الاحتلال الناعم عبر البنك والصندوق.. (بقلم أحمد منصور)

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ظهرت الولايات المتحدة كقوة أولى قادرة على قيادة العالم سرعان ما تبلورت امامها القوة الثانية الاتحاد السوفياتي لكن قبل تبلور هذا الامر وفي نهاية الحرب مباشرة كانت الولايات المتحدة قد اعدت الادوات التي تستطيع من خلالها ان تسيطر و تهيمن على الدول من خلال المال والاقتصاد لاسيما الدول التي كانت عملية السيطرة عليها تقتضي ارسال جيوش جرارة واعلان الحروب، لذلك أسست وسيلتين للاحتلال الناعم لدول العالم الثالث هما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

الصندوق الذي أسس عام 1945 في الولايات المتحدة الاميركية بعد اجتماع 44 دولة في ولاية هامبشاير الاميركية في شهر يوليو عام 1944 لوضع اتقافية تاسيسه ظهر و كأنما هو مؤسسة مالية تخدم جميع الدول و تمنع الانهيارات المالية وتقوم على اقراض الدول الاعضاء التي تمر بمشكلات وتراقب التطورات والسياسات الاقتصادية والمالية في الدول الاعضاء لكنه تحول الى اداة احتلال عبر اجبار الدول الاعضاء الذين هم في حاجة للمال بالالتزام بسياسات الدول الكبرى المقرضة مع دفع فوائد عالية لا تتوافق احيانا مع قدرات الدول الفقيرة مما يدخل الدول في دوامة الديون و من ثم يصبح اول قرض من الصندوق هو المدخل للدخول في دوامة الديون ومن ثم دوامة فقدان القرار السيادي، لذلك لا نجد دولة نجحت في صناعة سياسة خارجية مستقلة الا بعد سدادها لمستحقات البنك و الصندوق و عدم وجود اية التزامات مالية عليها مثل تركيا ودول اميركا الجنوبية بل ان دول اميركا الجنوبية أسست صندوقا خاصا بها حتى تتجاوز الاهداف الاستعمارية لصندوق النقد والبنك الدوليين، غير ان دولا مثل مصر وتونس واليمن والسودان وغيرها ظلت غارقة في طلبات البنك والصندوق مع ان القروض التي سعت وراءها هي قروض قليلة مقارنة بالتنازلات الكبيرة المطلوب منها ان تؤديها.

و على سبيل المثال لا الحصر فقد بقيت حكومة الرئيس مرسي المنتخبة طيلة عام كامل تركض وراء الصندوق من اجل قرض مقداره اربعة مليارات دولار وكان البنك يصدر شروطا تعجيزية لها، وفي النهاية لم تحصل على شيء، أما تونس فقد اعلن الصندوق قبل ايام انه وافق على منحها 225 مليون دولار وهو مبلغ لا يسمن ولا يغني بالنسبة لحاجات تونس الملحة لسد العجز في ميزانياتها حتى تتمكن الحكومة المؤقتة من الخروج بالبلاد من الازمة الحالية حتى تجرى الانتخابات وتسلم السلطة لحكومة منتخبة.

لكن السياسة التي يتبعها صندوق النقد والبنك الدولي الذي أسس بعد الصندوق و يعتبر الصندوق مساهما فيه ليست سوى سياسة الاحتلال الاقتصادي و اجبار الدول على الالتزام بشروط المقرضين المجحفة التي احيانا ما تمس سيادة الدول واستقرارها بل تمس أرزاق الفقراء والمعدمين بالدرجة الاولى لانها تركز على رفع الدعم عن السلع وعلى رفع الاسعار وعلى الالتزام بسياسات غالبا ما تكون مجحفة، ولان الغرب نجح في دعم حكام ينفذون سياساته بشكل افضل من اقحام نفسه في حروب مباشرة فقد اصبحت ادوات الاحتلال و الاستعمار الجديدة تقوم بما يعجز السلاح والجيوش ان يقوم به، لذلك فان الاوضاع الاقتصادية المنهارة في دول الربيع العربي ربما تكون احد اسباب اجهاض الثورات في هذه الدول وتمكن الغرب من رقاب ابنائها عبر الفساد والافساد المالي وعبر ادوات الاحتلال المالية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الذي ستدفع الاجيال القادمة ثمنا باهظا بسبب عبث الانظمة القائمة بالمقدرات فكيف يمكن للثورات العربية ان تكافح الاحتلال الناعم لبلادها ؟

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: