الاجهزة الامنية و “الجماعات الارهابية” ..بقلم : ماهر زيد

صرح الصحبي الجويني الاطار الامني و المستشار القانوني لاتحاد نقابات قوات الامن الداخلي اثناء عرضه لمشاهد إعدامات في سوريا بمناسبة ندوة صحفية نظمت في 14 ديسمبر 2013 ان الشخص الذي كان يقوم بتصوير تلك المشاهد الدموية هو مصدرهم داخل تلك “المجموعة الإرهابية التونسية” . إن هذا الإعترف الأول و الفريد من نوعه لوجود عملاء للداخلية التونسية داخل تلك المجموعات يمثل معطى نفيسا يتوجب الوقوف عنده طويلا . صحيح أن الساحة التونسية تعج بالجمعيات التي تقول إنها تعنى بالشأن الأمني و إصلاح المنظومة الأمنية ، إلا ان إعترافات من قبيل تلك التي أطلقها الصحبي الجويني لم تلقى الإهتمام المطلوب وهو ما يشكل ثغرة تستوجب هي الاخرى التساؤل عن اسباب وقوعها. اننا لو عدنا الى تفاصيل مداخلة الصحبي الجويني التي رافقت عرضه لمشاهد الاعدام الدموية لتأكد لنا إصراره على عدم إرفاق الفيديو بالصوت مبررا ذلك في أكثر من مناسبة ان ذلك الاجراء إنما الهدف منه سلامة مصدره داخل تلك المجموعة الارهابية التونسية كما يقول .و إن لم يكن التساؤل بتلك الاولوية القصوى مقارنة بما سياتي طرحه لاحقا الا انه لاباس من الاستفهام عن جدوى ارفاق الصوت بالصورة في الوقت الذي سيتعرف فيه افراد تلك المجموعة عن ملتقط ذلك الفيديو بطريقة او باخرى بعد مشاهدة الصحبي الجويني يعترف انه (او من وقف بجانبه وقتها) هو عميل للامن التونسي . و بعيدا عن ذلك التساؤل الذي يعالج مسألة إجرائية غاية في الاهمية و هي سلامة ذلك العميل الذي عرض الجويني بلا ادنى شك حياته للخطر ، فإن الاهم من ذلك بكثير هو التساؤل عن مشروعية تواجد عميل للامن التونسي على اراضي دولة ذات سيادة و هو بصدد المشاركة في ارتكاب اعمال اجرامية . لا شك ان النظام السوري لم يعد يسيطر على حدوده البرية مع جيرانه و حصل تسلل لالاف الاشخاص الذين قدموا من اغلب اصقاع العالم للمشاركة في قتال ذلك النظام تحت مسميات مختلفة ، لكن هل تسمح القوانين التونسية و الاعراف الدولية ان ترسل الاجهزة الامنية عددا من عملائها الى دولة اخرى ذات سيادة و المشاركة في ارتكاب فضاعات على اراضيها تحت مسمى “اختراق المجموعات الارهابية ” ؟ ثم انه و بدرجة اعلى من الاهمية ، ما هي حدود ذلك الاختراق لتلك المجموعات ؟ هل اقتصر دور العملاء على جلب المعلومة فحسب ام تعداه الى المشاركة في الجريمة و ربما توجيهها مكانا و توقيتا ؟ لقد فتح الصحبي الجويني قوسا لم يعد يملك وحده حق و لا امكانية غلقه بمفرده . فتلك التصريحات غاية في الاهمية و الخطورة ليس فقط بطرحها اشكالية سلامة العملاء الذين تعرضت حياتهم للخطر فحسب ، و انما اشكاليات اختراق (المجموعات الارهابية) و حدودها الاخلاقية و القانونية . لقد سبق و ان اكد صحفيون متخصصون منهم كاتب المقال (ماهر زيد) الى جانب محامين و مراقبين استئناسا بتجارب اخرى مقارنة للعنف السياسي ، ان هذه الجماعات الحديثة النشاة مخترقة حتى النخاع من جهات مختلفة لها مصالح سياسية في حصول و استمرار مسلسل الاعمال الارهابية داخل تونس اساسا و خارجها ايضا. غير ان عتراف الصحبي الجويني يعد الاول من نوعه لاطار امني بهذا المستوى الذي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك علاقة الاجهزة الامنية التونسية بتلك المجموعات و الذي حصره الجويني في كونه مصدرا للشريط فحسب . اي ضمانة يمكن ان تقدمها الداخلية للتونسيين ان عملاءها داخل تلك المجموعات لم يساهموا في حصول جرائم اثناء نشاطهم داخلها او تخطيطهم لحصولها ؟ و أي دور قد يكون هؤلاء لعبوه في عمليات الإغتيال التي هزت تونس سيما مقتل بلعيد و البراهمي ؟ ألا يأتي كلام الصحبي الجويني مصدقا لما قاله كاتب المقال في إحدى المشاركات الاعلامية من كون التحذير الامني الامريكي للداخلية التونسية عشرة ايام قبل اغتيال محمد البراهمي بكونه مستهدفا بالقتل انما مصدره (التحذير) عنصر بشري متواجد داخل تلك المجموعة المسلحة ؟اذ لا يمكن تخيل حصول الامريكيين على معطى الاغتيال من خلال العنصر التقني من قبيل اعتراض مكالمة هاتفية بين ارهابيين يناقشان عملية الاغتيال مع ذكر اسم الضحية عبر الهاتف . يبدو ان الجويني قد تساوت عنده الامور الان بعد إعلانه الحرب المفتوحة على “الارهاب” الذي يشارك فيه حسب قوله صحفيون و محامون و قضاة و صار يجاهر بوجود عملاء للداخلية داخل مجموعات العنف دون أن يعي خطورة وعواقب تلك التصريحات . و بما أن القوس الذي فتحه الصحبي سنبقيه مفتوحا و نحتفظ بحق و قوة غلقه متى شئنا ، فجدير إثراؤه بفرضية تورط جهاز أمن الدولة سابقا في تفجير معبد الغريبة سنة 2002 . فقد ظل الهمس مستمرا داخل الاوساط الامنية و الاعلامية المتخصصة عن طبيعة الدور الذي قد يكون المدير العام السابق للامن نبيل عبيد قد لعبه في تفجير معبد الغريبة اليهودي و تحميل “الجماعات الدينية المتطرفة” مسؤولية الاعتداء . غير أن حصولي على وثيقة خطتها يد احد افراد الامن الخارجي المتهم بالتجسس يهدد فيها رؤساءه بفضح دور نبيل عبيد في تفجير الغريبة

1555439_10201906302596754_1190777536_n

إن هم اصروا على ملاحقته قضائيا لتجسسه و عمله مع جهات خارجية على اختراق حركة النهضة و توريطها في جرائم ، فإن ذلك يدعم نظرية وجود تقاليد اختراق و توجيه عريقة داخل الاجهزة الامنية . إن هذه الوثيقة الخطية هي جزء من ملف متكامل يؤكد تورط ذلك الاطار السامي في الامن الخارجي سابقا في اعمال تجسس و تحضير مع قوى اجنبية من اجل اختراق حركة النهضة و توريط بعض منتسبيها في جرائم تدينها . و قد عمل المعني لفترة الى جانب نبيل عبيد صاحب ال 600 مكالمة هاتفية مع كمال اللطيف و رافقه في رحلاته الى معتقل غوانتانامو كما تؤكده بقية وثائق الملف و ذلك في اطار التنسيق مع الجانب الامريكي لاقتلاع اعترافات من المعتقلين هناك .و لا يخفى على احد الانباء المتواترة عن التعذيب الذي مارسته وفود المحققين العرب على المعتقلين هناك او الذين رحلوا سرا الى سجونها و ابتزاز بعضهم بعرض الافراج عنهم مقابل عملهم كجواسيس لدى دول بعينها . و بعد سرد هذه الوقائع التي تشكل قطعا جزءا من تجارب اختراق جماعات دينية المرجع و ارتكاب جرائم باسمها فإننا نعيد طرح اسئلتنا على الصحبي الجويني عن دور “عملائه” في جرائم الاغتيال و القتل التي حصلت في تونس . هل اقتصر دورهم على التصوير مثلما حصل في مقطع الفيديو الذي عرضه ؟ هل يملك الجويني الضمانة القانونية المكتوبة كون هذا النوع من العملاء لا يمكن لهم ان يكونوا شركاء في القتل او محرضين عليه اثناء نشاطهم داخل تلك الجماعات ؟ هل يسمح القانون و الاعراف بارسال عملاء الى دول اخرى و المشاركة في جرائم على اراضيها قصد اختراق منظمات ارهابية ؟ اسئلة ملحة غاية في الاهمية و الخطورة نتمنى على “النقابي” الامني الصحبي الجويني و سلطة اشرافه الاجابة عنها لطمأنة التونسيين . بقلم : ماهر زيد

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: