التعداد السكّاني الأخير: أرقام و دلالات .. بقلم شهيد بالحاج

أعلن المعهد الوطني للإحصاء عن نتائج التعداد السكاني الاخير في البلاد لسنة   2014 و بقراءة سريعة في بعض الارقام المنشورة تتجلّى لنا بعض الحقائق الناتجة عن السياسات المطبّقة في البلاد و مدى ما خلّفته من آثار مجتمعيّة خطيرة.

نمو سكّاني بطيء و شبح التهرّم السكاني يتحوّل الى واقع:

 

بلغ سكّان تونس التعداد السكاني لسنة 2014 و الذي شمل التونسيين و الاجانب المقيمين لأكثر من 6 أشهر في تونس 10 ملايين و 982 ألف و754 ساكن مقابل 9 ملايين و 910 ألف و 900 ساكن سنة 2004 اي بزيادة تتجاوز المليون بقليل في غضون 10 سنوات اي في حوالي 100 الف ساكن كلّ عام و بالتالي بانّ معدّل النمو لم يتجاوز 1.03 في المائة و هي وتيرة متدنيّة جدّا و هي احد ى نتائج سياسة تحديد النسل الشبه القسري التي انتهجتها الدولة في تونس و خاصة في العهد البورقيبي و التي لازت آثارها الى اليوم هذا بدون اعتبار المقيميين في تونس لأكثر من 6 أشهر فمثلا اعلن وزير الخارجية المنجي الحامدي في مارس المنصرم انّ عدد الليبيين المقيمين بتونس بلغ المليون و 900 الف ليبي و لو اعتبرنا انّ نصفهم فقط قد قضّى اكثر من 6 اشهر اي انّه وقع احصاؤه فيمن تم احصاؤهم فسنجد انفسهم امام نمو يجاوز الصفر بقليل و هذا خطر عظيم يهدّد النمو الطبيعي لأهل تونس و هذا اهلاك للنسل و لاستمراريّته و هو احد اكبر دلائل فشل السياسة السابقة المتبّعة و التي أرادت محاكاة النموذج الغربي و خاصة الفرنسي فما حققت فرنسا من تخفيض لمعدّل النمو الطبيعي في قرون حققّه حكام تونس المضبوعون بالثقافة الغربيّة في عقود..

في مقابل تباطىء النمو الطبيعي اي قلّة الانجاب بل و قلّة الزواج في تونس الذي صار معضلة أمام الشباب في تونس بسبب غلاء المعيشة و البطالة التي تأكل فئة الشباب التي بلغت في الربع الأول لسنة 2014 بأكثر من 15.2 في المائة و بالنسبة لحاملي الشهائد العليا بأكثر من من 31.4 في المائة ( نشرية التشغيل و البطالة لمعهد الاحصاء الوطني للثلاثي الأول لسنة 2014)

في مقابل هذا التباطىء فانّ نسبة الشيوخ اي الفئة الهرمة في تصاعد مطّرد  في تونس فمن 5 في المائة في الثمانينات الى اكثر من 15 في المائة في آخر احصاء و هو ما سبق ان حذّرت منه حتى جهات دولية تونس من أنّ الهرم السكاني فيها يتّجه نحو الانقلاب و عليه فانّ الفئة غير المنتجة اي الهرمة قد تفوق و او تساوي نسبة الفئة المنتجة و بالتالي قد نشهد انفجار اجتماعي خاصة في ما يهمّ التقاعد و الحيطة الاجتماعية و الضمان الاجتماعي الذي تشهد مؤسساته الافلاس حاليا فما بالنا مستقبلا..
لنجد أنفسنا من جديد امام سياسة اقتصادية فاشلة الدافع الوحيد في تطبيقها هو ان المستعمر السابق فرنسا تطبّق هذا النظام للتقاعد و الحيطة الاجتماعيّة  و هي تحاول اصلاحه بعد او وقفت على فشله و عجزه و دليل فوق آلاف الأدلّة على أنّ حكامنا يتبّعون خطى الغرب شبرا بشبر و ذراعا بذراع..

واقع اجتماعي ينذر بكارثة:

من أرقام الاحصاء الأخير في تونس أنّ نسبة النساء تجاوزت الرّجال لأول مرّة حيث بلغت نسبة الإناث 50.2 في المائة و نسبة الذكور 49.8 في المائة و هذه الأرقام اذا ربطناها بأرقام و مؤشّرات أخرى على غرار نسبة الخصوبة المنخفضة أقل من طفلين للمرأة الواحدة و نسبة العنوسة التي تحوم حول 60 اي مليونين و ربع مليون امرأة ( ديوان الاسرة و العمران البشري) في المائة في تونس و تأخر سنّ الزواج فهي في حدود 29-30 سنة بالنسبة للفتاة و اكثر من 35 سنة بالنسبة للرجل نجد أنفسنا أمام الآتي:
-توقف تجديد النسل في تونس بين سنة 2035-2040 اذا تواصلت هذه المعدلات بهذه الوتيرة.

-ارتفاع نسبة الانحراف و العلاقات خارج اطار الزواج و بالتالي نسبة الاطفال فاقدي السند و معها نسبة الاجهاض.

-خلل في اليد العاملة التي ستصبح النساء فيها اكثر من الرجال و قد اصبحت فعلا و عليه خلل اسري خاصة في مستوى الانفاق و ما يترتبّ عليه من اشكاليات قد تؤدي الى الطلاق أو استحالة تكوين اسرة خاصة مع نسب البطالة المرتفعة..

-هدر طاقات شبابية هائلة كان يمكن ان تستفيد منها البلاد.

-خلق مشاكل نفسيّة و اضطراب على مستوى السلوك لأكبر شريحة في الشعب الا وهي الشباب.

أزمة السكن:

رغم انخفاض معدلات النمو و الزواج و التي من المفروض ان تسهّل على الدولة حلّ مشكلة السكن لهذا الشعب الثابت ( الذي لم ينمو) الاّ ان الاحصاء الاخير لا يخبّر عن ذلك حيث بلغ عدد المساكن في تونس 3 ملايين و 289 الف مقابل 2 مليون و 500 الف مسكن سنة 2004 اي ان عدد المساكن الجديدة حوالي 700 الف مسكن في  10 سنوات في طول البلاد و عرضها و هو رقم ضعيف جدّا..

حيث انّ نسبة التونسيين بدون مسكن سنة 2008 بلغت 23 في المائة اي حوالي ربع السكان رغم انه في هذه السنة قد تم  انتهاء من تشييد اكثر من 100 الف مسكن الا انها ظلّت مغلقة حيث بسبب عدم القدرة على اقتناءها ( سنة 2008)  و من مفارقات 2014 انّ هناك ما اكثر من 400 الف شقّة شاغرة بينما ظلّت نسبة السكان بدون مسكن ثابتة و السبب ارتفاع الأسعار المشطّ و من آثار هذه الكارثة السكنية انّ 900 الف اسرة تونسية تعاني من التداين المفرّط بسبب قروض السكن حيث شبّه رئيس منظّمة الدفاع عن المستهلك وضعهم بالانتحاري…

و من احد اسباب تفاقم الوضع السكني للعائلات التونسية هو فشل السياسات العقاريّة التي صاغت الدول على طيلة عقود و عقمها الشديد في ايجاد حلول حيث ارتفعت اسعار العقارات مثلا في السنوات الاخيرة بأكثر من 30 في المائة.

و ازمة السكن اذا ربطت بغلاء المعيشة و ارتفاع أسعار مواد البناء خاصة بعد رفع الدعم عنها مؤخرّا في اطار السمع و الطاعة الذي تمارسه الحكومة لإملاءات الصندوق و البنك الدوليين لا يلوح لها حلّ في الأفق بل الارجح مزيد من التفاقم…

 

هذا غيض من فيض و قراءة عاجلة و سريعة في بعض الارقام التي تنطق بفشل المنظومة التي سيّرت و تسيّر البلاد و هي المنظومة العلمانية المقيتة في اركّ صورها المقلّدة عن الغرب و التي لم تجن على الناس الاّ وبالا و خبالا و قد اهلكت حرثهم و نسلهم و خرّبت عقولهم و نفوسهم و خلقت بدل الازمة أزمات و بدل المرض أمراضا  تدفع من خلالها الناس الى العيش في الشقاء ,حقّ فيها و في اصحابها الذين تولوا حكم البلاد و لا يزالون منذ ما يناهز ال60 عاما قول الله تعالى ” وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ” . 

وجب علينا التحرّر نهائيا من هذه السياسات و من الفكر المنبثقة عنه و بأقصى سرعة ممكنة و ان نستبدلها بالأحكام الشرعية الاسلامية التي وفرّت و توفرّ العيش الهنيء و الطمأنينة الدائمة و تخرجنا من حياة الضنك و السوء قال تعالى “و من أعرض عن ذكري فانّ له معيشة ضنكا”.

شهيد بالحاج

– جريدة التحرير –

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: