الاضراب و الاساتذة الجامعيين : بين المنطوق و المسكوت عنه/د.شاكر الحوكي

صباح هذا اليوم ذهبت الى الجامعة لاباشر من جديد التدريس بعد عطلة مطولة، فما راعني الا ووجدت المكان خاليا من كل شيء ما عدى اعوان الادارة؛ فلا الاساتذة جاؤوا و لا الطلبة حضروا .
علمت فيما بعد ان الامر يتعلق “باضراب” بدعوة من النقابة العامة للتعليم العالي التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل.
لم يكن بوسعي حينئذ الا ان اتبع الاجراءات المعمول بها في مثل هذه الحالات و هي اعلام الادارة كتابيا و تحميل الطلبة المغيبين وحدهم المسؤولية كاملة في محاولة لتفادي اي اقتطاع من الاجر الشهري .
و المفارقة اني وجدت ان العديد من الزملاء قد سبقوني لهذا الاجراء . و لكن ما علاقة الطلبة بالاضراب؟ فلماذا يتغيبون و الحال ان عدد كبير من الاساتذة -كما تبين لي فيما بعد – قد جاؤوا فعلا و سجلو حضورهم؟؟؟؟؟
انه من المدهش فعلا ان الاساتذة المعنيين بالاضراب يحضرون و الطلبة غير المعنيين به يتغيبون ؟
الواقع ان هناك خلل ما هو سبب هذا الاظطراب و الارباك، ذلك ان اعلان الاضراب المعلن يفترض ان يوجه للاساتذة و ليس الطلبة غير ان ما قامت به نقابة التعليم العالي في حركة ماكرة و خبيثة هو نشر اعلان الاضراب و كأنه موجها الى الطلبة بتعليقه امام انظارهم في كل مداخل و اروقة الكلية و اينما ولو وجوههم.
مجموعة من الاسئلة تطرح نفسها بنفسها: اليس للاتحاد مكان مخصص له يعلق فيه اعلاناته و منشوراته بعيدا عن التاثير المقصود على الطلبة؟ لماذا لا يتم احترام قواعد النشر المألوفة و المتعارف عليها؟ اين هي سلطة الاشراف من ممارسة هذه الانحرافات؟ لفائدة من يتم تعطيل الدروس، و الحال ان جلّ الاساتذة او جزء منهم لن يحرموا من مستحقاتهم المالية بعد ان عبّروا للادارة عن حضورهم للتدريس محملين المسؤولية كاملة للطلبة؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

 

اصدار قانون للمبرزين بدون تشاور
-الانفراد بمقررات النقل
-تسميات حزبية في لجان الانتداب
-التراجع عن الاتفاقية المبرمة (منحة العودة الجامعية – تحفيز الجامعيين في المناطق الداخلية ، تجاهل قرارات المجالس العلمية في تاجيل التقاعد…).
هذه اسباب اضراب اليوم و دواعيه كما وردت في الاعلان الذي نشر في مختلف اروقة الكليات و المعاهد و علق على ابواب المداخل و على الحيطان. و توقف بسببها التدريس و طرحت بشانها التساؤلات و دارت حولها الحيرة :

فاما الانفراد بقرارت النقل فمعلوم لدى الجميع ان النقل تجرى على مستوى الجامعات و بعد موافقة عمداء و مديري الكليات و المعاهد العليا و ليس للوزارة دخل فيها و كل من خاض تجربة النقل من مؤسسة جامعية الى اخرى يدرك هذه الحقيقة . اما عن التسميات الحزبية في لجان الانتداب فذاك مثير للدهشة فعلا و الاستغراب: هل هذا يعني ان تعيين اعضاء لجان الانتدابات تتم من خارج الاطار الجامعي ؟ هل يتم تعيين اعضاء هذه اللجان دون اخذ بعين الاعتبار المعاير القانونية و الشروط العلمية الدقيقة و التي نعرف جميعا انها لا تجتمع في شخص واحد الا بشق الانفس ؟ هل بات مطلوبا من هذه اللجان ان تكون متكونة من التجمعيين و من لف لفهم كما كان يحدث سابقا ؟ هل المطلوب استبعاد من له انتماءات غير تجمعية او يسارية من التمثيل داخل لجان الانتداب ليحرم من هذا الحق قبل الثورة و بعدها ؟ هل ان الجامعة التونسية تحتوي اصلا على اسلاميين او نهضاوين حتى يلام على الوزارة بانها تقوم بتسميات على اساس الولاء الحزبي ؟ الم يقل ميشال كامو ابرز المختصين في الشان التونسي منذ الاستقلال بان الجامعة التونسة تخلو عموما من الاسلاميين و انها في قبضة اليسارين و التجمعيين و الفرانكفونيين ؟.
ناتي الى النقطة الموالية و هي مربط الفرس و المتعلقة “بالفلوس”. فاما منحة العودة الجامعية و التي تقدر براتب شهري و هو مطلب لعمري محق و لكن ماهو المقابل؟ وعلى اي اساس طرح هذا المطلب ؟ من يدلني على ذلك؟ . أيكون مقابل الراحة المطولة التي يتمتع بها الاستاذ طوال 3 اشهر و احيانا اكثر ؟ هل هو مقابل الدروس العظيمة التي يعمل الاستاذ على تحينها سنويا و تجديدها ؟ هل هو مقابل البحوث الدورية و المستمرة التي يقدمها لقائدة الجامعات و الطلبة ؟ هل لان الجامعات التونسية ما انفكت تتقدم في الترتيب الدولي لافضل الجامعات في العالم ؟ هل هو مقابل المستوى الفكري المميز الذي بات عليه الطلبة في تونس ؟ اريد ان اعرف في مقابل ماذا يتم المطالبة بالمنحة الجامعية و اغلب الاساتذة مشغولين بمشاغلهم المهنية الخاصة بالتدريس في الجامعات الخاصة و العامة و امتهان المحاماة ، و المحاسبات و الاستشارات و الاعمال . ساقولها بصراحة: عندما يخصص الاستاذ الجامعي كل وقته للطلبة و الجامعة و ينكب على البحث الجدي و الحقيقي و ينخرط في ميدان النشر العلمي و المعرفي عندها فقط بوسعي ان اتفهم المطالبة بمنحة العودة الجامعية .
اما عن عن تحفييز الجامعيين في المناطق الداخلية فهذا ما لم اقدر على استيعابه : هل المطلوب من الوزير ان يقدم يوميا للمدرسين في المناطق الداخلية تحية صباحية كل يوم ليحفزهم على العمل ؟ ام المطلوب خلق حالة من اللامساوة في الاجور بحيث يكون هناك راتب خاص بالاساتذة الذين يعملون في المناطق الداخلية و الجنوب و اخر خاص بالمناطق الساحلية و العاصمة؟ ثم لماذا لا يتحمل المدرس مسؤوليته و هو من اختار من تلقاء نفسه ان يذهب و يدرس في الجهات و ابدى موافقته مسبقا ؟ هل يجب ان نذكر بان الخطط الوظيفية معلومة مسبقا و ان العمل بالجامعات محددا مسبقا و ان قرار التعيين مضبوط بنتائج مناظرات الانتداب؟ تبقى النقطة الاخيرة الواردة في الاعلان و المتعلقة بتجاهل قرارات المجالس العلمية في تاجيل التقاعد. و هي نقطة تدعو للاشمئزاز فعلا و الوقوف عندها طويلا ذلك ان المطلوب و باختصار شديد اذا ما صح فهمي المتواضع هو ان يواصل الاستاذ في التعليم الجامعي الى سن السبعين و ذلك على حساب الجيل الجديد و الشباب الصاعد . اساتذتنا المحترمين يبدو انهم لا يملون من “العطاء”. فبعد ان احتلوا المدارج و احتكروا عرض المحاضرات طوال 35 السنة الماضية يريدون ان يزيدو 10 سنوات اخرى .
هذه الحقيقة المرة من وراء مطلب النقابة العامة للتعليم الجامعي و ما ظل تحت السطور و خلف النوايا يبقى اعظم .

الدكتور شاكر الحوكي استاذ القانون الدستوري بجامعة تونس

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: