“الاتحاد و دعاوى اصلاح المنظومة التربوية: متاجرة بالحقوق و تحوير للأزمة ” … بقلم مراد شيخاوي

“الاتحاد و دعاوى اصلاح المنظومة التربوية: متاجرة بالحقوق و تحوير للأزمة ” … بقلم مراد شيخاوي

أفاد وزير التربية ناجي جلول ضمن حوار صحفي نشرته جريدة الشروق يوم الثلاثاء 8 سبتمبر 2015 أن ” وزارة التربية قامت بدورها (فيما يخص اتفاقية 6 أفريل الخاصة بالتعليم الثانوي) و خلافا لما يتم ترويجه من قبل بعض الأطراف النقابية فإنه تم إتمام كل الإجراءات و الأوامر الخاصة بالمربين و نشرت في الرائد الرسمي يوم الجمعة 4 سبتمبر ”.

و صرح ضمن الحوار نفسه أنه رغم أن ” الإصلاح (أي إصلاح التعليم) شأن وطني لكن في سياستنا الاتصالية لم نشأ تغليبه على سائر القضايا … علما أن الإصلاح على أرض الواقع فتح أكثر من 5 آلاف منبر حوار في الجهات” و أن الأطراف الراعية للحوار انتهت ” من صياغة تقرير تأليفي يوم 1 سبتمبر يضم التصورات ” التي تمثل المرحلة الأولى في الإصلاح قبل الشروع في التنفيذ كمرحلة ثانية.

للتذكير فإن أشغال ” الحوار الوطني حول إصلاح المنظومة التربوية ” قد انطلقت يوم الخميس 23 أفريل 2015 ضمن موكب شمل الأطراف الراعية لهذا الحوار و التي هي وزارة التربية و الإتحاد العام التونسي للشغل و المعهد العربي لحقوق الإنسان. و قد أفاد وزير التربية ناجي جلول آنذاك أن ” ورقة مشروع عملية الإصلاح التربوي لوزارة التربية تتلخص في توفير موارد بشرية جيدة على كل المستويات لأن مسألة التكوين و التربية هي مسألة موارد بشرية و تأصيل التلميذ في هويته العربية الإسلامية و انفتاحه على الخارج الى جانب جعل المدرسة فضاء حياة و فضاء إبداع ” .

و المتتبع للأحداث خلال السنة الدراسية المنصرمة يلاحظ أن الأجواء كانت مليئة بالاحتجاجات من قبل المربين و الأساتذة مما أفاض عن عجيبةِ ” الإرتقاء بقرار وزاري ” و عن إتمام إجراءات نشر الإتفاقية الخاصة بالتعليم الثانوي بالرائد الرسمي دون علم النقابات لأنه ” لا علم للنقابات بتشعب الاجراءات الادارية التي تسبق صدور الأوامر في الرائد الرسمي ” حسب قول وزير التربية ضمن الحوار الصحفي الآنف الذكر، مما يبرر تواصل احتجاجات أساتذة التعليم الثانوي منذ إبرام اتفاقية 6 أفريل إلى حين نشر الإجراءات و الأوامر الخاصة بالمربين بالرائد الرسمي يوم 4 سبتمبر 2015 فعدول الأساتذة عن مقاطعة العودة المدرسية !

من البديهي أن يطرأ بذهن المتتبع للأحداث أن الاتحاد العام التونسي للشغل الذي هو أحد رعاة عملية الإصلاح التربوي لم يقم بالدور الموكول له بتتبع مآلات الاتفاقيات المبرمة حتى يوفر أجواءً ملائمة بين الإطار التربوي و وزارة التعليم للنظر في عمق الإصلاحات الواجب إحداثها للمنظومة التربوية.

فإصلاح المنظومة التربوية ليس مجرد ” إلغاء أسبوع مغلق ” أو ” إعداد امتحانات وطنية موحدة على مستوى المندوبيات الجهوية ” أو ” إلغاء الـ 20 % من معدل الباكالورية ” أو ” تخلًّ عن انتداب المدرسين عن طريق الكاباس ” … إنما الإصلاح الحقيقي يجب أن يرمي إلى تكوين شخصيات متجذرة في هويتها الحضارية و متناغمة مع الهوية الاسلامية للمجتمع ، و هذا لا يتأتى إلا بإحداث إصلاح في عمق المنظومة التربوية أي في منهج التعليم نفسه.

لقد مرّت عقود متتالية و الخطاب الرسمي يُعلِن ” بناءَ الشخصية القومية التونسية المسلحة بالثقافة العلمية والتقنية اللازمة للانخراط في معركة التنمية (قانون 1958) و الحرص على مزيد من التوازن والثقة في بناء تلك الشخصية لتكتسب حسا مدنيا أرقى وقدرة أكبر على مسايرة التغيرات السريعة في نسق العلم والتنمية العالميين (قانون 1991) و التركيز على القيم الكونية الجديدة المستقدمة من عالم الاقتصاد الرقمي، كالنجاعة والجدوى والجودة والعلاقات الأفقية التي تجد تعبيرها تربويا في جعل المتعلم مركز العملية التربوية (قانون 2002)” … لنصل إلى ما تُعبّر عنه العامة و الخاصة بفساد المنظومة التربوية …

إن الخطاب الرسمي الأجوف كان يخفي ما قرّره ”مصلحون” ذوي رؤية واضحة لكن مخفية و رسموا لها سياسات بناءً على رؤيتهم التي ترمي أساسا إلى تغريب الشخصية التونسية و جنّدوا لها كل الطاقات المتوفرة و سخروها  للاهتمام بالتفاصيل و أبعدوها عن البحث في منهج التعليم نفسه حتى أصبح الكل يتخبط لإصلاح فرع ما هو فاسد الأصل .

لم تنجح ”الإصلاحات” السابقة إلا في إنتاج شخصيات مُنفصِمة لبعدها كل البعد عن الهوية الإسلامية للمجتمع و سوف لن نجد في ”الإصلاح” المرتقب حلولا جذرية إن هو واصل قمع الناس في هويتهم الحضارية و أصر على مواصلة إرساء منهج التغريب و التبعية للحضارة الغربية.

إن جميع ”الإصلاحات” تناقضت مع ما هو كامن في وجدان الأمة. و الإصلاح الحقيقي للمنظومة التربوية لا يكون إلا بتوخي سياسات ترمي إلى بناء شخصيات إسلامية متميزة و إلى حفظ ثقافة الأمة في صدور أبنائها و في سطور كتبها فتكون هذه الثقافة هي التي تصوغ عقلية الفرد و طريقة حكمه و تؤثر في سلوكه من جهة و تجعل منه فردا فاعلا منتجا للفكر و العلوم و التقنيات من جهة أخرى . و إن الحاضنة الوحيدة لهذه المنظومة هي دولة أساسها العقيدة الإسلامية دولة تعيد للأمة مجدها و عزتها و إشعاعها على الأمم و تحقق الغاية التي بعثت من أجلها في إرساء العدل بعدما تفشى الظلم و الفساد فتخرج الناس من الظلمات إلى النور و من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا و الآخرة.

بقلم مراد شيخاوي – ناشط سياسي –

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: