فراس22

” الإعلام .. و تجدّد الأزمة ” … بقلم الناشط السياسي فراس العيني

مقال بتاريخ الاثنين 9 مارس 2015 :

مرت تونس بفترات مختلفة بعد الثورة يدوم بعضها أشهرا و يدوم بعضها سنوات، و تتراوح فيها حرارة المشهد السياسي من الحارق إلى الجامد و لكن مهما حصل فالأمور تستمر و سياسة البلاد لا تنقطع و ما يصنع الفارق بين هذا و ذاك ليست حرارة المشهد السياسي فحسب و إنما عمل الإعلام فإما أن يكون كاشفا فاضحا و عينا ساهرة و بصيرة يبصر بها الشعب واقعه أو متسترا متواطئا مع من بيده السلطة الحقيقية. و على اختلاف القنوات و الإذاعات و الجرائد إلاّ أن الخط الإعلامي يكاد يكون متشابها إما لخطة عامة و خريطة طريق إعلامية فرضت سرا أو علنا من خلال الهايكا أو الجهات النافذة في الإعلام، أو أنه تشابه بين الإعلاميين في تقييم مقتضيات المرحلة و متطلباتها.
فعلا.. نجد أنفسنا اليوم في تونس أمام مرحلة حرجة هي الأكثر حساسية، دعنا نقولها و بصراحة، أن الهدوء النسبي الذي نعيشه نشعر أنه مكذوب و مسكون بجينات الفوضى و الانهيار و كل المؤشرات تؤكد ذلك، حالة الاستقرار النسبية التي نعيشها نشعر أنها مبنية على فوهة بركان محلي و إقليمي قد ينفجر في أية لحظة و تسيل منه الحمم حارقة جارفة.
عجز دولة ككيان تنفيذي، و تأزم اقتصادي يولد حالة اجتماعية تزداد تدهورا يوما بعد يوم، قطاعات مشلولة و انعدام الثقة بين المجتمع و سياسييه و نخبه و السّحاب البركاني الليبي يحجب شمس سماء تونس و دكتاتور إقليمي اسمه الجزائر يتعرض لضغط فوق طاقة تحمله حول محاربة الإرهاب. كل هذا و ذاك يجعل أعرق مراكز الدراسات غير قادرة على التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور في هذا المكان من العالم. و نحن أهل البلد و أصحابه المستأمنون عليه و أبناؤه الشرعيون و البيولوجيون فتحه أجدادنا و بناه آباؤنا و فيه مستقبلنا و مقبل أيامنا لا يمكننا أن نتنكر له و لا يمكنه -مهما حاولوا- أن يتنكر لنا لا يمكننا مغادرته فمعظم الشعب لا يمكنه مغادرة البلاد كبعض السياسيين و النخب فهو لا يملك سعر تذكرة السفر بل و لا يملك جوزا للسفر و لا مكان له يذهب إليه،.. كل هذا يجعلنا نقف على حقيقة مسؤوليتنا في فهم أوضاعنا و أحوالنا و استنباط الحلول و تنفيذها و توقع الحسن و السيئ و الأسوأ و الأشد سوءا و استقراء الأحداث و تتبع الأخبار، فالتحليل السياسي ليس فقط تحليل الأحداث حين وقوعها بل هو أيضا تحليل الأحداث حتى قبل وقوعها و لكن يبقى هذا منوطا و بشكل أساسي بالإعلام و وسائله و رجاله و القائمين عليه فهو يمثل و بنسبة كبيرة أعيننا التي نبصر بها واقعنا و نتلمس بها أحوالنا و أوضاعنا و لعل الشبكة العنكبوتية و مواقع التواصل الاجتماعية و الإعلام الافتراضي رحمة من رحمات الله خلصتنا من الكثير من التبعية و أجبرت الإعلام الحقيقي على أن يتخطى الكثير من العقد سعيا منه لتعويض هذا البون الشاسع بينه و بين تحرر الافتراضي و سرعته.

لذلك يزداد دور الإعلام حساسية أكثر فأكثر خاصة في هذه المرحلة التي صرنا نرى بالعين و نسمع بالأذن محاولات السلطة العودة إلى المربع الإعلامي الأول و وضع اليد البنفسجية على السلطة الرابعة من خلال محاولات غلق بعض وسائل الإعلام التي تتجرأ على المواضيع الحساسة و القضايا المتشعبة التي هي من صلب اهتمام الناس و تصنف كقضايا مفصلية.
و نلمس أيضا حساسية هذا الدور من خلال قضايا و مواضيع صارت هي المحوّل و الناقل إلى المرحلة القادمة التي تتسم بالغموض و تتزين بالمجهول و يتوجس منها الجميع خيفة و من جملة هذه القضايا نذكر:

1- الإرهاب: الذي صار رعبا يسيطر على الناس و رعبا يدخل في المعادلة السياسية و رعبا كنوع من أنواع الدكتاتورية و تتناقل وسائل الإعلام الرواية الرسمية دون تدقيق عميق و لا بحث شامل و لا زيادة و لا نقصان رغم أن الأسئلة المحيرة كثيرة و نقاط الاستفهام حول بعض الألغاز المتعلقة بالإرهاب لا ينكرها أحد. فمن الجدية بمكان أن يسعى الساعون نحو كشف هذه الخطط و الألاعيب و فضح صاحب التخطيط و المنفذ و المتستر على حد سواء، و هذا الإرهاب الذي يزورنا كزائر غير مرحب به كلما جد بالبلاد حدث أو موعد سياسي مهم، قد يتجاوز في لحظة من اللحظات طاقة تحمل هذا الشعب و طاقة تحمل القوات المسلحة و قد يحصل ما لا يحمد عقباه و قد يتجاوز هذا الإرهاب كل الحدود-إذا ما توفر المناخ المناسب له- و قد تدخل البلاد في دوامة -لا قدّر الله- تقضي على كل شكل من أشكال الاستقرار و التوازن.. هذا الموضوع مفتوح على المجهول و كل الفرضيات فيه محتملة و لا يوجد رادع أقوى من كشف ملابساته و الوقوف على خباياه و محاصرة الحكومة حتى تقدم رواية رسمية أكثر عمقا و صدقا من روايات العروي، و هذا الدور لا يمكن أن يقوم به إلاّ الإعلام.

2- الأوضاع الليبية و حقيقة ما تعيشه ليبيا التي تعتبر عمقنا الإستراتيجي و رئة يتنفس منها الاقتصاد التونسي و هي من باب الاهتمام بأمر المسلمين كأمر يعنينا و الاهتمام به واجب كما قال صلى الله عليه و سلم: “من أصبح و لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”. إذا فالحكم الشرعي يقضي أن نهتم بالشأن الليبي كما نهتم بالشأن التونسي علاوة على أن هذا الاهتمام يؤثر و بصفة مباشرة على واقعنا حاضرا و مستقبلا و لا يمكن لإعلامنا أن يملك القدرة على مواكبة أجواء مباريات كأس إفريقيا و كأس العالم في أقاصي الأرض و مغاربها و لا يملك القدرة على تغطية الأوضاع في الجارة ليبيا، و قد يتعذر البعض بخطورة الأوضاع و صعوبة العمل الصحفي هناك و لكن ما أعرفه عن الصحفيين أنهم يستمتعون بهذا العمل و يستهويهم العمل في مثل هذه الظروف و كفى بسفيان الشورابي و نذير القطاري-فرج الله عنهما- مثالا على ذلك، و رغم هذا العذر المقبول إلاّ أن إمكانية تجنيد مراسلين ليبيين من أهل البلد-يتمتعون بالحصانة العشائرية و القبلية- ليست بالأمر الصعب.
3- تمر بتونس أحداث كتلك التي مرت بها مدينة الذهيبة و مؤخرا ولاية جندوبة أو ما تعرض له أطفال القصرين من لقاح فاسد أثر سلبا على صحتهم، إلاّ أن وسائل الإعلام تكون إما متأخرة تنتظر الإذن بالحديث أو متسترة لها في ذلك الكثير من الحسابات السياسية و المادية، و الأمر بحجمه الطبيعي يقتضي إعلان طوارئ إعلامي و قتل المسألة بحثا و نقاشا و ضغطا مسعورا على السلطة لإيجاد حل سريع و مستعجل و الوقوف على الموضوع من جميع جوانبه و تسليط الضوء على زواياه المظلمة. فالأمر لا يقتصر على تغطية إعلامية و تقارير مصورة فقط و لكن الأمر يجعل من هذه المناطق تشعر بطبيعة الاهتمام الشعبي الذي تحضا به و إن أهملتها السلطة، و أن لا تشعر بإقصاء و لا مبالاة تجعلنا مسؤولين أمام الله أولا و أمام أهلنا في مناطق قد تتعرض لأي نوع من أنواع الكوارث أو الأحداث و يروا منا كلمة حق و صرخة في وجه حاكم مقصر و نظام مدمر و ما نقدر عليه من مساعدة و تكافل و إلاّ فإننا سنرى مرحلة مستقبلية يشوبها الشقاق و التباغض و لا يخفى على أحد أن كل ماكر و متآمر على هذا البلد يسعى لزرع بذور الشقاق و الفراق.

4- الممارسات و الانتهاكات الجديدة/القديمة التي نسمع عنها في السجون و مراكز الإيقاف و الإيقافات العشوائية التي وصلت في بعض الأحيان إلى عملية اختطاف كلها تدفعنا لنطرح السؤال حسرة و ألما عن ثورة قام بها هذا الشعب من أجل أن تتوقف هذه الممارسات و أن تصبح قصصا من قصص الماضي و لكن هاهي اليوم تعيد عملية الانتشار و التوسع و لا يساعدها في ذلك إلاّ الصمت أحيانا و التستر الإعلامي أحيانا أخرى لنعيد الكرّة على أنفسنا ظلما و قهرا بأيدي البطش في وزارة الداخلية و إدارة السجون و الإصلاح في وزارة العدل. لذلك إن لم يبرمج الإعلاميون طاولات النقاش و التحقيقات و الاستقصاء حول هذه الانتهاكات و الممارسات الإرهابية و استدعاء المسؤولين و مساءلتهم و الضغط عليهم و إحراجهم مما يساهم في تنمية الوعي العام بخطورة هذه الجرائم فإننا ننظر للطبيعة الإجرامية للمرحلة القادمة التي تنتظرنا و نراها رأي العين و لا يحتاج توقع معالمها فهما و ذكاء.

5- الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية و ما يحوم حولها من مواضيع هي الشغل الشاغل لعامة الناس و المهمة الأساسية التي يشتغل عليها الوزراء كما يدعون، تقتضي كل أنواع المتابعة و الشرح و البحث و التدقيق و النقاش مع كافة المتداخلين و المعنيين بالأمر من سلطة الإشراف و الخبراء و السياسيين فكثيرة هي الإضرابات و كثيرة هي الأزمات و متعددة هي الأرقام الكارثية و متنوعة هي التجاوزات و هذا في الحقيقة يتطلب جهدا جبارا لتغطيتها و الوقوف عليها حق الوقوف فإن رجال الظلام الموجودين في هذه القطاعات التي تؤثر مباشرة في الوضع الاجتماعي و الاقتصادي لا يمكن هزيمتها إلاّ بإخراجها من ظلمتها و وضعها تحت الضوء حتى تفقد قدرتها على النهب و السلب و تفقد الثقة التي يعطيها لهم المغترون بهم و إلاّ فإن أهم سبب من أسباب الفوضى التي قد تصيب البلاد هو حالة التأزم التي وصل إليها الوضع الاجتماعي و الاقتصادي و ما يزيد الطين بلة و يؤجج الأوضاع أكثر هو التعتيم الإعلامي و المغالطات الحكومية فكم من إضراب كان سيخمد لولا رعونة حكومية و تعتيم إعلامي و مغالطات مسؤولين،  “فالنار لا تزداد إلاّ لهبا إن هم خنقوها بالحطب”.

هذه القضايا التي ذكرناها و غيرها تساهم و بصفة مباشرة في رسم ملامح المرحلة القادمة التي لا ندري هل سترث من سالفتها حالة الاستقرار النسبي أم ستسير في منعرج الفوضى و اللاستقرار الذي يهدد المنطقة بأسرها، و دور الإعلام يزداد حساسية و الحال أن الحكومة و المتنفذين في البلاد يحاولون إعادة بسط سيطرتهم و يحاربون بكل الوسائل الخارجين عن السيطرة من إعلاميين و صحفيين ظنا منهم أن هذا سيساعدهم على تمرير المغالطات و كسب الوقت من خلال بعض التسويفات و لكن في الحقيقة هو نوع من أنواع الضغط الذي يولد إنفجارات شعبية مدوية تكون بركانا و حمما لا تبقي و لا تذر.

بقلم فراس العيني – ناشط سياسي في صفوف حزب التحرير –

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: