التعذيب في تونس وعودة شروط الإنفجار/ بقلم محمد هنيد

التعذيب في تونس وعودة شروط الإنفجار/ بقلم محمد هنيد

 

في تقرير سيقدم خلال هذا الشهر إلى لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة، قدمت منظمة العفو الدولية وصفا مخجلا لأوضاع حقوق الإنسان ما بعد الثورة في تونس، ونبّهت إلى عودة الأساليب الوحشية في التعامل مع السجناء والموقوفين بشكل عام والتي تعتبر تقليدا راسخا من تقاليد أنظمة الموت في التعامل مع الإنسان العربي.

رصَد التقرير معطيين أساسيين في الإجمال؛ يتمثل الأول في تواتر الانتهاكات الجسدية والمعنوية التي تمارسها القوى الأمنية في حق المواطنين، وهي انتهاكات تصل إلى حدود التنكيل الجسدي والاغتصاب والتهديد به واللجوء إلى أكثر أساليب التعذيب وحشية مع الموقوفين مثل الضرب المبرح وتقنية الإيهام بالغرق وغيرها من الممارسات التي تحفظها الذاكرة عن جيش رعاة البقر في معتقلات “أبو غريب” بالعراق.

أما المعطى الثاني وهو الأخطر فيتمثل في صمت الدولة المريب حيال هذه الانتهاكات التي صارت معلومة للجميع، وهو ما قد يفضح تواطؤا رسميا في نفس الانتهاكات أو مشاركة فيها من قبل الأجهزة الرسمية للدولة.

التقرير الدولي ليس جديدا ولا يحتوى إلا على معطيات يعرفها القاصي والداني في تونس، وخاصة ممن خبروا توحّش بعض الوحدات الأمنية في التعامل مع المدنيين من الضعفاء والأبرياء الموقفين أو المشتبه بهم، حيث يطبّق قانون الغاب على الضعيف المسالم في حين لا يطال المتنفذين وأفراد العصابات وكبار المجرمين.

هذه الخاصية في تعامل الإنسان العربي مع أخيه العربي هي في الحقيقة خيط جامع لسلوكات مزارع الموت العربية، وهي ثقافة أمنية عربية بامتياز رُبّيَ الفرد فيها على التنكيل بالآخر وإهانته ودوس كرامته والحط من شرفه وإنسانيته.

صار الأمن والشرطة والحرس وحتى الجيش في بعض الدول العربية مرادفا لصيقا لمعنى التعذيب والتسلط والتجبر والنهب وإهانة الإنسان، فلم تعد هذه القوّة التي خُلقت من أجل أن يحس الإنسان بالأمان وأن تعمل على احترام القانون والمؤسسات بل صارت في حالات كثيرة رديفا للعنف والرعب وعنوانا بارزا من عناوين إرهاب الدولة.

فبن علي هو الوكيل الاستعماري الثاني، ومن قبله بورقيبة الوكيل الاستعماري الأول، إنما حكما تونس بالحديد والنار وبالأذرع الأمنية الضاربة وبزنازين التعذيب التي تملأ أرجاء الوطن من شماله إلى جنوبه.

ليس للمواطن البسيط قيمة تُذكر في تونس ولا يزال الإنسان الذي طالب عبر شعارات ثورة الغضب الخالدة ثورة 17 ديسمبر 2010 بالكرامة وبالحرية يشهد يوميا كل أنواع الاحتقار والإهانة من طرف كل أجهزة الدولة.

الهجرة والانتحار والتطرف والإرهاب والانحراف وغيرها من السلوكات غير السويّة ليست في جوهرها إلا ردود أفعال مرَضية على إهانة الدولة للإنسان ولكرامته، فالإهانة الجسدية وانتهاك أعراض الناس والدوس على كرامتهم هي أخطر أنواع السموم التي يمكن أن تنتشر في مجتمع ما فتُعِدَّه من حيث لا يعلم للانفجار وتزرع فيه روح الانتقام وروح النقمة التي نراها تفتك بكثير من المجتمعات العربية في اليمن وسوريا والعراق ولبنان … .

الإرهاب المسكوت عنه في إعلام العار التونسي والعربي – الذي لا يعزف غير ما يطيب للعم سام من الألحان والمواويل – لا يتطرق إطلاقا إلى ملف التعذيب والانتهاكات داخل السجون وداخل زنزانات الايقاف والتحقيق وهي زنزانات تتحول معها سجون أوروبا وأمريكا نزلا ذوات خمسة نجوم.

التعذيب في “الدول المتحضرة” أو التي تحترم شعوبها خط أحمرُ إلا في حالات انفلات نادرة لكنه في الدولة العربية الرسمية ثقافة اجتماعية وسياسية تعكس ما وصل إليه السلوك الجمعي من انحطاط وتردٍّ مخترقا بذلك قيما عربية وإسلامية راسخة جرّمت الاعتداء على حرمة الذات البشرية.

لكن لمّا كان جوهر السعي لدى الإنسان نزوعا فطريا لا يلين إلى الحرية بما هي شرط أساسي من شروط كرامة الانسان؛ فإن كل ممارسات الدولة القمعية وكل انتهاكات حق الإنسان العربي في الكرامة وفي الأمن والسلم الاجتماعي تمثل استعادة لشروط الانفجار الكبير وتجدد الثورات، بما هي الوجه الأبرز والشكل الأجلى للمطالبة بما به يكون الانسان إنسانا.

بناء عليه، فإن كل مظاهر العنف والقمع الممارس على الشعوب العربية أفرادا أو جماعات ما هي إلا منشطات ومحفزات ستعجّل بسقوط الأنظمة القمعية وستدفع بالإنسان وبوعيه الجمعي إلى مزيد إدراك توحّش الدولة الاستبدادية وانعدام آدميتها، كما ثبت جليا وبالبراهين عبر الدرس السوري العظيم.

عربى21

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: