التوتّـر التونسـي اللّيبـي.. (مقال/ الكاتب و الإعلامي محمد كريشان)

الأمور ليست على ما يرام بين تونس وليبيا هذه الأيام، على أكثر من صعيد وبين أكثر من طرف:
– إحتجاز 170 تونسيا يعملون في ليبيا من قبل كتيبة المدفعية والصواريخ التابعة لقوات «فجر ليبيا» ردا على اعتقال وليد الكليبي أحد قياداييها في مطار تونسي، فضلا عن أنباء عن ملاحقات وحملات ضد عمال تونسيين في طرابلس.
– تصريحات موتورة من عمر قويري وزير الإعلام في حكومة طبرق لم يكتف فيها بالتهجم على الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي بسبب استقباله للشيخ علي الصلابي أحد الرموز المحسوبة على «فجر ليبيا» بل دعا كلا من السعودية والإمارات إلى التدخل في تونس لإعادة «بوصلتها إلى الاتجاه الصحيح بعيدا عن هيمنة تركيا».
– استمرار الغموض والحيرة بخصوص مصير الصحافيين التونسيين سفيان الشورابي ونذير القطاري المختطفين في ليبيا منذ أكثر من تسعة أشهر من قبل «تنظيم الدولة الإسلامية» مع اعترافات لموقوفين هناك أنهم قاموا بقتلهما دون أن يرقى ذلك إلى التأكد النهائي من حدوثه.

تأتي هذه التطورات على خلفية الانقسام السياسي والأمني في ليبيا بين حكومتين وبرلمانين يتنازعان الشرعية ويستقوي كل منهما بأطراف إقليمية معينة، وفي ظل وضع تونسي داخلي ما زال يتسم بالهشاشة رغم انتهاء المرحلة الانتقالية. العلاقة الوثيقة بين تونس وليبيا مثال حي لعلاقة تاريخية متشابكة تمتزج فيها المصالح المتبادلة بنقاط القلق العديدة.

تونس بالنسبة إلى الليبيين، وخاصة في غرب البلاد، هي المتنفس والمنفذ الأساسي إلى العالم، إستقر فيها منذ الإطاحة بالقذافي زهاء المليون ويتردد عليها باستمرار نصف هذا العدد للتداوي والتجارة وغير ذلك. أما ليبيا فهي بالنسبة للتونسيين، ولا سيما في جنوب البلاد، مورد الرزق الأساسي منذ عقود ليس فقط بالتجارة في المواد الغذائية والوقود وبقية المستلزمات الأخرى بل مؤخرا بشبكات تهريب كبرى انتعشت في ظل عدم الاستقرار السياسي في كلا البلدين بحيث صارت مركز ثقل قادر على التهدئة والتوتير. وكما كانت تونس ما بعد بن علي حذرة للغاية إبان المواجهات بين القذافي والثائرين ضده، لم تجد اليوم بدا كذلك من أن تكون أكثر حذرا بعد ما انقسم الحكم في ليبيا منذ الصيف الماضي إلى شطرين متنازعين سياسيا وعسكريا، لذلك لم تبد تعاطفا أو تأييدا لأي منهما كما لم تسع إلى أي قطيعة مع أي منهما.

اللافت هنا أن حكومة طرابلس تبدو أكثر تفهما من حكومة طبرق لدقة الموقف التونسي، ففي الوقت الذي لم تصدر فيه من مسؤولي الأولى أي تصريحات منتقدة أو عدائية لم يتردد بعض مسؤولي الثانية، لا سيما وزير الإعلام، في الخروج بكل ما هو غريب ومستهجن حتى لكأنه ينتمي إلى «المدرسة القذافية» الشهيرة. كمثال على ذلك، لم يملك رئيس حكومة طرابلس خليفة غويل بعد أن زار تونس في أبريل/ نيسان الماضي والتقى برئيسها ورئيس حكومتها سوى أن يقول إن التعامل التونسي «الحذر» في الملف الليبي يأتي «لإرضاء الطرفين» وهو «موقف يعبر عن توحيد صف الشعب والتراب الليبيين». أما عمر قويري، وزير الإعلام إياه، (بالمناسبة هو نفسه من قال مؤخرا بأنه سيقترح على نظرائه العرب في اجتماعهم المقبل فكرة إنشاء قوة إعلامية عربية مشتركة) فقد صرح في أعقاب تصريح لوزير الخارجية التونسي في فبراير/ شباط الماضي بأن بلاده سيكون لها تمثيل لدى الحكومتين (وهو بالمناسبة كذلك تصريح كان يمكن صياغته بطريقة أخرى تفيد بأن لتونس مكاتب تمثيلية قديمة أصلا في كل من طرابلس وبنغازي) بأن ليبيا بدورها ستكون على «الحياد» بين «حكومة قصر قرطاج وحكومة إمارة جبل الشعانبي» في إشارة إلى التنظيمات التكفيرية المسلحة المتحصنة في ذلك الجبل بولاية القصرين على الحدود التونسية الجزائرية.

الجيد هنا أن تونس الرسمية لم تنجر إلى مساجلات مع هذا الوزير غريب الأطوار بل اكتفت بتصريح للناطق باسم رئاسة الجمهورية قبل يومين بخصوص التهجم الشخصي على قائد السبسي بأن قويري «شخص غير مسؤول وتونس لا ترد عليه» وأن تونس «لا تنتظر مواقف منه بل من الحكومة الليبية» مع تأكيد بأن تصريحاته السابقة وقع «التبرؤ» منها من قبل حكومة طبرق. المهم الآن أن على تونس الشعبية أن تكون بدورها رصينة في التطرق إلى الشأن الليبي، خاصة وأن للأمر مضاعفات أمنية دائمة داخل تونس وبين التونسيين في ليبيا، مع الحرص خاصة على تجنب الانخراط في مهاترات مسيئة للشعبين حتى نجتاز هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها ليبيا. باختصار شديد، مطلوب من الإعلام والسياسيين التونسيين بعض الرصانة الكبيرة التي يتعاملون بها دائما كل ما تعلق الأمر بأي شيء له علاقة بالجارة الغربية… الجزائر.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: