2012-634869773532188987-218_res0ized copie

“البرلمان الجديد بين الاستحالة و العبث ” .. بقلم الناشط السياسي فراس العيني

 

بدأت معالم المشهد السياسي الجديد تتضح أكثر فأكثر و بدأ غبار الانتخابات ينجلي عن طبيعة المرحلة السياسية القادمة خاصة حين متابعة الجلسة الأولى للبرلمان الجديد و ما أحاط بها، جلسة مطولة و ممددة، تنيخ الرحال لتوافقات و صفقات تبدد الآمال و تحطم الطموحات و تكسر خواطر المنتخبين سواء كانوا من هذا الحزب أو ذاك.
حين النظر للأمور من منظور الأصل و الأساس يرى المرء جسامة المسؤولية و عظمة التكاليف وثقل الأمانة التي يحملها نائب عن الشعب في مجلس نواب الشعب فينكب الاهتمام مباشرة على رسم التصورات و يتجه الجهد رأسا نحو إعداد البرنامج الذي يحتوي المرحلة و يستجيب لمتطلباتها و في مستوى مقتضياتها، البرنامج الذي يكون حقيقة وفيا لتطلعات شعب يتابع الأمور بعين الرقيب، لا يصمت ولا يعيى من المساءلة و المحاسبة  و إن بدت عليه علامات الإحباط و الاستياء.
و لكن كم هي غارقة في الاستثناءات وضعية تونس السياسية و كم هي مبنية على الإكراهات و حالات الطوارئ.
فقد شاهد الجميع الجلسة الأولى للبرلمان الجديد التي امتدت على يومين و كيف يتم تقسيم الكعكة حتى في فتاتها و فضلاتها (النائب الأول و النائب الثاني لرئيس البرلمان)  بطريقة مبتذلة أسقطت كل أوراق التوت عن مشهد سياسي لا حديث فيه إلاّ عن التوافقات و تقسيم السلطة، فيه من النفاق ما لو كان له رائحة لأزكم الأنوف، فالمعادلة العددية لمقاعد البرلمان تسمح لكثير من الأحزاب أن يكون لكلمتها وزن فأسالت لعابهم و سياسة التوافقات تزيد الوضع هشاشة من خلال السعي لترضية جميع الأطراف.
و حين توسيع مجال المتابعة ليشمل الصحافة المكتوبة و المسموعة و المرئية تجدها غارقة في نفس المستنقع بل تمارس هوايتها المفضلة في تهويل مشاهد التكالب على السلطة تصورها و تعلق عليها كمباراة لكرة القدم و تمارس هواية تقزيم القضايا المفصلية و المواضيع الأساسية فلا وجود لتلك الصحافة التي تكون العين الصادقة التي يبصر بها هذا الشعب واقعه و أحواله و لا وجود لأولئك الصحفيين الذين يزيلون الأتربة عما يتم تغييبه من مواضيع و قضايا.
و من أهم الأمور التي لا حديث عنها و لا من يثيرها و لا من يحرك تجاهها ساكنا هي المهام التشريعية للبرلمان الجديد التي هي سبب وجوده و علّة تشكّله و من جملة هذه المهام مناقشة قانون المالية لسنة 2015 خاصة و أن الآجال القصوى لمناقشته قد اقتربت، و لكن “جماعة تحت القبة” لا زالوا يتغنون بانتصاراتهم و يعيشون غمرة أفراحهم بمقاعدهم و يجرون وراء قطعة من قطع السلطة التي يتم تقسيمها .
و من أهم مهام هذا المجلس إعادة النظر في جل المجلات القانونية التي يشملها التعديل بما يقتضيه الدستور الجديد بل إن هنالك من المجلات القانونية ما سيتم العمل على إعادة صياغتها و إدخال إصلاحات جذرية فيها و كما هو معلوم بداهة أن هذه المجلات تكاد ترتقي في أهميتها إلى الدستور و تتجاوزه تأثيرا على الحياة العامة من كونها القوانين التي تنظم بصفة مباشرة القطاعات و المجالات التي تشملها، كما أن حالة جميع القطاعات و المؤسسات و ما تشهده من جمود و حالة فوضى هو راجع بالأساس لحالة الانتظار عما سيصوغه هذا المجلس من إصلاحات و تعديلات على المجلات القانونية على ضوء الدستور الجديد: فمجلة العقود و الالتزامات تنتظر تنقيحات و تعديلات هامة و المجلة الشغلية تنتظر إصلاحات جذرية لضبط أوضاع العمال و الأجراء في المؤسسات العمومية و الخاصة و مجلة المحروقات تحيط بها قضايا حارقة و ملفات عالقة في أمور النفط و الغاز و مجلة الاستثمارات التي ستضبط كل ما بنته الحكومات المتعاقبة من صروح الأوهام فيما يتعلق بالاستثمارات الأجنبية… و الأمثلة عديدة مما  لا تجد له اهتمام و نقاش على الصعيدين السياسي و الإعلامي.
في الحقيقة كل هذا السكوت و الانحراف التام عما هو مطلوب و منتظر من أحزاب تتبوأ مقاعد مجلس نواب الشعب صار معهودا و مألوفا فقد عشنا مثيله مع المجلس التأسيسي حين سكت دهرا عن الدستور و صياغته و تصورات الأحزاب له و من ثم و في وضعية إرهابية مستعجلة في سيارة إسعاف سياسية تمت الصياغة و المصادقة على الدستور بنسق و وتيرة قرينة الحال فيها تفيد التزام الصمت و الامتناع عن أي نوع من أنواع النقاش أو المحاسبة و نظرا لما تحمله هذه المجلات القانونية من أهمية فإن من وقف وراء الوضعية  و الكيفية التي صيغ بها الدستور سيعيد الكرة حين مناقشة هذه المجلات، و من ناحية أخرى فإن غياب التصورات لدى الأحزاب عن كل ما هو مهام تشريعية للمجلس و اجتناب النقاش فيه و إثارته في العلن سيكون رهين مساومات و توافقات بين الكتل النيابية أما من سيخرج عن السرب و يسير عكس التيار فإن السكتة القلبية له بالمرصاد خاصة إذا ما تعلق الأمر بملفات حساسة كالمحرقات و عقودها كما سيكون نوح فيلدمان جديد موجودا ليساعد لجان البرلمان الجديد على إتمام مهامهم بما يرضي الغرب و أباطرة رؤوس الأموال.
حالة الغموض يتم نسجها و افتعالها مع سبق الإصرار و الترصد حتى يكون المتنفذون و رجال الظل بمعزل عن الناس و بعيدين عن الأضواء و تكون تدخلاتهم الرشيقة في مفاصل الأمور سهلة و ناجعة و بدون خسائر كما أن صناعة الفوضى السياسية و سهولة جر الأحزاب و من ورائهم الإعلام لمعارك وهمية لتشغل حيزا كبيرا من الاهتمام لدى الرأي العام مسألة فيها تخطيط و تدبير و مما يزيد الطين بلة أن هذه الفخاخ المنصوبة مزيّنة بحلّي السلطة المزعومة مما يسهل على الأحزاب الطامعة و الطامحة الوقوع فيها، لذلك وجب التنبيه لكل غافل و الاستعداد لكل متربص.

بقلم فراس العيني  – ناشط سياسي –

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: