image

“التدريب”منهج إسلامي بامتياز

“التدريب”منهج إسلامي بامتياز

 

عزيزي القارىء

العالم المتقدم مادياً يسعى بقوة للوصول إلى المثال المطلوب في كل جوانب الحضارة المادية، ويبذل بسخاء في سبيل هذا الأمر، ومن أهم الوسائل التي تصل بالمجتمع إلى إتقان الحضارة واستيعابها : “التدريب” الذي يشكل مدخلاً رئيساً إلى تحسين إمكاناتنا الحالية، وتحسين أدائنا، وهو الوسيلة الفعالة في بلوغ الأهداف التي نرسمها.

ومن المُجمَع عليه الآن أن ما يتعلمه المرء وما يكتسبه من مهارات أهم بكثير مما ورثه عن آبائه من ذكاء وألمعية، فالتقدم العلمي الهائل وما أفرزه من وضعيات واعتبارات مختلفة جعل كل ما هو فطري ضئيلاً وقليل الجدوى في التعامل مع الأشياء والنظم المعقدة…

ماذا لو لم نتدرب ؟

لو لم نتدرب على أعمالنا – كلٌ في تخصصه – سنظل نعمل بالحد الأدنى من إمكانياتنا.. إنّ المعلومات التي كانت بحوزة المدرس أو الموظف أو العامل قبل الانخراط في العمل تتآكل مع مرور الأيام، فيضيق نطاق المعرفة لديه، ويحتفظ بالحد الأدنى الذي يساعده على أداء مهمته على نحو قاصر أو شبه مقبول، بينما نجد أن تفعيل برامج التدريب – على كافة مستويات العمل – يُشعر المتدرب باكتساب معلومات ومهارات وطرق جديدة لا عهد له بها، وأن بإمكانه أن ينعش معلومات ومعارفَ ذبلت…والأهم أنه يوصله لدرجة الإتقان والتميز في أداء الأعمال.

الإسلام يعتمد منهجية “التدريب”

لتاريخنا الإسلامي العظيم دور كبير في إرساء دعائم ومفاهيم التدريب، ونقصد ذلك التدريب الجاد، الساعي نحو الإصلاح، متناغماً مع الإرادة القوية والنية الحسنة، وذلك عن طريق صور شتى ومظاهر متنوعة تمثلت ابتداءًا في شخص النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم، ففي تلك الحقبة الزمنية شهد العالم نور الإسلام المتوج بهدي القرآن الكريم والسنة المطهرة، وباستقراء سريع لتلك المرحلة يتضح لنا مجموعة من المعالم التي يمكن إسقاطها على مفهوم التدريب وما يتعلق به من مباحث من أبرزها ما يلي:-

– تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه – كباراً وصغاراً، نساءاً ورجالاً – على مراقبة الله تعالى في أداء الأعمال وإتقانها، وصولاً إلى مرتبة الإحسان، عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :”إِنّ اللَّهَ تَعَالى يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ ” – رواه البيهقي –

– حرص الآباء والأمهات على تربية أبنائهم وتنشأتهم على معالم الرجولة لهذا كانوا يرسلونهم إلى مظان ذلك من مواطن البادية والتي فيها يتعلم الطفل الصغير ويتدرب على كثير من المهارات؛ ولهذا اشتهر في تلك الفترة فنون الرماية والسباحة وركوب الخيل والمصارعة وسبق الأرجل ، وكان السلف رضوان الله عليهم يوصون بتدريب الصبيان على تلك الفنون، فهذا عمر رضي الله عنه يقول ( علموا أولادكم الرمي )، وكتب رضي الله عنه إلى أهل الشام (أن علموا أولادكم السباحة والرمي والفروسية ) وكل هذا لا يتأتي إلا عن تدريب وتمرين .

ومن أبرز مجالات التدريب في المنهج الإسلامي:

– التدريب علي مواجهة المواقف الحرجة: وهناك طريقتان, الأولي هي اجتماع مجموعة من الأشخاص ثم يكلف بعضهم بعضا بمواقف محرجة صعبة كأن يتحدث في موضوع ما أو يلقي خطبة كخطبة الجمعة أو يعد رسالة معينة ثم يقوم الآخرين بالنقد وتبيان الأخطاء وبتكرار هذه الطريقة مرات يكون أفراد المجموعة قد حصل لديهم تدريب كاف علي مواجهة المواقف الصعبة, أما الطريقة الثانية فهي أن يعد المتدرب نفسه منفردا بقراءة تجارب من سبقه الإطلاع علي خبراتهم وان يفكر فيما يمكن أن يقابله أو يفاجئه ثم يعد نفسه علي كيفية التصرف ومواجهة مثل هذه المواقف.

– التدريب علي الإلقاء وقد وضع المؤلف صورة وخطة مقترحة للتدريب علي الإلقاء والخطابة وتتلخص في أنه لابد أولا من الإلمام بقواعد النحو الأساسية, واجتماع عدد محدود من الأعضاء ويكون رئيسهم هو أفضلهم حديثا ثم يعهد إليهم بتحضير موضوعات معينة ليقوموا بإلقائها أمام بعضهم البعض ثم يطلب منهم نقد الموضوع وطريقة الإلقاء نقدا شاملا من جميع الجوانب وعندما يتأكد من إتقانهم لهذا الأمر ينتقل بهم إلي مرحلة أعلي وهي أن يطلب منهم إلقاء موضوعات لم يقوموا بتحضيرها ثم بعد ذلك يطلب منهم فجأة إلقاء خطبة الجمعة ثم يقوموا بنقد بعضهم البعض وأثناء هذا التدريب يتعهدهم المسؤول بما ينفعهم من مقالات وكتب, أما الشخص المنفرد فيمكنه تحضير الخطبة ثم يتخيل نفسه واقفا أمام الناس ويبدأ في الإلقاء ويكرر ذلك مرارا حتى يعتاد عليها.

– التدريب علي الاستفادة من الإنترنت, وأول ذلك معرفة مميزات شبكة الإنترنت وأهميتها في العمل, ثم معرفة كيفية الدخول إلي شبكة الإنترنت, وما هي أهم المصطلحات المتعلقة بالإنترنت وأهم البرامج التي يحتاجها مستخدمه, ثم معرفة طرق الاستفادة منها كمصدر للمعلومات حيث يذخر بكتب وموسوعات شتي كثيرة جدا، والمشاركة في ساحات الحوار لنشر الفكر والوعي الإسلامي, وتصحيح الصورة المغلوطة لدى الغرب عن الإسلام والمسلمين.

– التدريب علي الاستفادة من الأوقات, ومن ذلك الاستفادة من الوقت الضائع المهدر عن طريق تحديد وقت معين يوميا وليكن ساعة لإنجاز أمر ما ولا يتم التنازل عنها أبدا، وتحديد وقت معين يوميا للحفظ والمراجعة والكتابة وغير ذلك, وكذلك الاستفادة من الهاتف في قضاء الأمور التي يمكن قضاؤها به.

– التدريب علي التخلص من المصطلحات السلبية:

تنتشر في حياة الكثيرين بعض المصطلحات التي لها تأثير سلبي كبير وله دلالات محبطة ومثبطة للهمم, وهي تخالف الجد والحزم الذي كان يتصف به الصحابة ومن تبعهم, والناجحون من بعدهم، وبالتدريب ومعرفة كيف كان يتعامل الصحابة والتابعين والسلف الصالح رضوان الله عليهم نستطيع التخلص من هذه المصطلحات, ومنها (سأحاول فعل كذا وكذا يوماً ما) فيجب أن نستبدله بمقولة (سأنجز كذا وكذا إن شاء الله تعالي أو شئ نحوها), ومنها مقولة (أنت السبب) وهي تعني إلقاء المسؤولية علي الغير والتهرب من تبعاتها وهذا ما يخالف سير الأولين علاوة علي طبيعة النفس البشرية التي تتسم بالنقص والعجز, ومنها مقولة (هذا الأمر صعب) والأفضل أن يقول (هذا الأمر ممكن بعون الله), ومنها مقولة (أنا أعرف تماماً ما يجري حولي ومطلع عليه) وهو يورث الغرور أو الغفلة ويجعل هناك سدا بينه وبين الناس وعليه أن يتدرب علي قبول النصيحة والاستماع لرأي الغير.

7. التدريب علي انتهاز الفرص:

الشرط لانتهاز الفرصة أن يدرك المرء أنها فرصة, والقاريء للتاريخ يتعرف على مجموعة من الفرص التي انتهزها النبي صلي الله عليه وسلم والصحابة الكرام والسلف الصالح والأمراء المجاهدين ويراجع نتائجها العظيمة, ويقدم لنا الخبراء مقترحا لانتهاز الفرص يبدأ بإحسان تتبع وقراءة الأخبار من المصادر الموثوقة, ثم تحليل هذه الأخبار وقراءتها دون إفراط أو تفريط, ثم توسيع الأفق بكثرة الإطلاع والرحلات ومصاحبة أهل العلم والخبرة, ثم بناء علاقات طيبة خاصة مع الوجهاء والمقدمين, ثم الإقدام والعزم وقراءة تاريخ من انتهزوا الفرص وآثار ذلك, ثم استشارة أهل الخبرة والرأي فما ندم من استخار، وما خاب من استشار

– التدريب علي المحاسبة والمساءلة والتقويم: لابد من إعمال مبدأ المساءلة والمحاسبة وإلا تدهور العمل وقل العطاء والعكس صحيح, وقد أمرنا الله تعالي بذلك وكذلك النبي وأصحابه وضربوا لنا أروع الأمثلة في ذلك، وأصبح لدينا أهم القواعد العامة للمحاسبة والمساءلة ومنها إنشاء نظام التقويم مع وجود المصارحة بالأخطاء، والقوة في النقد دون إخلال بالأدب، والشمول في التقويم فلا يترك صغيرة ولا كبيرة, والتذكير الدائم بأهمية العمل, وصقل العاملين وتدريبهم.

– التدريب علي الإخشيشان والإقلال من المباحات:

إن من شكر النعم أن نأخذ منها بقدر وألا نغرق فيها فننسي معانيها وتفضي بنا إلي الكسل, ومن أهمية التدريب على الإخشيشان إعداد النفس للجهاد ولما ينزل بها من البلاء فإنه لا يجاهد ولا يقدر علي مواجهة البلاء من يغرق في المباحات ولم يعتد علي شظف العيش, ومن صور التدريب علي الإخشيشان الإكثار من الصيام والإقلال من الطعام والشراب في بعض المواسم ومنع النفس من استيفاء مرغوباتها ومشتهياتها دائماً وقراءة سير أهل الزهد, مع الحذر من شطحات المتصوفة التي تخالف تعاليم ديننا الحنيف.

وأخيرا أعزائي القراء..

إن لم ينتهج المسلم التدريب طريقاً لإتقان كل عمل يقوم به؛ فسيجد أنه على مرور الأيام والزمان قد ترهلت أفكاره، وهزلت حركته، وتَفُهَت أهدافه، وصار ما يأتي به قديماً لا قيمة له تقريباً، وذلك أنه يجتر أفكاره ومشاريعه التي مضى عليها زمان طويل، ولم تَطُلْلها يد التغيير والإصلاح والتقويم..فإلى التدريب قدماً إن شاء الله.

مفكرة الإسلام

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: