التاريخ لا يعيد نفسه الا في شكل مهزلة… فلنوقف المهزلة (سامي براهم)

نفس المعركة القديمة بمخزونها النفسي و الشعبي المكبوت طيلة عقود و بنفس فاعليها القدامى و بمظالمها التي حركتها التصريحات و التصريحات المضادّة و أخرجتها من صمت التاريخ ، قضى فيها المئات من التونسيين نحبهم و اغتيل زعيمهم و انتصرت إرادة أحد طرفي الصّراع ممّا أفضى إلى إخماد ما اعتبره فتنة بعقوبة جماعية لانصار خصمه و حرمان جهات من التنمية و المرافق ،
نفس المفردات و أجواء التعبئة تعاد اليوم ، و لعلّ من مصادفات التاريخ أنّ الاستقطاب الانتخابي حاصل بين أحد أصحاب القرار و التنفيذ في ذلك الزمن من جهة و بين أحد أبناء من استهدفهتهم قرارات القتل و التهجير و الحصار في تلك الفترة العصيبة من تاريخ تونس ممّا أعاد ذاكرة الكثير ممّن عايشوا تلك الفترة لذلك الزمن في إسقاط نفسي عجيب يوحي أنّ الزّمن عاد أدراجه إلى الوراء و أنّ مكبوت العنف من جهة و مكبوت المظلوميّة لا يزال حيّا في اللاوعي الجمعي لفئات واسعة من التونسيين ،
بفعل كلّ تلك المعاني الحافة و رغم المسافة الزمنيّة تتحوَّل منافسة انتخابية تنظم في سياقات راهنة الى إطار لحسم معركة تاريخيّة قديمة ، إمّا بالانتصار لضحاياها بانتصار أحد المرشحين ، أو بطمس معالمها و قطع مسار العدالة الانتقالية الذي ينصف ضحاياها بانتصار المرشح الآخر ،
معركة قديمة لم تعالج و بقيت مخلفاتها ، مات بعض لاعبيها من الجلادين و الضحايا ، و بقي بعضهم على قيد الحياة ، و ها هي تستعاد اليوم علو نحو إسقاطي عجيب ،
لعلّها سخرية الأقدار و تراجيديا التاريخ على نحو أوديبي مرعب
تنشيط ذاكرة التاريخ و استعادة نشر الآلام و فتح الجراحات القديمة لا يجب أن يحجب عنا رهانات الحاضر و استحقاقاته و سياقاته ،
الحاضر ليس دائماً مجالا لاستعادة المنظومات السياسية و الثقافية القديمة و ليس كذلك فضاء للثارات القديمة مهما كانت المظالم ،
فلتكن انتخابات نزيهة شفافة ديمقراطية يمارس فيها الناخبون مواطنتهم بشرف في كنف السلوك المدني الحضاري و ليحرسوا صناديقهم و أصواتهم و ليحموا إرادة الناخبين في سياق الحسّ الوطني المتجرّد من كلّ ترسّبات الماضي
التاريخ لا يعيد نفسه الا في شكل مهزلة ، فلنوقف المهزلة

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: