الخميني

التشابه بين هرتزل والخميني / بقلم أ.د. محمد أمحزون


هناك أخلاق وصفات متأصلة في نفوس اليهود والشيعة توارثوها جيلاً بعد جيل، حتى صارت جزءاً من صميم طبيعتهم وكيانهم، منها:

الغاية عند ساستهم وزعمائهم تبرر الوسيلة غير المشروعة.

التآمر والكيد.

الفسق والفجور واتباع الشهوات.

موالاة الكفار ونصرة الباطل على الحق.

لا عهد لهم ولا ذمة؛ بنقضهم العهود والمواثيق.

الجرأة على الكذب واستعمال التقية في حال الاستضعاف.

التلاعب في دين الله وتحريف الكلم عن مواضعه.

العلو في الأرض والتجبر وشدة الفساد عند التمكين.

الظلم الشنيع والصد عن سبيل الله تعالى بالتضليل الفكري والبدع العقدية والإفساد السلوكي باستخدام المغريات والشهوات وأساليب الفتنة.

عقيدة اليهود في المسيح المنتظر:

من أهم العقائد اليهودية عقيدة الماشيح، وهو عندهم ملك من نسل داود سيأتي في آخر الزمان ليجمع شتات اليهود المنفيين، ويعود بهم إلى الأرض المقدسة، ويحطم أعداء إسرائيل، ويتخذ أورشليم (القدس) عاصمة له[1].

وقد أضعفت عقيدة الماشيح من انتماء اليهود لأي أرض، لأن انتظار الماشيح عندهم يلغي الإحساس بالانتماء السياسي والجغرافي.

ولأجل ذلك يرى منظرو وزعماء التيار اليهودي الأرثوذكسي (التقليدي) أن سعي الصهيونية لدمج اليهود في دولة وتحديثهم مسألة تكاد تكون مستحيلة أو على الأقل لابد أن تأخذ شكلاً مغايراً يحتفظ بالانعزالية اليهودية التقليدية القديمة. ولأجل ذلك فإن حاخامات اليهود وزعماءهم أمثال موشيه هاليفى ورفائيل هرش وزكريا فرانكل عارضوا الأنشطة الصهيونية، وقد جاء في الخطاب الذي بعثه الحاخام موشيه هاليفي في عام 1895م إلى كبير حاخامات القدس يعقوب شاؤول: «أود أن أخبرك أنه أصبح من المحظور الاشتراك في صحيفة هتسفيراه، خاصة أنها تنشر مقالات كثيرة عن الصهيونية التي نعارضها جميعاً»[2].

فاليهود الأرثوذكس (التقليديون) كانوا يعتقدون أن مخلصاً أو مسيحاً فقط يستطيع أن يعيد فلسطين والقدس إليهم. وبناء على هذا فإنّ هرتزل الذي عيّن نفسه في هذا المنصب المقدس ما هو في نظرهم إلا محتال. فهو لا يتدخل في مشيئة الله تعالى فحسب، بل إنه يعد اليهود بشيء لا يمكن – وهو المخلوق – أن يحققه[3].

أما الإصلاحيون اليهود فلم يكن رأيهم بالحركة الصهيونية إيجابياً تماماً. فقد كانوا في غرب أوربا لا يعتقدون أن اليهود شعب بل دين، وكانوا يعتقدون كذلك أنهم بدل الهجرة إلى فلسطين على أمل تشكيل دولتهم الخاصة بهم عليهم أن يستوعبوا الحضارات التي يعيشون بين ظهرانيها. وكانوا يخشون في حالة نجاح هرتزل في إقناع الأتراك العثمانيين بإقامة كيان يهودي في فلسطين أن يتعرض موقعهم للتهديد عبر موجة جديدة من الاضطهاد[4].

تمكن هرتزل من تحويل التطلع الديني

الماشيحاني إلى برنامج سياسي:

لكن برغم معارضة اليهود التقليديين والإصلاحيين للصهيونية فقد استطاعت الأيديولوجية الصهيونية أن تتحول من مجرد فكرة إلى حقيقة وحركة سياسية، أخذت تطالب بإعادة توطين اليهود في فلسطين (أرض الميعاد) كوسيلة لحلّ المسألة اليهودية، واستطاعت أن تحول التطلع الديني الماشيحاني التقليدي إلى برنامج سياسي محدد.

على أنّ الصهيونية تحولت إلى حركة سياسية منظمة واعية بالضغوط والضوابط الدولية على يد تيودور هرتزل المفكر اليهودي والسياسي الانتهازي الذي اكتشف حقيقة بدهية، وهي أنه لتهجير يهود العالم إلى فلسطين لابد من الحصول على ترخيص دولي بذلك، مع ضمان دعم إحدى الدول الكبرى.

وقد بدأ هرتزل في تنظيم الجمعيات الصهيونية المختلفة في شرق أوربا، وتوجه إلى أثرياء اليهود في الغرب (روتشيلد وغيره)، ثم دعا لعقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا في عام 1897م. واستطاع بعد جهود مضنية ومساع حثيثة وانتهازية سياسية أن يرتقي بالحركة الصهيونية إلى عنصر فاعل في العلاقات الدولية بعد أن كانت الجمعيات والمنظمات اليهودية عبارة عن مجاميع مفككة غير متجانسة لا رصيد لها في الواقع الإقليمي والدولي.

وفي عام 1917م أصدرت الحكومة الإنجليزية وعد بلفور، الذي استمرت الحركة الصهيونية على إثره في المناورة السياسية والنشاط الدبلوماسي خارج فلسطين، وفي النشاط الاستيطاني داخلها، إلى أن أنشئت الدولة الصهيونية في عام 1948م[5].

عقيدة الشيعة الإثنى عشرية في الإمام الغائب المنتظر:

يعتقد الشيعة الإثنى عشرية أن الولاية العامة على المسلمين منوطة بإمامهم المنتظر وهو محمد بن الحسن العسكري، الإمام الثاني عشر المعصوم في نظرهم، والذي دخل مخبأه في سرداب بـ«ِسُرَّى مَنْ رَأَى» في عام 256هـ[6]. ويعتقدون أنه حين يخرج من مخبئه سوف يلي الخلافة، وهو المهدي المنتظر الذي سيقتل كل مخالف، ويقتل ذراري قتلة الحسين بفعال آبائهم، ويستأصل أعداءه، ولا يقبل منهم الجزية، ويسير في العرب بما في الجفر الأحمر، وهو قتلهم وذبحهم[7]. ولذلك عاش أتباع المذهب الإثنى عشري الشيعي وهم ينتظرون خروج الإمام الغائب صاحب الزمان ليلي الولاية العامة التي تشمل السياسة وإقامة الدولة، ويقوم بتنفيذ المهام المذكورة آنفاً. ويعتبرون خلفاء المسلمين وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون أنهم غصبوا الخلافة، واستولوا على سلطان إمامهم المهدي الذي يدعون الله تعالى في كل لحظة أن يعجل فرجه ليقيم دولتهم.

وفي هذا السياق يقول مرجعهم عبد الهادي الفضلي: «إن دولة المنتظر هي دولة الإسلام»[8]. ثم قال: «إن علينا أن نعيش في فترة الغيبة مترقبين لليوم الموعود الذي يبدأ الإمام المنتظر عليه السلام…»[9].

الخميني ينسخ عقيدة المهدي المنتظر:

بولاية الفقيه

وعندما وصل الخميني إلى حكم إيران بعد سقوط الشاه، بمباركة الغرب الصليبي الذي عقد العزم على توظيفه لمواجهة المد السني في العالم الإسلامي، أخذ ينادي بأن للفقيه الشيعي جميع ما للإمام الغائب من الوظائف والصلاحيات في مجال الحكم والسياسة. وفي كتابه الحكومة الإسلامية نادى بضرورة إقامة دولة برئاسة نائب الإمام لتطبق المذهب الشيعي، فقال: «قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضى المصلحة قدوم الإمام المنتظر في طول هذه المدة المديدة. هل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل الناس من خلالها ما يشاؤون؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟»[10]. ثم يضيف قائلاً: «إذن فإن كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية فهو ينكر ضرورة تنفيذ أحكام الإسلام، ويدعو إلى تعطيلها وتجميدها، وهو ينكر بالتالي شمول وخلود الدين الإسلامي الحنيف»[11]. وبعد هذه المقدمة انتقل إلى تقرير النتيجة التي يريدها بقوله: «إن معظم فقهائنا في هذا العصر تتوفر فيهم الخصائص التي تؤهلهم للنيابة عن الإمام المعصوم»[12]. وهو يقصد بطبيعة الحال نفسه.

على أن ولاية الفقيه على هذه الشاكلة هي في واقع الأمر ادعاء للمهدية بطريقة براجماتية نفعية فيها دهاء، حيث وضع الخميني نفسه موضع الإمام الغائب المعصوم والذي تخلع عليه كتب الشيعة ومصنفاتهم صفات أسطورية، استغلها هو لتمرير أفكار ومقررات لا يجرؤ أحد أن يناقشه فيها أو يعترض عليها، وباسم النيابة عن الإمام المعصوم، امتص الخميني وزمرته عرق الكادحين وجهد العاملين من عوام الشيعة فيما يسمى «بخمس أهل البيت»، الذي يأخذونه باسم النيابة عن الإمام.

وفي الختام، الأدهى والخطير في الأمر هو بدء الخميني ومن جاء بعده ولاية الفقيه بمشروعهم الصفوي الدموي الذي مارسوا عبره مجازرهم الرهيبة خارج إيران، حيث استباحوا الأموال والفروج والدماء في بلدان العراق وسوريا واليمن، وسعوا لزعزعة الأمن ونشر الفوضى في بلدان أخرى وهي البحرين والكويت ولبنان. فالمجازر التي كان في الماضي ينفذها الصليبيون والصهاينة أوكل النظام الدولي الجديد أمرها إلى الرافضة المنافقين الذين والوا الكفار ونسقوا معهم في حرب المسلمين السنة لمنع قيام أي كيان سني يحكم بالشريعة الإسلامية.
[1] عبد الوهاب المسيري: الأيديولوجية الصهيونية، 1/46.

[2] صموئيل أتينجر: اليهود في البلدان الإسلامية (1850-1890)، ص 228.

[3] بلند كمال أوك: الحركة الصهيونية ووزارة الخارجية العثمانية في عهد عبد الحميد الثاني، ص 8.

[4] المرجع السابق نفسه، ص 8.

[5] عبد الوهاب المسيري: الأيديولوجية الصهيونية، 1/199.

[6] محمد نعيم ساعي: القانون في عقائد الفرق والمذاهب الإسلامية، ص 340.

[7] المجلسي: بحار الأنوار، 52/313، 318، 349.

[8] عبد الهادي الفضلي: في انتظار الإمام، ص 57.

[9] المرجع السابق نفسه، ص 67.

[10] الخميني: الحكومة الإسلامية، ص 26.

[11] المصدر السابق نفسه، ص 26-27.

[12] الخميني، عقائد الإمامية، ص 57.

قناة البرهان الفضائية

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: