salim-azouze

“التوك توك” الذي هز “دولة السيسي”.. فكأنها أعجاز نخل خاوية! / بقلم سليم عزوز

[ads2]
في بلد يرتكب فيه المدعو رئيس البرلمان جرائم لغوية في كل خطاب، بلغ معدلها في خطابه الأخير تسعة أخطاء في كل دقيقة، لتصبح جملتها (165) خطأ في خطاب واحد لم يستغرق إلقاؤه ثلث ساعة، من الطبيعي ألا يتم تصديق وجود مواطن بسيط يمتلك هذا القدر من الفصاحة التي ظهر بها “سائق التوك توك”!

وفي بلد يعلن فيه المسمى رئيسا أنه يتعذب عندما يتكلم، ومع هذا العذاب لا يمكنه أن ينطق جملة واحدة مستقيمة، أو عبارة واحدة مكتملة، أو إشارة واحدة مفهومة، فإنه يصبح حديث سائق “التوك توك” مؤامرة كونية، تقف خلفها مخلوقات من خارج كردون الكرة الأرضية، ومن كائنات تنتمي إلى كوكب المريخ!

وفي بلد يعجز فيه قاض، يرأس إحدى دوائر محكمة الجنايات، عن نطق كلمة “سفرياتهم” فيندهش لوجودها في حيثيات الحكم، ويتعجب لأن عضو اليمين قام بقراءتها بيسر وسهولة، ويبدو في وضع مزرٍ كأنما يصعد في السماء، وعندما يتمكن بحول الله وقدرته من تلاوتها بمساعدة جاره، يبدو مبتهجا كما لو كان قد نجح في الثانوية العامة، فإن الحديث الواضح لسائق “توك توك” يصبح أمرا إدّا، وشيئا أمرا!

لقد تجاوزت مشاهدة هذا الفيديو الخاص بسائق “التوك توك” أكثر من عشرة ملايين شخص في ظرف عدة ساعات، على نحو هزّ لفصاحته وصدقه عرش السيسي، حتى صار كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت، وبدا هذا العرش كعهن منفوش، أو أعجاز نخل خاوية.

هذا الانتشار الواسع، لهذا الفيديو – رغم تدخل قناة الحياة لحجبه – لابد من أن يمكّن الناس خارج مصر من الوقوف على هذا الاختراع المسمى “توك توك”، وأذكر أنني عندما كنت أذكره في بعض مقالاتي عرضا، أن غير مصريين كانوا يسألونني عن المقصود بـ “التوك توك”، الذي ظهر في الصعيد قبل ظهوره في القاهرة، وكانت إحدى المرات عندما أشرت إلى ما جرى في الامتحان الشهري للصف الرابع الابتدائي بإحدى المدارس، عندما وضع مدرس الفصل سؤال: ما هي أحدث وسيلة مواصلات؟ وأجاب أحد الطلاب: “التوك توك”، لكن المدرس وي ظل اعتماد مدرسة الحفظ والتلقين، اعتبر الإجابة خاطئة؛ لأن المقرر الدراسي لا يزال يؤكد أن أحدث وسيلة هي الطائرة!

ذات مرة سألني أحد القراء عن “التوك توك” فوجدت صورة له على “جوجل” فأرسلتها للسائل، بعد أن أضناني الشرح، وقبل سنوات عندما بدأ الحديث عن ترخيص “التوك توك” كتبت مقالا حمل عنوان: “إذا التوك توك يوما أراد الحياة”؛ فقد فرض نفسه على السلطة رغم أنه في تقييم الأمن والسلامة، فإنه يعد وسيلة نقل خطرة، غير مطابقة للمواصفات.

“التوك توك” الآن صار خارجيا أشهر من النار على العلم، بعد ما تحدث به سائق توك توك، لبرنامج “واحد من الناس” على قناة الحياة، وقد كان صدقه وحماسه، وتعبيره عن بؤس المصريين في ظل حكم الانقلاب العسكري، سببا في انتشاره، حتى صار حديث “السوشيال ميديا”!

اللافت في الأمر، هو حالة التوافق بين بعض الذين يؤيدون الانقلاب العسكري، ومن يرفضون هذا الانقلاب في تبني نظرية المؤامرة في التعامل مع هذا الفيديو، فإزاء حالة فقر الفكر، وفكر الفقر، حدث الاتفاق على أنه لابد من أن يكون وراء الأمر مؤامرة!

بعد كلام عن أن مكتب رئيس الحكومة في سلطة الانقلاب يبحث عن هذا السائق، أعلنت دوائر مباحثية، أن الفتى معلوم وأنه ينتمي لجماعة الإخوان، وكان عضوا في حزب الجماعة “الحرية والعدالة”، وأنه ليس سائق “توك توك” ولكنه مدرس يمتلك محل لصيانة الكمبيوتر، ومتزوج وله ولدان، وحماه مدير مدرسة خاصة تحت الحراسة الآن؛ لأنها مدرسة إخوانية!

ما اسم المدرسة التي يعمل فيها؟ وما هي المادة التي يدرسها؟ وأين يقيم؟ وما اسم حماه؟ وما اسم المدرسة الإخوانية التي هي تحت الحراسة؟ كل هذه الأسئلة لم تجد إجابة عليها، وكأن انتماءه للإخوان لا يجعل منه مواطنا مصريا، ولكنه شخص مستورد، وكأن ملكيته لمحل لصيانة الكمبيوتر انتقل به من طبقة إلى طبقة، ومن معدم إذا كان سائق “توك توك”، إلى رجل أعمال باعتباره يملك محلا لصيانة الكمبيوتر، مع أن هذه المحلات يديرها فقراء أيضا، قد لا يجدون قوت يومهم. وكأن الأثرياء ليس لهم أن يتكلموا على وضع مصر البائس، وغلاء الأسعار، وانتشار الفقر، وعن الوضع المزري الذي تشهده البلاد!

هؤلاء، لم يهتموا إلا بمحاولة التشهير بسائق التوك توك، ولهذا فقد نشروا صورة وقالوا إنه مقتدر ماليا، والدليل أنه في رحلة سياحية مع أسرته بشرم الشيخ، قبل أن تظهر صاحبة الصورة وتعلن أن الصورة لها وليست لسائق “التوك توك” وأن الرجل فيها هو والدها!

لم يهتموا بالرد على ما قاله بفصاحة يفتقدها أهل الحكم، ولم يقولوا إنه مغرض مثلا، وأن ما يقوله ليس صحيحا؛ لأنهم يعلمون أنه صحيح سواء نطق به سائق “توك توك” أو عالم فضاء، وليس معنى هذا أنه لا يوجد من بين سائقي “التوك توك” من هم حملة للمؤهلات الجامعية؟!

قال الشاب: “نتفرج على التلفزيون تلاقي مصر فيينا، تنزل للشارع تلاقيها بنت عم الصومال”
“دولة لها برلمان وبها مؤسسات عسكرية، ومؤسسات أمنية خارجية وداخلية، وبها 20 وزارة وحالها يبقى بالوضع ده؟”

“كان عندنا سكر يكفينا وأرز بنصدره”

“التعليم متدنٍ لأسفل مما تتخيل”

“حرام مصر يتعمل فيها كده”

“دي مصر يا جدعان اللي سلفت بريطانيا وكان الاحتياطي النقدي بتاعها أكبر احتياطي نقدي في العالم.. يوصل الحال بها لكده؟”

في أي شيء أخطأ بدلا من الانشغال بأنه إخوان، أو أن حماه إخواني، أو أنه صاحب محل لصيانة الكمبيوتر، وكأنه لا يوجد مواطن عادي يجيد الكلام في مصر، وكأن المصريين جميعهم إما “علي عبد العال”، أو “عبد الفتاح السيسي”، مع أن الشعب المصري لم يحسن شيئا قدر إجادته لصنعة الكلام؟!
وعلى الجانب الآخر، فقد انطلق نفر من رافضي الانقلاب، يعلنون أنه عنصر مخابراتي، وفي الحقيقة أنهم يعيشون المؤامرة، فكل الأمور عندهم مؤامرة، وكل القضايا هي نتاج مؤامرة، وكل شيء هو بفعل أجهزة الأمن، باعتبارها أجهزة قادرة، وهو مرده إلى أمرين: أنهم حديث عهد بالعمل السياسي وقد وقعوا ضحية للثقافة “السماعي”، فقد استمعوا لنظرية المؤامرة فصارت الأمور عندهم تدور في فلكها، وكل شيء يستهدف الإلهاء، ولم نعد نعرف ما هي القضية الأم التي يراد شغلنا عنها بالقضايا الفرعية؟!

ضمن ما تسببت فيه “الثقافة السماعي” هي مسألة الصراع بين الأجهزة الأمنية، وإذ كنت قد كتبت مبكرا حول موضوع الصراع بين الأجهزة، فإني أسف لأنه البعض لم يستوعب ما قصدته وبدلا من كونه صراعا على النفوذ والمكانة، صار التعامل بأنه صراع على السلطة، وعليه جرى الحديث عن أن سائق “التوك توك” هو عنصر مخابراتي، تم الدفع به ضمن مخطط من طرف في السلطة يستهدف إسقاط السيسي. وهو كلام في جانب منه يهدف إلى إعفاء النفس من العمل على إسقاط الانقلاب لأن هناك أيدٍ وطنية تعمل في الخفاء فلا تستعجلوها. لاحظ أن مصر كلما كانت على موعد مع الحراك الثوري خرج علينا “يوسف ندا” ليخبرنا أن ضباطا بالجيش أخبروه بأنهم أوشكوا على إسقاط حكم السيسي، ثم يختفي بعد فشل الدعوة للحراك! وعندما صار أمره مكشوفا جاء دور واحدة من وكالات الأنباء التي نشرت قبل موعد ذكرى مذبحة رابعة هذا العام، أن الأمم المتحدة تطلب التحقيق في هذه الجريمة، وعندما مرت الذكرى بسلام ونفت الأمم المتحدة ذلك، لم تعتذر الوكالة عن هذا الخطأ المهني، وإنما اكتفت برفع الخبر من صفحاتها، فقد أدى الغرض منه!

ومن هنا فإن قصة الصراع بين الأجهزة على السلطة، يروج لها من هم يدركون ما يفعلون، وإن كان هذا لا يمنع من وجود بلهاء يهرفون بما لا يعرفون، وصار بالتالي هذا الفيديو وراءه جهاز أمني يعمل على إحداث رفض في الشارع للسلطة ليتمكن بعد ذلك من الانقلاب عليها، ولذا فهم استبعدوا أن يوجد مواطن بهذا الفصاحة وقالوا إنه عنصر مخابراتي، وهو أمر محكوم بخيال متوارث عن هذه العناصر المخابراتية سقطت عندما وجدنا الأداء البائس والمضحك لقياداتهم، ومن أول حسام سويلم، إلى سامح سيف اليزل، إلى أحمد الهياتمي، إلى عبد الرافع درويش، وكلهم كما تعلمون جنرالات!

ومن أول الاقتراح بترك سد النهضة لأنه سينهار وحده، إلى زراعة الموز لمواجهة ندرة المياه، إلى الرياح الشمالية الغربية التي تحمي مصر من صواريخ إسرائيل، إلى أن الجيش المصري انتصر في موقعة حطين، وأن صلاح الدين الأيوبي هو القائد المصري الذي انتصر في موقعة عين جالوت، وأن رمسيس الثالث هو بطل معركة حطين، إلى اقتناء البراغيت للقضاء على الفئران.. وكلها تجليات لجنرالات كبار بحكم الوظيفة والسن!

أصحاب نظرية المؤامرة بأهدافها المختلفة اعتبروا أن إذاعة الفيديو في قناة “الحياة” دليل على تأكيد المؤامرة سواء بهدف الإلهاء، عن القضية الأم التائهة، أو لدفع الشارع للغضب وتحقيق المخطط المخابراتي بإسقاط السيسي!

مع أن المسألة قد تكون أبسط مما يعتقدون، فهناك عدة احتمالات قد تكون وراء بث الفيديو
أولا: ربما لم يكن متوقعا من القائمين على برنامج “واحد من الناس” أن الفيديو يمكن أن يحقق هذا الانتشار الواسع.

ثانيا: ربما لم تكن إدارة القناة مدركة لخطورته، وسوء التقدير وارد في هذا الأمر، وعندما تم إدراك هذه الخطورة، فإنها حذفت الفيديو.

ثالثا: ربما وجد مقدم البرنامج أن هناك حالة سماح سياسي تسمح بتمرير هذا الكلام، فهناك نقد “على الخفيف” للسياسات في الصحف والبرامج التلفزيونية، ويكفي العلم أن “الكردوسي” انتقد السيسي لارتجاله وطالبه أن تكون خطبه مكتوبة، لأنهم يفشلون في الدفاع عنه، بعد “حديث الفكه”. فسعى مقدم “واحد من الناس” إلى مجد شخصي، على قاعدة “كلمتين ويمروا”.

رابعا: ربما أراد ملاك القناة أن يلفتوا انتباه القوم في السلطة إلى الخطورة التي تمثلها “الحياة”، ليعاودوا التفكير في شراء القناة بأي ثمن، وقد تعثرت مفاوضات البيع مع أبي هشيمة!

خامسا: وقد تبين أن غالبية أسهم قناة “الحياة” هي لملاك خليجيين، فما الذي يمنع من أن تكون القناة قررت التصعيد لحسابات تخص أهل الخليج بعد الأزمة السعودية المصرية؟

ليبقى حديث المؤامرة من الأطراف كافة هو الوهم بعينه، فسائق “التوك توك” كان حديثه من القلب فوصل إلى قلوب الناس، وعبر عن مشكلات الناس فكان الأقرب لهم من ألف برنامج، وألف قناة، وكان لسان حال السواد الأعظم من المصريين، الذين لم ننشغل بما جد على حياتهم في هذه الأيام من بؤس وإغلاق أبواب الأمل التي كانت مفتوحة بالنسبة لهم على مصراعيها بعد الانقلاب العسكري!

لقد عرفت مصر قديما شخصية “الفلاح الفصيح” فلماذا تستكثرون على سائق “توك توك” أن يكون فصيحا وواعيا، هذا الوعي الذي يفتقده كثير من أساتذة الجامعات، حيث يعتبر توفيق عكاشة عندهم هو الأستاذ المعلم!

تحية لسائق “التوك توك” الذي هز عرش سائق “العجلة”، ولا عزاء للمرضى النفسيين من الجانبين!

عربي 21
[ads2]

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: