التاريخ لا يرحم أبدا( بقلم الدكتور محمد ضيف الله )

المتخصصون في التاريخ المعاصر -وحتى غيرهم- يعرفون جيدا أنه توجد في الأرشيفات وثائق من كل نوع وصنف ومنها ما خُتِم عليه بالأحمر بعبارة “سري مطلق” أو “سري للغاية”. ولكنها تحولت مع الزمن من تلك الدائرة التي أنشأتها في السرية إلى يدي المؤرخ لكتابة التاريخ الذي لم يطلع على جوانب منه معاصرو الأحداث ممن كانوا بعيدين عن دوائر القرار. يحضرني هذا وأنا أرى ناسا يعتبرون أنفسهم من النخبة لا يعرفون هذا أو لا يهمهم هذا، وفي الحالتين هم عندي بصدد إعطاء صورة عنهم قد لا يرتضونها لأنفسهم في مجلدات التاريخ، مقابل فطور مثلا، أو البقاء في السلطة أشهرا أو سنوات، أو مقابل أموال أو حتى لا شيء، وهذا يحدث أيضا. مساكين فعلا!

الذين جلسوا مع الأمريكان، والذين جلسوا مع الفرنسيس، أو غيرهم، سواء هنا في تونس في جلسات سرية أو معلن عنها أو علنية، في سفارة أو مكتب مغلق أو التقوهم في حفل استقبال، أو وقفوا معهم أو جمعتهم هناك في أمريكا أو فرنسا أو ألمانيا أو لست أدري، جلسات خاصة أو رأس رأس أو موسعة، الأكيد عندي أن كل ما قالوه، وكل ما همسوا به، وكل ما سمعوه، وكل ما اقترح عليهم، وكل ما قبلوه، وكل موافقاتهم، وكل مواقفهم، وحتى قسمات وجوههم.. مسجلة عليهم. على الورق أكيد وحرفا حرفا، وبالصوت والصورة أيضا.

هذا من العمل الروتيني الذي تقوم به السفارات والوزارات والإدارات والمخابرات وسائر المؤسسات في الدول المتقدمة، وبهذه الطريقة تنشأ الأرشيفات ويحفظ التاريخ سجلاته وملفاتهم، ثم سيفتح ذلك أمام مؤرخي المستقبل، ومن خلال هذه المناجم من المعلومات يتولى المؤرخون كتابة التاريخ. هذا أكيد، فالأرشيفات التي تتضمن ما قاله السياسيون والحقوقيون والمثقفون والنقابيون وسائر قادة المجتمع المدني وغيرهم، سيقع الكشف عنها ذات يوم، وتصبح متاحة للأجيال القادمة، في شكل كتب أو أشرطة وثائقية أو غيرها، بحيث سوف يطلع عليها أتباعهم وأحفادهم ومواطنوهم وسائر الناس. وهذا سوف يتم قبل يوم القيامة بطبيعة الحال، بحيث يحل أجل ذلك قانونيا في سنوات معدودة ومعروفة سلفا، وإن كانت تختلف من بلد إلى آخر من تلك البلدان، عشرون عاما أو ثلاثون أو أكثر، وربما أقل من ذلك بكثير، ونتذكر هنا وثائق ويكيليكس، وفطور السفير الأمريكي مع صخر الماطري في الحمامات، بحيث سنكتشف تقارير مشابهة ربما عن كل ما فعله القومُ وما قالوه وما قبلوا به وما اقترحوه، وما نالوه بصفة مباشرة أو غير مباشرة من مقابل مادي أو معنوي أو حتى مجانا.

ربما يُحسن البعضُ الظنَّ بالسياسيين أو النقابيين أو الحقوقيين أو المثقفين المعنيين هنا بتلك اللقاءات والجلسات والخلوات، إلا أن تكتّم هؤلاء عما يدور فيها لا يخدمهم في رأيي، بحيث أعتقد أن أدوارهم في الغالب مشبوهة، وسيتضح ذلك -كما قلت- في سنوات معدودة طبقا للقانون الذي يحدد آجال إتاحة الوثائق. وهو ككل قانون لا يحمي المغفلين، خاصة إن كانوا سياسيين، مثلما أن التاريخ لا يرحم. وما يظلم ربك أحدا.

محمد ضيف الله

متخصص في التاريخ المعاصر والراهن

المروج، 11 جويلية 2014 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: