الثبات..

على كثرة ما كتب المفكرون عن المناحى الإعجازية فى شخص رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، تبقى سيرته صلى الله عليه وسلم نهراً مغداقاً ، يغترف منه يراع صاحب كل فكر ليخرج منه برؤية جديدة ، وزاوية يرى منها ملمحاً إعجازياً بشرياً ونبوياً يبينه لنا .

 ومع من تناولوا معجزات النبى صلى الله عليه وسلم فى الرحمة والأخلاق وغيرهما ، يرى خالد محمد خالد أن معجزة محمد صلى الله عليه وسلم فى ثباته أمام طغاة قريش وكذلك ثبات أصحابه رضى الله عنهم الذين قبسوا من ثباته صلى الله عليه وسلم تأتى معجزة أخرى بعد صدقه صلى الله عليه وسلم فيقول (1) : ومع الصدق ، تجىء معجزة أخرى من المعجزات الأصيلة ، والخليقة بالتقدير ، متمثلة فى هذا القدرالباهر من الثبات والمثابرة.. ثبات الرسول وثبات أصحابه العُزل والمستضعفين .. كان ثبات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكان إصراره ومُثابرته .. ثم من بعد ذلك كله أو معه ، كانت تضحياته المتألقة ، والمتفوقة ، تصنع وتصوغ وتكتب تاريخاً جديداً لشرف الإنسان .. وشرف الإيمان .. و لقد يبلغ رجل ما من الرجال أعلى وأسمى آفاق الثبات والتضحية والمُثابرة نتيجة احتوائه على قدرات عقلية و نفسية هائلة .. أما أن ينتقل نفس القدر من التضحية والثبات والمثابرة إلى الآخرين الذين لايمتلكون مثل قُدرات نفسه وعقله وروحه.. والذين لايدفعهم من دوافع الدنيا و طموحاتها أى دافع ، والذين يرسلون خواطرهم نحو المجهول ، فلا يجدون على جانبيه إلا أخطاراً محدقة .. وشدائد مبرحة.. ومحناً تزحم الطريق الطويل ، أقول : أمَّا أن يحدث ، فالأمر إذن أمر إعجاز فريد ، بقدرما هو مجيد..

أقول : أمَّا يتصدر صفوف المبكرين بالإسلام ثُلةٌ من صفوة قريش وحكمائها .. معرضين شرفهم الرفيع و جاههم العريض ، وزعامتهم ، و مكانتهم لإسفاف المشركين و سفالاتهم ، وكيدهم الأحمق ، وأذاهم المسعور .. دون أن يكون هناك مغانم ينتظرونها ، وأمانىَُّ يترقبون مجيئها ، واثقين ـ لاغير ـ بكلمة واحدة واعدة همس بها الرسول صلى الله عليه وسلم فى آذانهم : الجنَّة .. !! .. فهذا إعجاز آخر.. ولن يكون الأخير ..!!

 وهذا الثبات هو مايعول عليه أبو عبد الرحمن سلطان عليّ (2) فيثبت أن إعجازالرسول صلى الله عليه وسلم كان فى كماله الأخلاقى الذى بلغ ذروته ، وإعجازه فى توازنه الأخلاقى صلى الله عليه وسلم ، أما ثباته الأخلاقى فيأتى الإعجاز الحقيقى لخلقه صلى الله عليه وسلم كما يراه ويدلل على ماذهب مفصلاً فيقول : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذروة الكمال الإنساني في سائر أخلاقه وخصاله وفي جميع جوانب حياته، وهو وجهٌ آخر من وجوه إعجازه الأخلاقي أما أهم مايميز كماله صلى الله عليه وسلم ، فهو التوازن في أخلاقه، فهو رحيم دون ضعف، متواضع بغير ذلة، محاربٌ لا يغدر، سياسيٌّ لا يكذب، يستخدم الحيلة في الحرب ولكن لا ينقض العهود والمواثيق، آمن خصومه بصدقه وأمانته، يجمع بين التوكل والتدبير، وبين العبادة والعمل، وبين الرحمة والحرب، وبين إدارة شؤون أسرته الكبيرة، فقد جمع بين تسع زوجات، وإدارة المجتمع والدولة، ويعطي لكلِّ ذي حقٍّ حقه، ولم تشْكُ واحدة من أزواجه يوماً من سوء عشرته، ولكن اشتكين ذات مرة من خشونة العيش، فخيَّرهنَّ بين البقاء معه أو أن يسرحهن سراحاً جميلاً فاخترنه دون تردد!. والمقصود أن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وخصائصه تعمل ضمن منظومة متناسقة متناغمة، تتشابك جميعها لتأدية أغراضها، فلا تتوسع صفة أو تقوى على حساب أخرى، ولا تعمل إحداها ضد الصفة التي تقابلها. ووجه العظمة يتجلى لك من خلال الموازنة مع الناجحين في الحياة كالمشاهير والأبطال والحكماء والمصلحين على سائر الأزمان واختلاف المكان، حيث يقتصر نجاحهم ونبوغهم على مجالاتٍ وميادين معينة، فهذا في السياسة، وذاك في الأدب، والآخر في الرياضة مثلاً، ولكنهم يفشلون في مجالات غيرها، وقد تكون أكثر أهمية منها، وقد تجد الرئيس الناجح في إدارة شؤون دولته المترامية الأطراف غير إنه فاشل في علاقاته الزوجية وفي إدارة بيته مثلاً.

 ومظهرٌ آخر للتوازن هو ثبات أخلاقه، فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم في رضاه وغضبه، وفي سلمه وحربه، وفي عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وفي بيته وسوقه ومسجده، مع أزواجه وأولاده، ومع أصحابه، وفي جميع أحواله وشؤونه. وهذا الثبات قليلٌ في الناس أو نادرٌ، فترى الشخص في رضاه فإذا ما غضب صار شخصاً آخر كأنه ليس هو، وترى الشخص ضحَّاكاً بسَّاماً بين زملائه فإذا دخل بيته عبس وبسر، وتتعرف على الرجل في الحضر فتراه في وجه، ويجمعك به السفر فيسفرُ لك عن وجه آخر، وترى زعيماً ما يفيض في السلم رقة وحناناً فإذا ما اشتعلت الحرب تحول إلى وحش فاتك! وترى السخي الجواد في الرخاء فإذا أصابته شدة ضنَّ بماله، وأمسك عن الإنفاق، أما رسول الله ‘ فقد كان سخياً ندياً في سائر أحواله، وكان رحيماً في سائر أحواله، وعلى ذلك فقس بقية الشمائل المحمدية، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك القدرة على الجمع بين النقائض أو هكذا تبدو للناس ، وهذا معجزة بحد ذاته ولكن ليست من الخوارق التي اشتهرت عن الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام ، وسيرته صلى الله عليه وسلم غنية بالأمثلة والشواهد التي تدلُّ على توازنه الخلقى …..

 نعم أن الثبات الأخلاقى للرسول صلى الله عليه وسلم معجزة لأنه فرعُ من الثبات العام فى شخص الرسول النبى القائد ولما للثبات من أهمية عظيمة في تربية الفرد والجماعة وفي التفاف الناس حول المتمسك به فمن خلاله يستطيع تحقيق أهدافه التى يطمح فى تحقيقها كما يوضح ذلك الدكتور محمد حسن موسى أهمية الثبات عبر نقاط أربعة (3):

        ‌أ-        الثبات دلالة سلامة المنهج وداعية إلى الثقة .

     ‌ب-      الثبات مرآة لشخصية المرء ومطمئن لمن حوله .

      ‌ج-      الثبات ضريبة الطريق إلى المجد والرفعة في الدنيا والآخرة .

       ‌د-        الثبات طريقٌ لتحقيق الأهداف .

 فمن ثبات القائد تتعلم الرعية الثبات وذلك ظهر جلياً فى حياة النواة الأولى من المسلمين بمكة حين تَحَالَفَتْ قُرَيْش ٍوَكِنَانَةَ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِالْمُطَّلِبِ أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمْ النَّبِيَّ ……

قال الدكتور راجح الكردي (4): رغم كل هذه الضغوط فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يربي المسلمين في الحصار على ضرورة الثبات ويقودهم لدعوة الوافدين في مواسم الحج مؤكداً تربيته لأصحابه على ضرورة استمرار الدعوة مهما ضاقت الظروف، وقلَّت الموارد .

وقال الدكتور محمد أبو فارس (5): وسيلة الضغط على المسلمين بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المتعاطفين معهم كانت مؤلمة إلا أن الثبات والصبر على المبدأ وقوة إيمان المسلمين ثبتهم أمام هذه المقاطعة العامة .

 اجتمع نفرُ من رؤساء قريش بعد غروب الشمس، ذات يوم عند ظهر الكعبة ، وهم عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبو سفيان بن حرب ورجلٌ من بني عبد الدار، وأبو البختري أخو بني أسد ، والأسود بن المطلب بن أسد و زمعة بن الأسود ، والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية ، وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابني الحجاج السهميين ثم قال بعضهم لبعض : إبعثوا إلي محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه ، فبعثوا إليه : أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك ، فأتهم فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً ، وهو يظــن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء وكـــان عليهم حريصاً يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم ، حتى جلس إليهم فقالوا : يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك ، وأنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل علي قومه مثل ما أدخلت علي قومـــك ، لقد شتمـــت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحـــــلام وفرقت الجماعة فما بقي أمرقبيـــح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك . فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا ، فنحن نسودك علينا ، وإن كنت تريد به مُلكاً ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك – وكانوا يسمون التابع من الجن رئياً – فربما كان ذلك ، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم : ” ما بي ما تقولون ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل علي كتاباً ، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به ، فهــــو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم” أو كما قال صلى الله عليه وسلم .

 فلم يأخذهم اليأس من مفاوضة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى بادروه مقترحين : يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلاداً ولا أقل مالاً، ولا أشد عيشاً منا ، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به ، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا ، وليبسط لنا بلادنا وليفجر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا ، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب ، فإنه كان شيخاً صدوقاً ، فنسألهم عما تقول حق هو أم باطل ؟ فإن صنعت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله ، وأنه بعثك رسولاً كما تقول .

 فلم يسلم لهم الرسول بمقترحاتهم فقال لهم صلى الله عليه وسلم : ’’ ما بهذا بعثت ، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به ، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم ، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والاَخرة ، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ’’ .

 فلجأوا إلى أسلوب التعجيز والمطالب التى يحاولون فى نهايتها إن لم يستجب لهم أن يشنعوا عليه بالإدعاء الرخيص بأنه لايملك مقومات النبوة ولا براهينها ، وبذلك يصرفون عنه من آمن به أو من سيؤمنون به ، ولهم فى أنبياء العهد القديم قصصاً تتلى عن معجزاتهم ، وذلك من مجاورتهم لليهود والنصارى وسفرهم لبلادهم بالتجارة ، فباغتوه قائلين : فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك ، فسل ربك أن يبعث ملكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك ، وتسأله فيجعل لك جنات وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ، ويغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه ، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم .

 فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم مدى إعناتهم وأنهم كالطفل المدلل ، كلما لبى لهم رغبة طالبوه بغيرها وما هم بمؤمنين له فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول الواثق من ربه وأن رسالته لحق : ’’ ما أنا بفاعل ، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً، فإن تقبلوا ما جئتكم به ، فهو حظكم في الدنيا والاَخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ’’ .

 فبالغوا فى عنادهم وعتوهم بل قل حمقهم فقالوا متبجحين : فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك, فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل.

فرد رسول الله الأمر إلى ربه عز وجل فقال لهم صلى الله عليه وسلم : ” ذلك إلى الله ، إن شاء فعل بكم ذلك” .

 فقالوا: يا محمد أما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب ، فيقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به ، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به ، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن ، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً ، فقد أعذرنا إليك يا محمد ، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلك أو تهلكنا ، وقال قائلهم : نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله.

 وعند هذا الحد من النقاش قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وهو ابن عمته عاتكة ابنة عبد المطلب ، فقال : يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك ، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوفهم به من عذاب ، فوالله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بصحيفة منشورة ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول ، وايم الله لوفعلت بذلك لظننت أني لا أصدقك ، ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً أسفاً لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه ، ولما رأى من مباعدتهم إياه .

 وقد خلد القرآن الكريم هذه المجادلة وتلك المساومة فأتت آياته ناطقةُ حية كأنها دارت بالأمس القريب ، لأن هذا شأن المعاندين فى كل زمان ومكان إذ قال عز من قائل :

 ’’ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (96) ’’.(1)

 وليس هناك ما يدلل على سخرية القوم وتعنتهم أكثر من أن تأتيهم معجزة القرآن آية من الله شاهدةٌ بعجزهم عن الإتيان بمثله من قبلهم وبتحدى ويطلبون من الرسول صلى الله عليه وسلم ، مما جاء معه قول العزيز الحكيم قاطعاً عليهم أباطيلهم: ’’ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52)’’ . (2) وقد يتساءل سائل لماذا لم يجبهم الله ورسوله إلى طلبهم والله قادر سبحانه وستنتهى حججهم بالمعاينة التى ستسد عليه الطريق فيذعنوا للحق ويكونوا من المؤمنين ، ولكن الحق سبحانه وهو الخبير بخبايا وطوايا عباده ، أنهم لم يسألوا مسترشدين وجادين، وإنما سألوا متعنتين ومستهزئين، ولهذا لم يجابوا لطلبهم وقد علم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما طلبوا لما آمنوا، وللجُّوا في طغيانهم يعمهون، ولظلوا في غيهم وضلالهم يترددون، قال سبحانه: ’’ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)’’ . (3) ولو أجابهم الله سبحانه وتعالى وعاينوا ثم لم يؤمنوا ، لأنزل الله بهم العذاب الشديد كما فعل بأقوام قبلهم فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:’’ إن شئت أعطيناهم ما سألوا، فإن كفروا عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة ؟ ’’ ، فقال : ” بل تفتح عليهم باب التوبة والرحمة “ مصداقاً لقوله تعالى: ’’ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59)’’. (4) ، وكما قال تعالى: ’’ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا(9) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) ’’.(5) وهى من رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بقومه رغم تعنتهم .

 وقد سبقت تلك المحاولة الفاشلة محاولة أخرى من سلسلة محاولات الإغراءات والعذاب التي لقيها الرسول صلى الله عليه وسلم ، مثل محاولة أشراف قريش وعددهم ستة منهم أبو سيفـــان بن حرب والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل في الضغط علي أبي طالب بعد ما استيئسوا من إثناء بــن أخيه عما هو ماض ٍفيه وقالوا له :- يا أبا طالب ، إنا ابن أخيك قد سب آلهتنــــا وعاب ديننا وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا ،وإما أن تخلي بيننا وبينه ، فإنك علي مثل ما نحــــن عليه من خلافه فنكفيكه .(6) هذا غير محاولتهم استبداله بعمارة بن الوليد بن المغيرة الذي سيكون ولداً لأبي طالب بإعتباره أشد وأقوي وأجمل فتىً في قريش ، علي أن يسلم لهم رسول الله ليقتلونه ، فيقول أبو طالب قولته الشهيرة :- “والله لبئس ما تسومونني ! أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه! هذا والله مالا يكون أبداً” (7)

 هذا غير محاولة أبى جهل قتله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد يصلي بأن رفع حجراً ثقيلاً يريد رميه به أثناء السجود ولم يكد يفعل حتى رجع منهزلاً ممتقعاً لونه مرعوباً قد يبست يداه علي حجره ، فقد بدا له كما قال : فحـل من الإبل هــم بــه أن يــــــــــأكله.

 أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد لجأ بالدعاء لربه عز وجل فقال صلى الله عليه وسلم : ’’ اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك : بعمر بن الخطاب أو بأبى جهل بن هشام ’’ . (8) فأصابت الدعوة عمر فأسلم فى ذى الحجة سنة ست من النبوة ، وكان قد أسلم قبله أسد الله حمزة بن عبد المطلب ، وإن جاء إسلامه فى أول الأمر أنَفةْ رجل ذا نخوة لما سمع بإهانة أبى جهل لابن أخيه ، لكن ما لبث أن شرح الله صدره للإسلام على مدار الأيام حتى تمكن منه ، ففرح به المسلمون واعتزوا به اعتزازاً كبيراً مثلما فرحوا بإسلام عمر أيضاً ، وقد أحدث إسلامهما بمكة وقتئذ ضجة كبيرة ؛ خاصةً ومنذ أسلم عمر نزلت الذلة والضعة فوق رؤؤس المشركين بقدر ما أسعدت وأعزت المسلمين بل أظهرت دعوتهم علانية للنور .

 روى مجاهد عن ابن عباس قال : سألت عمر بن الخطاب :لأى شىء سُميتَ الفاروق؟ ، قال : أسلم حمزة قبلى بثلاثة أيام ـ ثم قص عليه قصة إسلامه . وقال فى آخره : قلتُ ـ أى حين أسلمت : يا رسول الله ، ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا ؟ ،قال : ’’ بلى ، والذى نفسى بيده ، إنكم على الحق وإن متم وإن حييتم ’’ ، قال : قلت : ففيم الاختفاء ؟ والذى بعثك بالحق لنخرجن ، فأخرجناه فى صفين ، حمزة فى أحدهما ، وأنا فى الآخر ، له كديد ككديد الطحين ، حتى دخلنا المسجد ، قال : فنظرت إلىَّ قريش وإلى حمزة ، فأصابتهم كآبة لم يُصبهم مثلها ، فسمانى رسول الله صلى الله عليه وسلم ’’ الفاروق ’’ يومئذ .(9) وليس أدل على قول ابن الخطاب من وقع الصدمة على أهل مكة من المشركين والهزيمة التى حاقت بهم ما قاله ابن مسعود وصهيب الرومى حيث قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نطوف بالبيت ونصلي، حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتلهم حتى تركونا، فصلينا وطفنا (10) وقال أيضاً : كان إسلام عمر فتحاً، وكانت هجرته نصراً، وكانت إمارته رحمة، لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي ونطوف بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتلناهم حتى تركونا نصلي . (11) وقال صهيب بن سنان: لما أسلم عمر بن الخطاب، ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقاً، وطفنا بالبيت وانتصفنا ممن غلظ علينا ورددنا عليه. (12)

 أحست قريش كأن السماء قد سقطت عليهم كسفاً ، وأن مهمتهم زادت صعوبة فى مقاومة أمواج هذا الدين الهادر ، لقد جربوا كافة الأساليب التى تقضى عليه من سخرية وتحقير واستهزاء وتكذيب وتضحيك بُغية التهوين منه وصد الناس عنه لإبعادهم عن محمد ودعوته ، ثم طوروا الأداء فأطلقوا الشبهات حول الرسول صلى الله عليه وسلم : فرموه بالكذب حيناً ، وباتصاله بالجن والشياطين حيناً هذا غير إدعائهم عليه صلى الله عليه وسلم بالكهانة والسحر والجنون والشعرأحياناً أخرى ، ثم أغروا سفهاءهم فكذبوه وآذوه وغمزأشراف قريش له أكثر من مرة بالقول وهو يطوف صلى الله عليه وسلم ، وأنقذه ذات مرة أبو بكر الصديق عندما قاموا عليه قومة َرجل ٍواحد ، ًفأخذ أحدهم بجمع ردائه ، فصرخ فيهم باكياً : أتقتلون رجلاً أن يقــــــول ربيَّ الله ؟ ، فكان لزاماً عليهم البحث عن وسيلة جديدة فى التفاوض مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم .

 وقد أورد هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة فقال : حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة ، وكان سيداً ، قال يوماً وهو في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده : يا معشر قريش ، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها ، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا ؟ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون, فقالوا : بلى ، يا أبا الوليد ، قم إليه ، فكلمه, فقام إليه عتبة ، حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا ابن أخي ، إنك منا حيث علمت من السِّطََةِ ـ أى المنزلة الرفيعة المهيبة ـ في العشيرة ، والمكان في النسب, وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، وسفهت به أحلامهم ، وعبت به آلهتهم ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضا. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” قل يا أبا الوليد أسمع ” . قال: يا ابن أخي ، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً, وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا, وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه ـ أو كما قال له ــ حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال:” أفرغت يا أبا الوليد ؟ “، قال: نعم ، قال : “فاسمع مني” ، قال : أفعل، فقال : ’’ بسم الله الرحمن الرحيم, حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4)وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) ’’.(13) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، يقرؤها عليه. فلما سمعها منه عتبة أنصت له ، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما ، يسمع منه ، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ثم قال: ” قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك ” . فقام عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال: ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر، ولا بالكهانة , يا معشر قريش ، أطيعوني واجعلوها بى ، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه ، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم , فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهرعلى العرب فملكه ملككم ،وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به ، قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه , قال : هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما بدا لكم . (14)

 ولما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدماً فى نشر دعوته غيرعابىء بسخريتهم واستهزائهم وإعراضهم ، وعز عليهم أنهم رجعوا إلى عمه سابقاً فلم يمنعه و لايزال يحتمى بحمايته ، ولما كانت رسالته تدعو للتوحيد ونبذ الشرك وهجر الأوثان كان ذلك بمثابة تسفيه آلهتهم وعقائدهم ، عاودوا الكرة مع أبى طالب وفاتحوه وهم مزمجرين وقد أخذ الغضب معهم مأخذه ، فخاطبوه : يا أبا طالب ، إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنا والله لانصبر على هذا ؛ من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك فى ذلك حتى يهلك أحد الفريقين . وانصرفوا عنه دون أن ينتظروا جواباً منه ، على أمل أن يستشف أبو طالب مدى غضبهم ونفاد صبرهم ، وقد وصل الأمر للمواجهة الشخصية ليس مع محمد وحسب بل معه هو شخصياً ، وبان من كلامهم أنهم وضعوه فى جانبه وكأنه قد فارق جماعتهم .

 فعظم علي أبي طالب فراق قومه وعداوتهم له ولم يطب نفساً بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك ولا خذلانه ، فبعث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : يا بن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا فأبق علي وعلي نفسك ولا تحملني من الأمر مالا أطيق ، فظــــن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمه خاذله ، وأنه قــــد ضعف عن نصرته والقيام معه فقال :” يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري علي أن أتــرك هذا الأمر- حتى يظهره الله أو أهلك فيه – ما تركته ” .

 ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكي ثم قـــــام ، فلما ولي ناداه أبو طالب فقال : أقبل يابن أخي فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أذهب يا بن أخي فقل ما أحببت فو الله لاأسلمك لشئ ٍأبدا . (15)

 هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقف فى هذا الموقف ـ الذى تتضعضع فيه عزائم الرجال ، عندما تختارهم أقدارهم وتمتحنهم فى أشد المواقف صعوبة على النفس وهو الإختياروالمفاضلة بين من يحبونهم وبين الواجب الذى يناديهم ـ يغيب عنه محبته لعمه ومحبة عمه له ، أو غاب عنه ما قدمه عمه له ؟ … غير أن عمه قدر له موقفه وأحس بين جوانحه أن الأمر الذى أتى به محمد أكبر من محمد ، ولئن تمسك الرسول صلى الله عليه وسلم بموقفه من زاوية تتعلق بإيمانه برسالته ، فقد عاضده عمه على موقفه إعجاباً منه بموقف إبن أخيه واستمساكه برأيه ، وتمسك هو الآخر بالدفاع عنه نخوة وشهامة ورجولة وإن كان لايذهب مذهبه فى هذا الإيمان ، ويعلم أنه بموقفه هذا سيجر على نفسه وأهله الويل والثبور مما سترميه عليه براكين أشراف مكة من حممها .

يقول أبو الحسن الندوي (16) معلقاً على عروض أهل الشرك السخية : …أما قالوا له علي لسان عتبة وهم ما عرفوا الإغراء السياسي : إن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأساً ما بقيت ” .

 نعم هم لم يعرفوا الإغراء السياسي ، ولكن عرفوا ضعف النفس البشرية ومطامعها فحدثوه باللغة التي يجيدون التعامل بها كتجار في بلد حرفته المساومات والمزايدات التجارية ، حدثوه عن أمرين يعرفون تماما من خـــلال معرفتهم بإنسان الحضارات السابقة المجاورة لهم وإنسان البلدان التي يسافرون إليها صيفاً وشتاء أنه يقاتــل ويُقْتل من أجلهما ألا وهما : المال والسيادة أحدهما أو كلاهما معاً ، تتحــــارب حـــولهما الدنيا فكانت الثـــــورات ، والإنقلابات والاغتيالات ، والدسائس ، والفتن ، والمؤامرات ، من قديم الأزل وحتى الآن ، إلا عند المال والسيادة أي السلطة هوهو لم يتغير الإنسان ، من العصر البدائي حتى عصر التكنولوجيا ، وثورة المعلومات وحــــــــرب النجوم ، وأسلحة الدمار الشامل .

 المال والمنصب ، الغني والسلطة ” السيادة ” سلاحان لهما بريق السحر يخطفان العقول والعيون ويحركان لعاب المطامع في الحلوق وينسيان طالبهما أجَلَّ المبادئ والقيم حتى أنه ليؤثر الســـــلامة عائداً لبيته ليلتحف بالخــــز والدمقس وكافة الأزياء اليمانية والشامية شأنه في هذا شأن أصحاب الزوابع السياسية التي تموت في مهدها بعد التفاوض علي المكاسب الشخصية ثم يعود كلا الجانبين إلي حياته هانئاً سعيداً بعد أن إستأنس أصحاب الثروات أصحاب الثورات .

 قد كان من المتصور فى باب الحكمة والسياسة الشرعية أن يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم بالزعامة والملك ، على أن يجمع فى نفسه إتخاذ الملك والزعامة وسيلة إلى تحقيق دعوة الإسلام فيما بعد ، فكثيراً مايستولى على الحكم بعض أصحاب الدعوات والمذاهب لكى يستعينوا بسلطانه على فرض دعوتهم ، ولكن النبى صلى الله عليه وسلم لم يرض مثل هذه السياسة والوسيلة إلى دعوته ، لأن ذلك ينافى مبادىء الدعوة نفسها .

 وليس أبلغ ولا أروع ولا أصدق من رفض الرسول صلى الله عليه وسلم فلقد رفض بغيرعصبية ولم يقم الدنيا ويقعدها بل رَفَضَ رَفْضِ الواثقُ بربه عز وجل وبنفسه مستقبلاً رفضه لدعوته بالصبر لأمر الله وحكم الله بينه وبينهم وهو يعلم يقيناً أنها مسألة وقت وأن الله غالبٌ علي أمره ومُظْهِر دعوته وإن أبي المشركون وتأتي روعة قسمه أمام عمه وإستناداً إلي عمق وصدق إيمانه : ’’ والله لو ضعوا الشمس في يميني ، والقمر فى يساري علي أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ’’ .

 لقد وصل كفار قريش بأعلى المطامع في الخط البياني لبني البشر ، بينما هو ارتفع بقسمه بأعلى من الخـــط البياني الذي ظنوا أن لا شئ يعلوه بمقياسهم المادي ، إذ كان قسمه سامياً يماثل سمو وعلو رسالته ، وبَعُدَ بالخط البياني إلي السماء فيما لم ولن يستطيعوا مجتمعين الوصول إليه ولو أرادوا إلي الشمس والقمر وهما آيتان من آيات الله وهو تحدٍ معجز ٍلهم إستحالة تنفيذه تُنْبئ عن إستحالة تركه لأمر الدعوة ، مصعباً علي القوم المهمة ، رادعاً إياهم لكيلا يمارسوا معه مثل تلك الإغراءات التي تغري غيره.

 ومن أدبه صلى عليه وسلم مع الله ثم مع نفسه ،أنه ينسب ظهــــور الــــدين وغلبته ونشــــره بين النـــاس لله سبحانه وتعالي ” حتى يظهره الله ” مع علمه بأنه هو المضطلع بعبء نشره وهو المختار والمصطفي لهذا الأمر .

 يقول السهيلى (17): خصَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الشمس باليمين لأنها الآية المبصرة ، وخص القمر بالشمال لأنها الآية الممحِّوة ، وخص صلى الله عليه وسلم النيِّرين حين ضرب المثل بهما لأن نورهما محسوس ،فالنور الذى جاء به من عند الله ،وهو الذى أرادوه على تركه ،هو أشرف من النور المذكور. قال الله تعالى : ’’ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ’’ (18) فاقتضت بلاغة النبوَّة لمَّا أرادوه على ترك النورالأعلى أن يقابله بالنورالأدنى وأن يخص أعلى النيرين وهو الآية المُبصِرة أشرف اليدين وهى اليمين ، بلاغةٌ لا مثل لها وحكمة لا يجهل اللبيب فْضْلها .

 يقول المستشرق الإيطالى ميخائيل إيمارى (19) : … وحسب محمد ثناءاً عليه أنه لم يساوم ، ولم يقبل المساومة لحظة ً واحدة فى موضوع رسالته على كثرة فنون المساومة واشتداد المحن وهو القائل : ’’ لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر ماتركته ’’ عقيدة ً راسخة ، وثبات لايُقاس بنظير ، وهمة تركت العرب مدينين لمحمد بن عبدالله .. إذ تركهم أمة لها شأنها تحت الشمس فى تاريخ البشر.

 ومن ناحية أخرى تجد الدكتورة لورا فيشيا فاغليرى (20) أن صلابة الرسول صلى الله عليه وسلم وثباته أمام التهديدات وأمام الإغراءات هو الدليل الكافى على صدق هذا الرسول وصدق رسالته فتقول : من العجيب أن هؤلاء الناس لايجشمون أنفسهم عناء التساؤل كيف جاز أن يقوى محمد على تهديد الكاذبين والمرائين ، فى بعض آيات القرآن اللاسعة بنار الجحيم الأبدية لو كان هو قبل ذلك رجلاً كاذباً ؟ كيف جرؤ على التبشير على الرغم من إهانات مواطنيه إذا لم تكن هناك قوى داخلية تحثه ـ وهو الرجل ذو النظرة السليمة ـ حثاً موصولاً ؟ كيف يستطيع أن يستهل صراعاً كان يبدو يائساً ؟كيف وفق إلى أن يواصل هذا الصراع أكثر من عشر سنوات فى مكة فى نجاح قليل جداً ، وفى أحزان لاتحصى ، إذا لم يكن مؤمناً بعمق بصدق رسالته؟ كيف جاز أن يؤمن به هذا العدد الكبير من المسلمين والنبلاء والأذكياء ، و أن يؤازروه ، ويدخلوا فى الدين الجديد ؟

 لقد عاش صلى الله عليه وسلم المحاولات القرشية كلها وبنوعيها سواء الأذى والإضطهاد والإتهام والغمز بالقول والتمادي لمحاولة إيذاءه بدنياً، أدناها قومتهم عليه قومة رجل واحد وأعلاها التخطيط لقتله أكثــــر من مـــرة وهو الأب والزوج ولديه بناته يخاف عليهن أن مسه أذي فلمن هو تاركهن والدعوة في مهدهــــــــا ، وأمامه محـــــــاولات إغراءه بالمال والسيادة وتأمين أسرته مادياً ومعنوياً في سبيل دعوة يعلم أنه سيعاني أشد العناء لتعلو كلمة الله في مكة وما حولها ….

 عاش الرسول صلى الله عليه وسلم وقد جن جنون قريش بعد أن صدمها ثباته صلى الله عليه وسلم فلم تلن عزيمته ولم تضعف قوته ولم يًستسلم ..!!

 ويشاء لنا أن نتبين موضــع الإعجـــــاز المحمدي في ذلك كله ونحـــــن نضع أنفسنا ومصالحنا وأسرنا أمامنا ، هل كنا سنحذو حذوه صلى الله عليه وســـلم …….؟

 يقول توفيق الحكيم (21): فوسيلة النبى الأولى وخطوته التى نزل بها الميدان هى إقناع ذلك الخصم الصاخب من الخلق أنه مجرد عن الغايات الدنيوية ، وهنا كانت قوته .. فإن أمضى سلاح فى يد رجل يريد أن يقارع البشر ، هو أن يواجه البشر بيد خالية من مطامع البشر .

 وهذا سر قوته صلى الله عليه وسلم وسر إعجازه كذلك ، فانك لتشعر دائماً أنه أمام قوة وجبروت قريش كان رسولنا دائماًُ هو الأقوى ، ومن سر إعجازه صلى اله عليه وسلم فى هذا الموقف هو مايرصده غير المسلم فيلفته إلى حقيقة وعظمة هذا الرسول فيكون سبباً فى هدايته وعودته إلى الحق فيقول الدكتور م. ج. دُرّاني(22) عن الرسول صلى الله عليه وسلم معجباً ومشدوهاً : لم يتزحزح شعرة عن موقفه، وكان صامدًا، رابط الجأش، صلبًا في أهدافه وموقفه. عرض عليه قومه أن ينصبوه ملكًا عليهم وأن يضعوا عند قدميه كل ثروات البلاد إذا كف عن الدعوة إلى دينه ونشر رسالته. فرفض هذه الإغراءات كلها اختار بدلاً من ذلك أن يعاني من أجل دعوته. لماذا ؟ لماذا لم يكترث أبدًا للثروات والجاه والملك والمجد والراحة والدعة والرخاء ؟ لا بد أن يفكر المرء في ذلك بعمق شديد إذا أراد أن يصل إلى جواب عليه.

هذا هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذى جمع زبدة الفضائل الإنسانية، واستجمع جميع مؤهلات قيادة البشـرية، الآية في صفاته النادرة ، النموذجً الكامل للفضيلة والخير، رمز الصدق والإخلاص.. فأي إنسان يدرس دون تحيّز حياته ورسالته سوف يشهد أنه حقًا رسول من عند الله، وأن القرآن الذي جاء به للناس هو كتاب الله حقًا. وما من مفكر منصف جاد يبحث عن الحقيقة فيقــرأ سيرته متجرّداً إلاّ انبهر بــها، ولا يطالع قصـة حياته منصـف إلاّ اندهش منها، ولا يتفحّـص شخصيـته، وإنجازاته، بريء من التعصّـب والهوى ، إلاّ أقـرّ بأنّها أعظم شخصية ، عرفتها البشـرية. ولابدّ أن يصل إلى هذا الحكم لأن حياته وأفكاره وصدقه واستقامته، وتقواه وجوده، وعقيدته ومنجزاته صلى الله عليه وسلم ، كل هذه براهين فريدة على أنه بحق معجزة .. فى نبوته ، فى أبوته ، فى قيادته ، فى رحمته ، فى عزمه ، فى رفضه كل إغراءات قريش والدنيا بأسرها صلى الله عليه وسلم.

السيد إبراهيم أحمد

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: