“الإيمان بالقضاء والقدر” / مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

“الإيمان بالقضاء والقدر” / مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس مقاصد الشريعة الإسلامية، وقد كنا في أركان الإسلام، وانتقلنا إلى أركان الإيمان، وبقي من أركان الإيمانِ الإيمانُ بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى.
الإيمان بالقضاء والقدر:
1 – عقيد الجبر أخطر العقائد على المسلمين:
قد ألفت النظر إلى أخطر شيء في عقيدة المسلم القضاء والقدر، لأنه إذا توهم أن الله كتب عليه كل شيء من دون اختيار منه يشلّ المسلم، وتشلّ الأمة الإسلامية بأكملها، وما من عقيدة أثرت تأثيراً سلبياً على حياة المسلمين كعقيدة الجبر، وعقيدة الجبر عقيدة فاسدة.
أيها الإخوة، لا يعقل أن يكون حال المسلم مع القضاء والقدر كقول الشاعر:
ألقاه في اليم مكتوفاً و قال له إيّاك إياك أن تبتل بالماء


2 – وجودُ الأمرِ والنهي في القرآن يلزم منه الاختيار عند الإنسان:
الأدلة على أن الإنسان مخير لا تعد ولا تحصى، أحد أبرز الأدلة العقلية أن وجود الأمر والنهي في كتاب والسنة دليل قطعي على أن الإنسان مخير.
لو تصورنا جدارين بعرض منكب الإنسان تماماً، إذا مشى بينهما لامس الجدار الأول كتفه الأيمن، ولامس الجدار الثاني كتفه الأيسر، هل يعقل أن نقول لهذا الإنسان: اتجه نحو اليمين، أيّ يمين ؟ هل هناك فرجة بعشرة سنتمترات يتجه بها نحو اليمين ؟
إذا كان الإنسان مسيَّراً فوجود الأمر والنهي في القرآن الكريم لا معنى له، هل يستطيع راكب في مركبة أن يسأل راكباً إلى جانبه ويقول له: اتجه نحو اليسار ؟ المقود ليس بيده، فلذلك لمجرد وجود الأمر والنهي في القرآن الكريم هذا أكبر دليل على أن الإنسان مخير، هذا دليل منطقي.
3 – الواقع دليل على اختيار الإنسان:
هناك دليل واقعي، أنت أتيت إلى هذا المسجد باختيارك، وبإمكانك ألا تأتي، وبإمكانك أن تصلي في البيت، بل وبإمكانك ألا تصلي، بإمكانك أن تصوم، وبإمكانك ألا تصوم، أنت مخير، وأقوى دليل واقعي أنك تنفق من مالك باختيارك، وقد لا تنفق، قد تعطي، وربما لا تعطي، قد تغضب، وربما لا تغضب، قد تحزن، وربما لا تحزن، فأنت مخيّر، ولولا أنك مخير، أو لو ألغي اختيارك لألغي الثواب والعقاب، وألغيت الجنة والنار، وألغي التكليف، وألغي حمل الأمانة، وأصبح الدين غير منطقي، وأصبحت الحياة تمثيلية سمجة.
هل يمكن أن تعلن عن مسابقة، والذي سوف ينجح معروف قبل الإعلان عن المسابقة، هذا كلام لا معنى له إطلاقاً.
هل يمكن أن يقف مدير المدرسة في أول يوم من العام الدراسي قبل التدريس ويقول: سأتلو عليكم أسماء الناجحين آخر هذا العام وأسماء الراسبين، انطلقوا إلى الصفوف، وادرسوا جيداً أيها الأولاد، وانتهى الأمر.
مستحيل وألف ألف مستحيل ألا يكون الإنسان مخيراً، التخيير يثمن العمل
آيات قرآنية دالة على اختيار العبد:
موضوع آخر، الله يعلم، لكنك مخير بنص القرآن الكريم، وأقوى آية في الدلالة على أنك مخير قوله تعالى:
الآية الأولى:
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا (148) ﴾
( سورة الأنعام )
عد إلغاء الاختيار تكذيباً، قال تعالى:
الآية الثانية:
﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) ﴾
( سورة الأنعام )
مستحيل وألف ألف مستحيل أن تكون مسيَّراً، إذا كنت مسيَّراً فلماذا يحاسبك الله عز وجل ؟ أنت ماذا فعلت في الدنيا، ما زدت على أن نفّذت أمر الله عز وجل، لذلك العوام ينطقون بكلام هو الكفر بعينه، يقول لك: ( كاسات معدودة بأماكن محدودة )، ( لا تعترض فتنطرد )، الله باليه، ( الله ما كتب له الهداية )، هذا كله كلام يتناقض مع القرآن الكريم ، قال تعالى:
الآية الثالثة:
﴿ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) ﴾
( سورة الكهف )
الآية الرابعة:
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) ﴾
( سورة الإنسان )
الآية الخامسة:
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148)
( سورة البقرة)
آيات كثيرة جداً.
سيدنا عمر جيء إليه بشارب خمر فقال: << أقيموا عليه الحد >>، قال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر علي ذلك، قال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا، إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار >>، أنت مخير فيما كلفت به.
لكن التوضيح لو قرأت القرآن الكريم، ووقفت عند بعض الآيات:
دفع شبهات ورفع إشكالات: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (93) ﴾
( سورة النحل)
أولاً: ببساطة ما بعدها بساطة يمكن أن يعود الفاعل في الفعل ( يشاء ) على الإنسان، فمَن شاء الضلالة يسمح الله له أن يكون ضالاً، لأنه مخير، ومن شاء الهدى يعينه الله على الهدى لأنه مخير، فيعنيه على الهدى، لقوله تعالى:
﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا (173) ﴾
( سورة آل عمران)
﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾
( سورة الكهف)
زدناهم هدى، هدى التوفيق، أنت اخترت الهدى فدلك الله عليه ووفقك إليه.
لذلك أيها الإخوة، أنت مخير قطعاً بدليل واقعي، وبدليل منطقي، وبدليل قرآني، وبدليل من فعل الصحابة الكرام، لكن إذا كان هناك آيات يشم منها رائحة الجبر، يشم لها تأويل الجبر، فلابد لها من تفسير، ومن هذه الآيات:
﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (93) ﴾
( سورة النحل)
أبسط تفسير، وأيسر تفسير أن المشيئة تعود على الإنسان، فالذي أراد الضلال أراد، الشهوة، أراد التفلت من منهج الله، لأنه مخير يسمح الله له ذلك، والذي أراد الهدى الله عز وجل يعينه على ذلك فيزيده هدى.
الإضلال الجزائي نتيجة لضلال العبد الاختياري:
وهناك معنى آخر، إذا عزي الضلال إلى الله فهو إذا عزي الإضلال إلى الله عز وجل فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري، قياساً على قوله تعالى:
﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (5) ﴾
( سورة الصف)
أوضح مثل لها: طالب في الجامعة لم يداوم، لم يقدم امتحانا، لم يشتر الكتب أصلاً، جاءه إنذار تلو إنذار تلو إنذار، فأصرَّ على موقفه، الآن سيصدر قرار بترقيك قيده من الجامعة، هل هذا القرار فيه تجنٍّ عليه، أم أنه تجسيد لاختياره ؟ هكذا إذا عزي الإضلال إلى الله فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري، فقط ليس غير.
هناك آيات كثيرة تحتاج إلى توضيح:
﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ (88) ﴾
( سورة الأنعام)
عادت المشيئة إلى العبد بنص هذه الآية الكريمة.
و في آية أخرى:
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) ﴾
( سورة الكهف)
لكن:
﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (30) ﴾
( سورة الإنسان)
بين مشيئة العبد ومشيئة الله:
فيما يبدو أن مشيئة الإنسان ربطت بمشيئة الله، قد يظن بعض الناس أن هذه المشيئة التي ربطت بمشيئة الله كان ربطاً جبرياً، لكنه ربط تفضلي، لأن الله عز وجل أعطانا حرية الاختيار، فإذا اختار أحدنا طريق الجنة، وسلكها، واستحق الجنة فيتفضل الله عليه، فيذكره بفضله، يقول: لولا أنني أعطيتكم حرية الاختيار، واخترتم الجنة لما كنتم في الجنة، ولولا أنني شئت لكم أن تشاءوا لما دخلتم الجنة، فهذا ربط فضل لا ربط جبر.
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) ﴾
( سورة الكهف)
﴿ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (30) ﴾
( سورة الكهف)
لولا أن الله شاء لكم أن تشاءوا لما شئتم الجنة.
أنت دخلت إلى محل فيه قطع ذهبية ثمينة، وليس معك مال إطلاقاً، فقال لك صاحب المحل: اختر ما شئت، وخذه هدية، فأنت اخترت أثمن قطعة، ووضعتها في جيبك، ثم انصرفت، قال لك البائع: لولا أنني خيرتك، ووهبت لك ما تختار لما نلت هذه القطعة، كذلك لولا أن الله خيرنا فاخترنا الجنة، ودخلنا الجنة إن شاء الله لما كان هناك دخول للجنة، فهذا الربط ليس ربطَ جبرٍ، لكنه ربط فضل.
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) ﴾
( سورة الكهف)
﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (30) ﴾
( سورة الإنسان)
آية ثالثة، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا (13) ﴾
( سورة السجدة)
ولكن هناك إشكال:
﴿ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) ﴾
( سورة السجدة)
هذه من الآيات المتشابهات التي ينبغي أن نعرف حقيقتها، معنى الآية: أنتم تزعمون يا عبادي أن أعمالكم السيئة من تقديري ومن إجبارٍ مني، أنتم واهمون، لأنني لو أردت أن أجبركم على شيء ما لما أجبرتكم إلا على الهدى، ولو أردت أن ألغي هويتكم، لو أردت أن ألغي اختياركم، لو أردت أن ألغي أنكم جئتم إلى الدنيا مخيرين، لو أردت أن ألغي بشريتكم، لو كنت مجبركم على شيء ما لما أجبرتكم إلا على الهدى، لو شئنا أن نلغي اختياركم، أن نلغي تكليفكم، أن نلغي حمل الأمانة، لو شئنا أن نلغي هويتكم أنكم مخلوقون مخيرون، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا (13) ﴾
( سورة السجدة)
لو كنت مجبركم على شيء ما لما أجبرتكم إلا على الهدى، ولكن هذه الأعمال من صنعكم، ومن اختياركم، وسوف تحاسبون عليها.
إنه خطأ كبير: عزوُ المصائب إلى القدَر والخير إلى النفس:
لذلك أيها الإخوة، الإنسان دائماً دون أن يشعر يعزو أخطائه إلى القضاء والقدر، أما فضائله فينسبها إلى ذاته، يقول لك: نجحت وتفوقت، نلت الجائزة الأولى، أسست عمل، ربحت، أما إذا لم ينجح يقول: هكذا الله يريد، وهذا ترتيب سيدك، لماذا لم تقل: أنا السبب برسوبي ؟
إن الإنسان إذا أصابته مصيبة قال: هكذا الله يريد، ما بيدنا شيء، نحن عبيد امتحان، ولسنا عبيد إحسان، لماذا كل السلبيات تعزوها إلى الله، والإيجابيات تعزوها إلى نفسك ؟ أنت غير منصف، أنت تتهم الله.
مرة كنا في مؤتمر، وقام رئيس المؤتمر، ووجه تهمة للأمة العربية، والله هو محق فيها، قال: أنتم أيها الإخوة الكرام، تعزون أخطاءَكم إلى القضاء والقدر، وتقولون: الله عز وجل هكذا أراد أن تتسلط علينا الشرذمة القليلة، مَن قال لك ذلك ؟ هذا جزاء التقصير، لذلك قالوا: الشيء الذي تتوهم أنك لا تستطيع أن تفعله هو الشيء الذي لا تريد أن تفعله، فإن القرار الذي يتخذ الإنسان في شأن مصيره قلما تنقضه الأيام إذا كان صادراً حقاً عن إرادة وإيمان، وهناك بيت من الشعر مشهور:
إذا ما الشعب أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر


أنت إذا أردت شيئاً فلا بد من أن تصل إليه بحكم أن الله جبلك على هذا، قال تعالى:
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) ﴾
( سورة الكهف)
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) ﴾
( سورة الإسراء)
ثلاث آيات في ظاهرها إشكالات ثلاثة، والحقيقة غير ذلك:
الأمر واضح، إذاً: هناك إشكالات ثلاثة في آيات ثلاث، الأولى:
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) ﴾
( سورة الكهف)
﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (30) ﴾
( سورة الإنسان)
والآية الثانية:
﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (93) ﴾
( سورة النحل)
والآية الثالثة:
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) ﴾
( سورة السجدة)
إشكال: الإضلال الحكمي والضلال الاختياري :
وهناك إشكال رابع ؛ هو أن الله عز وجل حينما يعزو الإضلال إليه فهو الإضلال الحكمي، كيف ؟
إن إنسانا يمشي في طريقه إلى حمص، وافتراضاً ليس في الطريق لافتات، وجد طريقين، يا ترى أيهما إلى حمص ؟ رأى رجلا واقفا فقال له مِن فضلك ؛ أيّ الطريقين أسلك إلى حمص ؟ قال: مِن اليمين، قال له: جزاك الله خيراً، قال له: انتبه هناك منحدر خطر على جسر ضيق، لما قال له: جزاك الله خيراً، تابع هذا الإنسان، وأعطاه مئة معلومة مفيدة له في هذا الطريق، لو أن إنسانا آخر وصل على هذا المفترق، والإنسان نفسه واقف، فسأله: مِن أين طريق حمص ؟ قال له: من هنا، قال له: أنت كذاب. هل يستطيع هذا الإنسان أن يتابع ذكر التفاصيل ؟ لأنه كذب فمنع منه الخير، منع منه الهدى، وهذا منع حكمي، فإذا رفض الإنسانُ الدين صار ضالا من نفسه عن هدى القرآن، لأنه منع نفسه عن هداية النبي العدنان، وهذا إضلال حكمي.
الإضلال عن الشركاء
آخر شيء، عندنا الإضلال عن الشركاء، الله عز وجل يغار على عبده المؤمن أن يتجه على غير الله، فلو اتجه إلى غير الله فإن الله عز وجل يضله عن هذا الذي اتجه إليه، فيخيب ظنه، هذا إضلال.
مثلا: يكون للإنسان صديق حميم تسلم منصبا رفيعا، فقال له: أنا في خدمتك، يذهب إليه فيتجاهله، ويتنكر له، قال له: بعنف ليس هناك موافقة، فيزلزله، أين الصداقة ؟ لأنه علّق الأمل عليه، فألهم هذا الذي أشركه مع الله عز وجل أن يتنكر له، فكأنه أضله عن شريكه، هذا معنى من معاني الإضلال، هذا إضلال إيجابي.
كلما تعلقت بجهة، ونسيت الله عز وجل يضلك عنه، وهذه قاعدة، أيّ جهة تعتمد عليها اعتماداً كلياً ـ أنا أقول لك هذا لا من باب علم الغيب، ولكن من باب علم القوانين ـ سوف تخيب ظنك، لأن الله يغار عليك أن تتجه إلى غيره، فإذا علقت الأمل على غيره أضلك.
أحيانا يعلق إنسان آماله كلها على أولاده، أو على أحد أولاده، فيسافر، ويتزوج، ويمر ثلاث سنوات ولا يتلقّى منه اتصالا هاتفيا واحدا، لماذا ؟ لأنه علق آمالا كثيرة على ابنه الوحيد.
أحيانا يعلق الأمل على زوجته، فتكون معه قاسية ولئيمة إلى أبعد الحدود، فها معنى: أضله عن شريكه.
أحيانا يعلق الآمال بماله فيبتليه الله بمصيبة لا يحلها المال إطلاقاً.
مرة غلط أحدُهم وقال: الدراهم مراهم، قال: جلست في السجن المنفرد أربعة وستين يوما، ويأتيني كل يوم ألف خاطر، الدراهم مراهم، هذا شرك ؛ أن تقول: الدراهم مراهم.
هناك أمراض، مرة كنت عند طبيب فجاءه اتصال هاتفي، سمعت صوته من الهاتف القديم عاليا جداً، سمعت المكالمة، قال له: أيّ مكان في العالم، أيّ مبلغ، قال له: والله ما لا أمل، السرطان في الدرجة الخامسة، معه مليارات الدراهم، لكن ليست بمراهم، المراهم لطف الله، المراهم توفيق الله، المراهم حفظ الله.
خاتمة:
أيها الإخوة الكرام، القضاء والقدر من أدق الأبحاث، لأنه إذا فهمناه خطأً شلت حركتنا، وإن فهمناه فهماً إيجابياً تألقنا، وانطلقنا إلى العمل.

المصدر: ندوات تلفزيونية – قناة القصيم – مقاصد الشريعة – الدرس (13- 27) : الإيمان بالقضاء والقدر.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: