الارهاب بين الفكر العقائدي والتوظيف السياسي :بقلم الاستاذ أنيس اللوز (باحث في علم اجتماع الأديان)

الارهاب بين الفكر العقائدي والتوظيف السياسي
بقلم الاستاذ أنيس اللوز (باحث في علم اجتماع الأديان)
1/المقاربة الجيوسياسية والابستمولوجية لمفهوم الارهاب:

أ‌- المقاربة الجيوسياسية
على إثر انهيار بالاتحاد السوفيتي، شهد المجتمع الدولي مجموعة من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك بتشكل أحادية قطبية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، مما أحدث عدة تغييرات في الدينامية السياسية …الدولية عموما، إثر تغير موازين القوى وأنواع التحالفات، وبروز تكتلات سياسية جديدة، كان لها تأثيرا على الخريطة الدولية، في منطقة الشرق الأوسط خصوصا، فقامت الآلة الدعائية الأمريكية ومنظريها ومخططيها، بإعادة صياغة العديد من المفاهيم من قبيل صدام الحضارات، الإرهاب، محور الشر … وتوظيفها سياسيا وإيديولوجيا لتكريس هيمنتها ووصايتها على منطقة الشرق الأوسط، بحكم موقعها الإستراتيجي ومن ثمة بقية بلدان العالم.
إن مفهوم الإرهاب من المفاهيم الأساسية التي وظفت في هدا السياق العام، وفي سياق الصراع العربي/الإسرائيلي، فهناك استعمالات متعددة ومتباينة لمفهوم الإرهاب، أضحت مجالا خصبا للعديد من النقاشات و الجدل الحاد بين علماء السياسة والسوسيولوجيين، ورجال القانون و الشريعة والإعلاميين فكل منهم يحاول أن يحدده انطلاقا من مرتكزاته المعرفية وآلياته المنهجية، ووفقا لرؤيته الخاصة التي تعكس طبيعة حقل المعاني والدلالات، والأفكار والقيم الذي ينهل منه، أو يتأثر به مما أفرز لنا تنوعا في الرؤى وتعددا في المقاربات، التي وإن ساهمت في تعقيد الموضوع، وزادت في غموضه فماهي اسباب غموضه وتعقيده؟

ب‌- المقاربة الابستمولوجية و غموض المفهوم
هناك عدة عوامل نظرية وعملية ساهمت في غموض المفهوم، وعدم وضوح المعاني والأفكار التي قد يتضمنها. فعلى المستوى النظري، يعزى غموض المفهوم في جزء منه، إلى تعدد وتنوع الحقول المعرفية التي تجعل منه موضوعا لاهتمامها، فهناك حقل العلوم الاجتماعية عبر اهتمام كل من العلوم السياسية (علم السياسة و العلاقات الدولية) وهناك علم الاجتماع باختصاصاته ذات العلاقة (سوسيولوجيا السياسية والثورة و العنف و علم النفس الاجتماعي ) والأنثربولوجيا وعلم النفس التحليلي وعلم نفس العدوان و وهناك علم الإجرام ثم فلسفة العنف وعلم الاخلاق وغيرها.. .
و الجانب التالي من نفس الإشكال هو اختلاف رؤى الباحثين وتصوراتهم، باختلاف المدارس التي ينضوون تحتها وباختلاف المقاربات المستعملة، وحسب كيفية فهم وتحليل كل منهم للمسألة، وهي مسألة يمكن أن تثري الموضوع وتعمل على تحديده، كما يمكن أن تفضي إلى الزيادة في توسيعه وتلبيسه .
أما على المستوى العملي، فهناك أولا التناقض والتباين في المصالح واختلاف الاستراتيجيات والرهانات، التي تعكس لنا بالنتيجة تناقضا في الرؤى والتصورات، حسب ميول وأهداف كل طرف على حدة، وهناك اختلاف المرجعيات الإيديولوجية والفكرية، التي تؤثر بدورها في كيفية النظر للعمل السياسي وتحدد نوعية الوسائل المستعملة فيه فما تراه حركة حماس مقاومة مشروعة تراه اسرائيل ارهابا، وهناك أخيرا استعمال مصطلح الإرهاب عن قصد في النزاعات السياسية بين الأقوياء وأصحاب النفوذ ومنافسيهم، للتضييق عليهم والحد من هامش المناورة لديهم، وربما محاولة استفزازهم للانقضاض عليهم واقتلاعهم واستئصالهم بطرق قانونية ومن بين العوائق المرتبطة بهذا المفهوم، والتي تصعب من إمكانية التوافق حوله على الصعيد الدولي، أنه أصبح يستعمل كمطية للهيمنة والتحكم في بعض المناطق الاستراتيجية، ضمن مجال الصرع الدولي، وهي مسألة سبق التطرق لها، والمشكل المطروح هو إلى أي مدى يتوفر هدا المفهوم على تصور علمي ؟
إن مفهوم الإرهاب مفهوم معقد، ويحتوي في ثناياه على اختلافات ووجهات نظر متباينة ومتناقضة كغيره من المفاهيم، إلا أن ما يميزه هو انفراده بالطابع المطلق والكمي لمن يوظفه والمسحة السياسية والمعيارية التي قد يغلف بها، كما أنه يحتوي على حمولات تضفي الشرعية على مستعمله، في الصراع بين الحكومات والقوى المعارضة لها، الرافضة لشرعيتها الحقيقية أو المزعومة على المستوى القطري، وكذلك بين الولايات المتحدة الأمريكية والبلدان المعارضة لسياساتها على الصعيد الدولي، وهنا تكمن خطورة المفهوم فهو سلاح ذو حدين، وهو ما حدا بنا إلى محاولة تحديده، وللتدليل العملي صعوبات ما يتضمنه هدا المفهوم، من تعقيدات نسوق الأمثلة التالية :
فالعمليات الإستشهادية التي يقوم بها الفدائيون الفلسطينيون، مثلا في شكل قنابل بشرية متفجرة، هي بالنسبة لنا كعرب ومسلمين، عمليات فدائية استشهادية مشروعة،لأنها تدافع عن غايات سياسية وإيديولوجية سامية ونبيلة، ألا وهي حق الشعب الفلسطيني في المقاومة والدفاع عن أرضه وبناء دولة مستقلة، أما بالنسبة لإسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية، فهي عمليات إرهابية إجرامية تصنف بناءا عل رؤية تنسجم مع إرادتهما في الهيمنة والتحكم ووفقا لمصالحهما، فتم وضع لائحة التنظيمات الشرعية كحماس وحزب الله و الجهاد الإسلامي والجناح العسكري لحركة فتح ضمن التنظيمات الإرهابية رغم مشاركة العديد من هذه القوى في اللعبة السياسية الرسمية بل إن حزب الله له مشاركة في الحكومة، فكيف يمكن حل هذا الإشكال أمام التباين المطلق في الرؤى واختلاف المصالح والبحث عن شرعية لتصفيتهم من الساحة.
ومن بين الصعوبات التي تواجهه هده المسألة هو تداخل كل من مفهومي الإرهاب والعنف السياسي، واكتسائهما لنفس الدلالة فيصبح الإرهاب هو العنف السياسي ويتماثل معه في الهدف والغاية، و قد يتمايزان في المضامين والقيم، فيصبح الإرهاب عملا مجرما وهمجيا مخالفا لقيم وأعراف المجتمعات ويجسد ممارسات همجية لا إنسانية، بينما يظل العنف السياسي مشروعا ومقبولا من طرف المجتمع، و مع ذلك يظل الأمر غير جلي، فالإرهاب كفعل يعتمد على العنف كوسيلة لتحقيق أهدافه ومبتغياته، فيضحي العنف مماثلا ومرادفا للإرهاب، كما أن العنف المشروع قد يتحول برهة إلى ممارسات إرهابية ذات طابع همجي، فكيف يمكن أن نحل هدا الإشكال، و ما هي التفسيرات الممكن تقديمها في هذا الصدد ؟
إن المسألة تعزى في جانب منها إلى استحالة تقنين مفهوم العنف الممارس نظرا لتعدد أنواعه، أو الاتفاق على الأماكن أو الجهات التي يمكن أن يمسها، كما هو الحال في الحروب. لماذا ؟
لأن الإرهاب يأخذ أشكالا متعددة سياسية مشروعة، فما يميز الدولة هو احتكارها لممارسة العنف المشروع المادي منه والرمزي وفقا للمنظور الفيبيري، وقد يتم الانتقال من ممارسة هذا النوع من العنف المشرع بالمحافظة على الاستقرار والأمن العام للمجتمع إلى سلوكات منحرفة تتم بكيفية همجية تدل على مرجعية ممارسه، ضمن أشكال تسلطية واستبدادية،كإبادة المعارضين وتصفيتهم جسديا، بدون الاحتكام إلى سلطة الحق والقانون، كما الحال في ظل الأنظمة الشمولية، أو قد يمارس كعنف سياسي من طرف تيارات مقيمة ومعارضة (الجماعات الإسلامية المعارضة في الجزائر مثلا)، وقد يأخذ أشكالا مؤسساتية ووفقا لخطط مدروسة ومنظمة، كإرهاب الدولة الذي تقوم به إسرائيل في حق الفلسطينيين العزل، أو الإرهاب الذي مارسته الولايات المتحدة الأمريكية، في غزوها للعراق وأفغانستان، والمشاركة في الإطاحة ببعض الأنظمة ووضع أخرى راضخة لها في مكانها، وقد يأخذ شكلا همجيا شنيعا، يقتل صاحبه و الضحايا الأبرياء الذين يكونون ضحية له، كما هو الحال من خلال تفجيرات الدار البيضاء الإرهابية، فالفعل السياسي العنيف قد يأخذ صبغة إرهابية وقد لا يأخذها حسب موقع الطرف المستعمل ضده، وسيظل يفسر أخلاقيا، فهو مشروع بالنسبة لمرتكبه، وهو إجرام وانتهاك للقانون وحقوق الإنسان المتعارف عليها عالميا بالنسبة للمتضرر منه، فتغدو مسألة كيفية التمييز واردة وبحدة، وهو ما يحيلنا على ضرورة إدراج المعايير التي قد تساعدنا على التمييز بين العمل الإرهابي المجرم والعمل الاحتجاجي المشروع.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: