة الله‏(‏ تعالى‏).‏
وتختتم السورة الكريمة بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
” وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ‏ .‏ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ‏ “‏ ‏(‏العنكبوت‏:69,68).‏

من الإشارات الكونية في سورة العنكبوت:
‏(1)‏ التأكيد أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ هو الذي يبدئ الخلق ثم يعيده، وأن ذلك على الله يسير‏,‏ ونحن نرى صورة مصغرة لذلك في دورة الحياة والموت التي تتكرر بالتناسل المستمر إلى أن يشاء الله‏,‏ ودورة تخلق أجرام السماء وإفنائها إلى دخان الكون‏,‏ وإعادة خلقها منه بإرادة الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ ودورة الماء حول الأرض‏,‏ ودورة الصخور‏,‏ ودورات تشكل سطح الأرض‏,‏ ودورات تخلق كلٍ من المادة والطاقة وتبادلهما‏,‏ وإفنائهما‏,‏ وإعادة خلق كلٍ منهما إلى غير ذلك من دورات‏.‏
‏(2)‏ الإشارة إلى أن السير في الأرض‏,‏ وتأمل صخورها‏,‏ ودراسة بقايا الحياة في تلك الصخور هي وسيلة تعرف الإنسان على تاريخ الأرض‏,‏ وعلى كيفية بدء الخلق‏. وهذا ما أثبتته الدراسات في مجال علوم الأرض‏.‏
‏(3)‏ تأكيد أن النشأة الآخرة بعد تدمير الكون سوف تسير على نفس الخطى التي بدأ بها الخلق‏,‏ وتتبع نفس النظام‏.‏
‏(4)‏ تأكيد أن بيت العنكبوت هو أوهن البيوت على الإطلاق من الناحيتين المادية والمعنوية‏,‏ وهو ما أثبتته الدراسات المتأخرة في علم دراسة حيوانات الأرض‏.‏
‏(5)‏ هذا بالإضافة إلى العديد من الإشارات التاريخية والنفسية التي تقع من الدراسات العلمية في الصميم‏,‏ ولكنها تخرج عن إطار دراستنا للإشارات الكونية في كتاب الله‏.‏
وكل حقيقة من هذه الحقائق تحتاج إلى معالجة خاصة بها، ولذا فسوف أركز هنا على قضية وهن بيت العنكبوت التي ضرب الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بها المثل في الآية الحادية والأربعين من سورة العنكبوت‏,‏ وقبل الدخول إلى ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية القرآنية الكريمة‏.‏
“وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ” ‏(العنكبوت‏:41)‏.

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله ـ‏ تعالى‏ ـ:‏
” مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ العَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ‏ “‏ ‏(‏العنكبوت‏:41).‏
‏ ذكر ابن كثير ـ‏ رحمه الله ـ‏ ما مختصره‏:‏ هذا مثل ضربه الله ـ تعالى ـ للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله‏,‏ يرجون نصرهم ورزقهم، ويتمسكون بهم في الشدائد‏,‏ فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه‏,‏ فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت‏,‏ فإنه لا يجدي عنه شيئا‏ًً,‏ فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء‏,‏ وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله‏,‏ وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع‏,‏ فإنه متمسك بالعروة الوثيق لا انفصام لها لقوتها وثباتها‏. (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في تفسير الجلالين‏ ـ‏ رحمهما الله‏ ـ‏ بتحقيق وتعليق الشيخ محمد كنعان‏ ـ جزاه الله خيراً ـ‏ ما نصه‏: ” مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ‏‏ “‏ أصناما يرجون نفعها.‏ “‏ كَمَثَلِ العَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً ‏” لنفسها تأوي إليه‏. “‏ وَإِنَّ أَوْهَنَ‏ “‏ أضعف‏. “‏ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ‏ ” لا يدفع عنها حراً ولا بردا‏ًً,‏ كذلك الأصنام لا تنفع عابديها‏. ” لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ‏ ” ذلك ما عبدوها‏.‏ (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في التعليق بالهامش ما نصه‏:‏ قوله ـ تعالى‏ ـ: “‏ اتَّخَذَتْ “. قال في حياة الحيوان الكبرى‏:(‏ العنكبوت‏)‏ دويبة تنسج في الهواء‏,‏ وجمعها‏(‏ عناكب‏)‏ والذكر‏(‏ عنكب‏)‏، وفي هذه الآية إشارة إلى أن الأنثى هي التي تقوم بنسج البيت دون الذكر‏,‏ وبيتها هذا يضرب مثلاً على الضعف وعدم القوة أو المتانة‏.‏ (انتهى قول المعلق)‏
وذكر صاحب الظلال ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ‏ ما مختصره‏: …‏ إنه تصوير عجيب صادق لحقيقة القوى في هذا الوجود‏.‏ الحقيقة التي يغفل عنها الناس أحيانا‏ًً,‏ فيسوء تقديرهم لجميع القيم‏، وعندئذ تخدعهم قوة الحكم والسلطان يحسبونها القوة القادرة التي تعمل في هذه الأرض، وتخدعهم قوة المال‏،‏ وتخدعهم قوة العلم‏، وتخدعهم هذه القوى الظاهرة،‏ تخدعهم في أيدي الأفراد، وفي أيدي الجماعات، وفي أيدي الدول‏,‏ فيدورون حولها‏,‏ ويتهافتون عليها‏,‏ كما يدور الفراش على المصباح‏,‏ وكما يتهافت على النار‏، وينسون القوة الوحيدة التي تخلق سائر القوى الصغيرة،‏ وينسون أن الالتجاء إلى تلك القوى سواء كانت في أيدي أفراد‏,‏ أو جماعات‏,‏ هو كالتجاء العنكبوت‏،‏ حشرة ضعيفة رخوة واهنة لا حماية لها من تكوينها الرخو‏,‏ ولا وقاية لها من بيتها الواهن.‏ وليس هناك إلا حماية الله‏,‏ وإلا حماه‏,‏ وإلا ركنه القوي الركين‏.‏ هذه الحقيقة الضخمة هي التي عني القرآن بتقريرها في نفوس الفئة المؤمنة‏,‏ فكانت بها أقوى من جميع القوى التي وقفت في طريقها‏,‏ وداست بها على كبرياء الجبابرة في الأرض‏,‏ ودكت بها المعاقل والحصون‏.‏ لقد استقرت هذه الحقيقة الضخمة في كل نفس‏,‏ وعمرت كل قلب‏,‏ واختلطت بالدم‏,‏ وجرت معه في العروق، ولم تعد كلمة تقال باللسان‏,‏ ولا قضية تحتاج إلى جدل‏,‏ بل بديهية مستقرة في النفس‏,‏ ولا يجول غيرها في حس ولا خيال‏، فقوة الله وحدها هي القوة‏,‏ وولاية الله وحدها هي الولاية‏,‏ وما عداها فهو واهن ضئيل هزيل‏,‏ مهما علا واستطال‏,‏ ومهما تجبر وطغى‏,‏ ومهما ملك من وسائل البطش والطغيان والتنكيل‏،‏ إنها العنكبوت‏،‏ وما تملك من قوى ليست سوى خيوط العنكبوت‏: ” وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ‏ “.‏
وإن أصحاب الدعوات الذين يتعرضون للفتنة والأذى‏,‏ وللإغراء والإغواء‏,‏ لجديرون أن يقفوا أمام هذه الحقيقة الضخمة ولا ينسوها لحظة‏‏ وهم يواجهون القوى المختلفة‏، هذه تضر بهم وتحاول أن تسحقهم‏,‏ وهذه تستهويهم وتحاول أن تشتريهم، وكلها خيوط العنكبوت في حساب الله‏,‏ وفي حساب العقيدة حين تصح العقيدة‏,‏ وحين تعرف حقيقة القوى، وتحسن التقويم والتقدير‏.‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ‏ رحم الله كاتبه برحمته الواسعة‏ ـ ما نصه‏: ” مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء ‏… “‏ أي مثل هؤلاء في اتخاذهم الأصنام آلهة يعبدونها ويعتمدون عليها‏,‏ ويرجون نفعها وشفاعتها‏,‏ كمثل العنكبوت في اتخاذها بيتاً واهياً من نسجها لا يغني عنها في حر ولا قر‏,‏ ولا في مطر ولا أذى‏.‏ والعنكبوت‏‏ دويبة معروفة تنسج نسجاً رفيعاً مهلهلاً في الهواء‏,‏ وتُطْلَق على الواحد والجمع‏,‏ والمذكر والمؤنث‏,‏ والغالب في استعمالها التأنيث‏,‏ والواو والتاء زائدتان‏,‏ كما في طاغوت‏.‏ وجمعها عناكب وعناكيب‏‏. (انتهى قول المفسر)‏
‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ـ جزاهم الله خيرا‏ًً ـ ما نصه‏:‏
شأن المبطلين الموالين لغير الله في الضعف والوهن والاعتماد على غير معتمد كشأن العنكبوت في اتخاذها بيتاً تحتمي به‏,‏ وبيتها أوهى البيوت وأبعد عن الصلاحية للاحتماء‏,‏ ولو كان هؤلاء المبطلون أهل علم وفطنة لما فعلو ذلك‏.‏ (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في تعليق الخبراء بالهامش ما يلي‏: …‏ بيوت العنكبوت التي تبنيها لسكانها وللقبض على فريستها دقيقة الصنع؛ لأنها مكونة من خيوط على درجة عظيمة من الرقة تفوق رقة الحرير‏,‏ وهذا مما يجعل نسيجها أضعف بيت يتخذه أي حيوان مأوى له‏.‏ (انتهى قول المعلق)‏
‏وجاء في صفوة التفاسير‏ ـ جزى الله كاتبه خيرا‏ًً ـ‏ كلام مشابه لا أرى حاجة إلى تكراره‏.‏

العنكبوت في منظور العلم:
العنكبوت حيوان من مفصليات الأقدام‏(Arthropoda),‏ يصنف في طائفة العنكبيات‏(ClassArachnida)‏ التي تجمع رتبة العناكب أو العنكبوتيات‏(OrderAraneida)‏ مع عدد من الرتب الأخرى التي تشمل مجموعات العقارب‏,‏ والفاش‏,‏ والقراد‏.‏والعنكبوت‏(Spider)‏ينقسم فيه الجسم إلى مقدمة يلتحم فيها الرأس مع الصدر‏,‏ ومؤخرة غير مقسمة تشمل البطن‏.‏ وتحمل المقدمة أربعة أزواج من الأقدام‏,‏ وزوجين من اللوامس‏,‏ وزوجا من القرون الكلابية‏(Chelicerae)‏ على هيئة الكماشة أو المخالب التي تحتوي على غدد السم‏,‏ ويفصل مقدمة الجسم عن مؤخرته خصر نحيل‏.‏وللعنكبوت عيون بسيطة يصل عددها إلى الثماني‏,‏ وقد يكون أقل من ذلك‏,‏ وهو حيوان مفترس يعيش على أكل الحشرات‏,‏ وله جلد سميك مغطي بالشعر‏,‏ ينسلخ عنه من سبع إلى ثماني مرات حتى يصل إلى اكتمال النضج‏.‏

وعلماء الحيوان يعرفون اليوم أكثر من ثلاثين ألف نوع من العناكب التي تتباين في أحجامها‏(‏ بين أقل من الملليمتر والتسعين ملليمترا‏)‏ وفي أشكالها‏,‏ وألوانها‏,‏ ومعظمها يحيا حياة برية‏,‏ فردية في الغالب إلا في حالات التزاوج وفقس البيض عن الذرية‏,‏ وتمتد بيئة العناكب من مستوى سطح البحر إلى ارتفاع خمسة آلاف متر‏,‏ وللعنكبوت ثلاثة أزواج من نتوءات بارزة ومتحركة في أسفل البطن لها ثقوب دقيقة يخرج منها السائل الذي تصنع منه خيوط نسيج البيت الذي يسكنه‏,‏ ولذلك تعرف باسم المغازل‏,‏ وهذه المادة السائلة التي تخرج من عدد من الغدد الخاصة إلى خارج جسم العنكبوت عبر مغازل المؤخرة تجف بمجرد تعرضها للجو‏,‏ وينشأ عن جفافها خيوط متعددة الأنواع والأطوال والشدة‏,‏ تختلف باختلاف الغدد التي أفرزتها‏.
‏ وقد يمكث العنكبوت في بيته الذي يزاول فيه جميع أنشطته الحياتية‏,‏ وقد يتخذ له عشا أو مخبأ غير البيت يرتبط به بخيط يعرف باسم خيط المصيدة‏.‏ ويهرب إلى هذا المخبأ في حالات الخطر‏.‏

من الدلالات العلمية للنص الكريم:
أولاً‏:‏ الإشارة إلى العنكبوت بالإفراد‏:‏
جاء في لسان العرب تحت مادة‏(‏ عنكب‏)‏ أن‏(‏ العنكبوت‏)‏ دويبة تنسج في الهواء وعلى رأس البئر نسجاً رقيقاً مهلهلا‏ًً,‏ مؤنثة‏,‏ وربما ذكرت في الشعر‏.‏ ويقال لبيت العنكبوت‏:(‏ العكدبة‏).‏ وقال الفراء‏:‏ العنكبوت أنثى‏,‏ وقد يذكرها بعض العرب‏,‏ والجمع‏(‏ العنكبوتات‏),‏ و‏(‏العناكب‏),‏ و‏(‏العناكيب‏),‏ وتصغيرها‏(‏ عنيكب‏),‏ وهي بلغة اليمن‏(‏ عكنباه‏)،‏ ويقال لها أيضاً ‏(‏ عنكباء‏),‏ وعنكبوه‏,‏ وحكي سيبويه‏(‏ عنكباء‏)‏ مستشهداً على زيادة التاء في‏(‏ عنكبوت‏),‏ فلا أدري أهو اسم للواحد أم للجمع‏.‏ وقال ابن الأعرابي‏:(‏ العنكب‏)‏ الذكر منها‏,‏ و‏(‏العنكبة‏)‏ الأنثى‏.‏ وقيل‏:(‏ العنكب) جنس (العنكبوت)‏,‏ وهو يذكر ويؤنث‏ ـأعني العنكبوت‏ ـ‏ قال المبرد‏:‏ العنكبوت أنثى ويذكر‏.‏
والغالب أن لفظة‏(‏ العنكبوت‏)‏ اسم للواحدة المؤنثة المفردة‏,‏ والجمع‏(‏ العناكب‏).‏
وتسمية السورة الكريمة بصياغة الإفراد‏(‏ العنكبوت‏)‏ يشير إلى الحياة الفردية لهذه الدويبة فيما عدا لحظات التزاوج‏,‏ وأوقات فقس البيض‏,‏ وذلك في مقابلة كلٍ من سورتي النحل والنمل والتي جاءت التسمية فيها بالجمع للحياة الجماعية لتلك الحشرات‏.‏

ثانيا‏ًً:‏ في قوله ـ تعالى‏ ـ: “‏ اتَّخَذَتْ بَيْتاً‏ ” :‏
في هذا النص القرآني الكريم إشارة واضحة إلى أن الذي يقوم ببناء البيت ـ أساساً ـ هي أنثى العنكبوت‏,‏ وعلى ذلك فإن مهمة بناء بيت العنكبوت هي مهمة تضطلع بها إناث العناكب التي تحمل في جسدها غدد إفراز المادة الحريرية التي ينسج منها بيت العنكبوت‏،‏ وإن اشترك الذكر في بعض الأوقات بالمساعدة في عمليات التشييد‏,‏ أو الترميم‏,‏ أو التوسعة‏,‏ فإن العملية تبقى عملية أنثوية محضة‏,‏ ومن هنا كان الإعجاز العلمي في قول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ:‏ ” اتَّخَذَتْ بَيْتاً‏ ” .‏

ثالثا‏ًً:‏ في قوله ـ تعالى ـ‏:”‏ وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوت ‏… “‏:
هذا النص القرآني المعجز يشير إلى عدد من الحقائق المهمة التي منها‏:‏
‏(1)‏ أن بيت العنكبوت هو من الناحية المادية البحتة أضعف بيت على الإطلاق؛‏ لأنه مكون من مجموعة خيوط حريرية غاية في الدقة تتشابك‏‏ مع بعضها البعض تاركة مسافات بينية كبيرة في أغلب الأحيان‏,‏ ولذلك فهي لا تقي حرار شمس‏,‏ ولا زمهرير برد‏,‏ ولا تحدث ظلاً كافيا‏ًً,‏ ولا تقي من مطر هاطل‏,‏ ولا من رياح عاصفة‏,‏ ولا من أخطار المهاجمين‏,‏ وذلك على الرغم من الإعجاز في بنائها‏,‏ فخيوط بيت العنكبوت حريرية دقيقة جداً,‏ يبلغ سمك الواحدة منها في المتوسط واحداً من المليون من البوصة المربعة‏,‏ أو جزءاً من أربعة آلاف جزء من سمك الشعرة العادية في رأس الإنسان‏,‏ وهي على الرغم من دقتها الشديدة أقوى خمس مرات من نظيرها من الصلب‏,‏ وتتميز بمقاومة للشد أكبر من مثيلتها من الصلب، سواء نسبت تلك المقاومة لوحدة الحجوم أو لوحدة الوزن من الخيط المختبر‏,‏ بل إن الدراسات الحديثة قد أثبتت أن الخيط من حرير عنكبوت من نوع نيفلا‏(Nephila)‏، وهو من مجموعة الحائك الدوار‏(Orbweaver)‏يعد أقوى ثلاث مرات من مثيله المصنوع من المادة المعروفة باسم كيفلار‏(Kevlar),‏ وهي مادة ذات أساس بترولي تستخدم في صناعة الصديرية الواقية من طلقات الرصاص‏،‏ لذلك يعد حرير العنكبوت واحداً من أقوى المواد الموجودة على سطح الأرض؛ لأنه يتحمل شدا يصل إلى‏42000‏ كيلو جرام على السنتيمتر المربع، مما يكسبه قابلية هائلة للمط (‏Stretching)،‏ وأعطاه قدرة على الإيقاع بالفريسة من الحشرات دون أن يتمزق‏,‏ خاصة وأن العنكبوت يبني بيته من ضفائر تضم الواحدة منها عدداً من هذه الخيوط المضفرة‏‏ والمجدولة تجديلاً قويا‏ًً,‏ ولذلك قال ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ: ” أَوْهَنَ البُيُوتِ‏ “,‏ ولم يقل أوهن الخيوط‏,‏ وبقي بيت العنكبوت هو أوهن البيوت وأضعفها على الإطلاق على الرغم من شدة خيوطه‏.‏
‏(2)‏ أن بيت العنكبوت من الناحية المعنوية هو أوهن بيت على الإطلاق؛ لأنه بيت محروم من معاني المودة والرحمة التي يقوم على أساسها كل بيت سعيد‏؛ وذلك لأن الأنثى في بعض أنواع العنكبوت تقضي على ذكرها بمجرد إتمام عملية الإخصاب، وذلك بقتله وافتراس جسده؛ لأنها أكبر حجماً وأكثر شراسة منه‏,‏ وفي بعض الحالات تلتهم الأنثى صغارها دون أدنى رحمة‏,‏ وفي بعض الأنواع تموت الأنثى بعد إتمام إخصاب بيضها الذي عادة ما تحتضنه في كيس من الحرير‏,‏ وعندما يفقس البيض تخرج (‏Spider lings) ‏ فتجد نفسها في مكان شديد الازدحام بالأفراد داخل كيس البيض‏,‏ فيبدأ الإخوة الأشقاء في الاقتتال من أجل الطعام أو من أجل المكان أو من أجلهما معاً، فيقتل الأخ أخاه وأخته‏,‏ وتقتل الأخت أختها وأخاها حتى تنتهي المعركة ببقاء عدد قليل من العنيكبات التي تنسلخ من جلدها‏,‏ وتمزق جدار كيس البيض لتخرج الواحدة تلو الأخرى‏,‏ والواحد تلو الآخر بذكريات تعيسة‏,‏ لينتشر الجميع في البيئة المحيطة، وتبدأ كل أنثى في بناء بيتها‏,‏ ويهلك في الطريق إلى ذلك من يهلك من هذه العنيكبات،‏ ويكرر من ينجو منها نفس المأساة التي تجعل من بيت العنكبوت أكثر البيوت شراسة ووحشية‏,‏ وانعداماً لأواصر القربى.‏ ومن هنا ضرب الله ـ تعالى ـ به المثل في الوهن والضعف لافتقاره إلى أبسط معاني التراحم بين الزوج وزوجه‏,‏ والأم وصغارها‏,‏ والأخ وشقيقه وشقيقته‏,‏ والأخت وأختها وأخيها‏.

رابعا‏ًً:‏ في قوله ـ تعالى ـ‏: ” لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ “:‏
هذه الحقائق لم تكن معروفة لأحد من الخلق في زمن الوحي‏,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏,‏ حيث لم تكتشف إلا بعد دراسات مكثفة في علم سلوك حيوان العنكبوت استغرقت مئات من العلماء لعشرات من السنين حتى تبلورت في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ ولذلك ختم ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ الآية الكريمة بقوله: ” لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ‏ “.‏
وعلى ذلك فإن الوصف القرآني لبيت العنكبوت بأنه أوهن البيوت‏,‏ هذا الوصف الذي أنزل على نبي أمي‏ ـصلى الله عليه وسلم‏ ـ في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين من قبل ألف وأربعمائة سنة يعتبر سبقاً علمياً لا يمكن لعاقل أن يتصور له مصدراً غير الله الخالق الذي أنزل القرآن الكريم بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ ـ اللغة العربية‏ ـ‏ على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد‏,‏ وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها حتى يبقى هذا الكتاب العزيز حجة علي الناس كافة إلى يوم الدين‏,‏ ويبقى ما فيه من الحق شاهداً على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ وشاهداً كذلك بالنبوة وبالرسالة للنبي الخاتم وللرسول الذي تلقاه‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ والذي بلغ الرسالة‏,‏ وأدى الأمانة‏,‏ ونصح الأمة‏,‏ وجاهد في سبيل الله حتى آتاه اليقين‏.‏ فنسأل الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ أن يجزيه خير ما جازى به نبياً عن أمته‏,‏ ورسولاً على حسن أداء رسالته‏,‏ وأن يؤتيه الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة‏,‏ وأن يبعثه المقام المحمود الذي وعده، إن ربي لا يخلف الميعاد. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏.‏

موقع فضيلة الدكتور زغلول النجار

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: