البِـــــــذرة الـــــــــــــــــزُّؤام (بقلم رضا العجيمي)

تونس دولة معظم سكانها تنحدر أصولهم من قبائل عربية مسلمة، قدمت من شبه جزيرة العرب إبان الفتوحات الإسلامية وتوالت بعدها لقرون عدة. والتونسيون بحكم الاستعمار يجيدون اللغة الفرنسية، لكن الغريب اعتمادها كلغة رسمية لتدريس المواد العلمية الأساسية والقانونية والفكرية والثقافية في كامل مراحل التعليم والتكوين المهني، واستخدامها في المعاملات اليومية المصرفية والصحية والخدماتية…إلخ، حتى بات التونسي لا يجيد التعبير عن نفسه بطلاقة إلا بها. أما لغتنا العربية الأم فركنت وأضحت ثانوية، إذ يعتبرها العلمانيون لغة خشبية لم تعد تواكب العصر حسب زعمهم، على عكس بقية شعوب العالم التي تجيد استخدام العديد من اللغات لكنها تقدس لغتها الأم أساس التخاطب والتعليم والمعاملات لديهم.

[ads1]

 هذا التفسخ للمجتمع التونسي هو نتاج سياسة ممنهجة لدكتاتور أخرق كذّب وتولّى واستكبر وقال: “أنا متعلم أحمل شهادات من جامعات فرنسية فكيف آخذ بأقوال رجل أميّ رعي الأغنام في الصحراء” فكنّى نفسه بالمجاهد الأكبر، وجعل لنفسه مدائح وأذكارا وتوجيهات مقدسة تبث يوميا على الهواء صباحا ومساء. بذرة الزؤام بورقيبة، اعتبر أفكاره الداعية إلى اعتماد الحضارة الفرنسية بكل مكوناتها السلبية قبل الإيجابية من قبيل العبقرية والذكاء الخارق، معتبرا أن الشعب التونسي رجعي ومتخلف بفعل الديانة الإسلامية!؟ فنفذ سياسة تغريب تدريجية تعتمد في المقام الأول استئصال الإسلام عبر تجفيف منابعه، فأغلق الجامعة الزيتونية التي تأسست سنة 116ه وكانت منارة إسلامية ساطعة وأولى الأكاديميات العلمية البارزة في العالم، وفرض تعليم علماني بحت يعتمد في مجمله اللغة الفرنسية، وهيمن على المساجد بعد حرمانها من أوقافها مأتى دعمها المالي الذي يبقيها حرة، وقزم الأئمة والوعاظ، وجرّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأسقط قوامة الرجل، وأباح الفحشاء والمنكر وحرم الطيبات. فأعماه خلط غروره عن حقيقة أن العبقرية استمرار وهمزة وصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، وأن ألمع ومضات الإبداع تحمل بين طياتها كل الذين سلفوا، وأن التطور ليس تفسخ المجتمع وانحلاله، وإنما استخلاص إيجابيات الماضي لتدعيم بُنَى الحاضر، ومن ثم تطويره عبر الاستفادة من الإنجازات العلمية الحديثة للأمم الأخرى، دون مساس بالضوابط الدينية والأخلاقية واللغوية الثابتة.

الحضارة الإسلامية في أوجها غيرت وجه العالم جذريا وأخرجته من الظلمات إلى النور، والغرب نهلوا منها الكثير فكانت سبب ما هم عليه اليوم من تقدم ورقي، وهي ما انتهت، ولا يمكن أن تنتهي، لأنها نتاج تجربة إنسانية طويلة وعميقة أساسها دستور عظيم جامع وشامل منزّل من لدن رب العالمين ألا وهو القرآن الكريم. وحين نرد الأفكار إلى أصولها لا نجردها من حداثتها وإنما نرفع عنها الالتباس الذي انتابها ولا يزال، ورجوع المرء لأصله لا يعني رجعية بل فضيلة واعتزاز بالانتساب، فعقيدتنا الإسلامية عظيمة وليس فيها ما يشوبها لنخجل منه. أما الظلاميون فهم أولئك الذين استبدلوا لغتهم، وتنكروا لأصلهم، وتبرؤوا من دينهم، وتجردوا من ضمائرهم وأخلاقهم، ليرتموا في أحضان “علمانية” غربية جوفاء، لا هوية لها ولا ديانة ولا ضوابط ولا أخلاق، مثلهم كمثل شجرة ليس لها جذور في الأرض ولا في السماء !. فلم يعد لهؤلاء انتماء يستدلون به عن أنفسهم، ولا إيمان يربطهم بخالقهم، ولا أخلاق تنير لهم درب الحياة.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: