image

“الثورات المضادة”: واقع أم خيال؟ / بقلم طارق الكحلاوي

“الثورات المضادة”: واقع أم خيال؟ / بقلم طارق الكحلاوي
قبل حوالي العامين اتصل بي مسؤول ديبلوماسي غربي كبير طلبا للحديث في علاقة بموضوع “الإسلام السياسي”. كان مكلفا بإعداد تقرير رسمي حول موضوع “الإخوان” وذلك بعد اشهر قليلة؛ إثر الانقلاب العسكري في مصر بداية جويلية (يوليو) 2013. المثير للانتباه حينها، ما ألمح إليه حول أن بلاده في حاجة لإعداد هذا التقرير في سياق “طلب” خليجي، قادم أساسا من دولة الإمارات.

وكان المطلوب هو إدانة “الإسلام السياسي” عموما باعتباره “مصدرا للإرهاب” (وهو ما حصل بالمناسبة في التقرير الذي نشر منذ أسابيع قليلة). وهكذا أضحت أحد أهم الدول الأوروبية التي كانت “امبراطورية لا تغيب عنها الشمس” تكتب تقارير تحت الطلب، لدولة ساهمت في تأسيسها وصنعها. لم يكن يخفى على هذا المسؤول أن الكابوس الذي استغرق بعض الحكومات الخليجية لا يتعلق تحديدا بـ”الإسلام السياسي”، بل بموجة التغيير العميقة التي عصفت بدكتاتوريات عريقة وثابتة، وتهدد بالعصف باستقرار منظومة مترابطة عربيا.

في سياق الجدال المتصاعد حول دور بعض الأنظمة، دولة الإمارات كمثال، في مواجهة وعرقلة تقدم مسارات الديمقراطية عربيا، أو ما يسمى بشكل متواتر “الثورة المضادة”، توجد حاجة متزايدة لتأصيل مفهوم “الثورة المضادة” في السياق التاريخي العام؛ حيث إنه سابق على القرن الحالي وميز تجارب تاريخية ديمقراطية عريقة. وبالتالي سنسعى هنا من خلال استعراض أمثلة تاريخية لبيان أن “الثورات المضادة” ليست مجرد شماعة أو فكرة مؤامراتية بائسة، بل هي ظاهرة تاريخية جدية بل وحتمية؛ إذ كان تاريخ الثورات الحديثة هو أيضا تاريخ ثوراتها المضادة.

لكن من الضروري البدء بمقدمة ومصادرة أساسية: التردد ومن ثمة الجمود وحتى الفشل الذي مس عددا من مسارات التغيير الجذري أو التغيير الثوري، يرجع بالأساس في رأيي إلى تركيبة وهوية القوى السياسية التي منحها الناخبون الثقة. سواء لضعف وتشتت بعضها الذي يتصف على الأقل بنوايا “ثورية”، أو لهوية بعضها الآخر “الإصلاحية” التي تميل إلى التوافق مع القديم، فإن هذه القوى لم تستطع تجسيم الرغبة العارمة زمن نجاح الانتفاضات في تغيير رؤوس السلطة في التغيير الجذري، ومن ثمة تشكلت خيبة أمل تراكمت ببطئ لكن بعمق، بما ساعد في تشكل “الثورة المضادة”. بمعنى آخر عدم قدرة القوى الجديدة التي تزعمت مرحلة ما بعد الانتفاضات، عبر صناديق الانتخاب، على تحويل الانتفاضات إلى بداية ثورات، تضرب في العمق هياكل القديم سبب أساسي في انتعاش “الثورة المضادة”.

يبقى أن الهدف من هذا المقال هو المحاججة على أن لـ”الثورة المضادة” أسسها القوية القائمة حتى بمعزل عن ضعف وترهل القوى الجديدة على السلطة والمعنية بالتغيير. وهكذا فإنه بقدر ما لا يجب أن تكون”الثورة المضادة” شماعة لتعليق مسؤولية جمود أو فشل مسارات ثورية، فإنها واقع موضوعي قائم ولا يمكن ألا يتشكل؛ إذ إن وجوده مرتبط أساسا بالوجود الموضوعي للقوى التي قامت عليها الثورة. وهذه القوى لا يمكن أن تقبل الموت دون معارك.

كانت الثورات الثلاث الكبرى التي أسست للديمقراطية الحديثة هي البريطانية سنة 1688 والأمريكية سنة 1776 والفرنسية سنة 1789، وتجرعت جميعها سم الثورات المضادة. يبدو لي أن هذه الثورات تحديدا تمثل النموذج الأصلي لما يتم في السياق العربي الراهن، إذ جميعها يتعلق بالتأسيس الفعلي والعملي لمجتمع متوافق على نص دستوري، يضمن العيش المشترك وسلطة القانون المتساوية بالنسبة للجميع.

وطبعا في تلك السنوات وفي كل سياق ومنعرجاته الخاصة كان الأمر يتعلق بمسار طويل ومعقد، بدأ في سنة محددة واستغرق عشرات السنين حتى يتحقق، وفي الأثناء مارست الثورة المضادة نفوذا قويا أعادها أحيانا إلى السلطة. فلا يمكن أن نعتبر الشعارات الكبرى المؤسسة للثورات في السياق العربي في علاقة بمسارات ثورية راديكالية من نوع الثورة البلشفية، بل بالتأسيس الدستوري الليبرالي السياسي.

كانت الثورة الفرنسية أحد أهم الأمثلة الحديثة على التداول العنيف على السلطة بين الثورة والثورة المضادة. كانت ثورة عنيفة وحسمت الصراع مع الملكية وتحديدا “آل البوربون” بالمقاصل، ودفع روبيسبيير بسياسة الحسم الدموي إلى أقصاها. بيد أن الغل الثوري انتهى إلى استهلاك طهوريته واهتراء صورة “الخلاص الثوري”، واستعادة “النظام القديم” لبهرج الركود الروتيني الذي كان سائدا قبل الثورة.

وهكذا بدأت الملكية تعود إلى الصورة أولا مع نابوليون بونابارت كشكل مناسب لنهاية الحروب وعودة الاستقرار بأي ثمن؛ بيد أن القصور الارستقراطي لنابليون، الذي لا يمكن لأي فرنسي أن ينسى أنه كورسيكي، وفشله في تحقيق حلم “الامبراطورية الثورية”، فسح المجال لـ”استعادة البوربون” سنة 1814؛ إذ عادت سلالة لويس السادس عشر للحكم محمولة على أعناق الشعب ذاته، الذي ألقى بها إلى المقصلة. واستمر حكم الملكية البوربونية إلى سنة 1830.

الأسباب العميقة لعودة البوروبون كانت تتعلق بعدد من العوامل، أهمها فشل الثورة الفرنسية في تحقيق استقرار وازدهار اقتصادي سريع دون تضحيات أكبر. ورغم النجاح في فرض وحدة السوق الاقتصادية، أحد أهم مطالب البورجوازية الفرنسية، إلا أن التكلفة الباهضة للحروب الخارجية أدت إلى إنهاك جمهور الفلاحين الصغار والأقنان، وأيضا التوازنات المالية العامة. سبب آخر أساسي هو أن الثورة الفرنسية راكمت الأعداء والخصوم على حدودها. وكان العرش النمساوي على وجه الخصوص متربصا بقوة واحتضن ما تبقى من ل البوربون، وساهم بلا هوادة في الدفع بهم مجددا نحو السلطة. ونجحوا في ذلك سنة 1815.

بيد أن أهم دروس الصراع بين الثورة والثورة المضادة في السياق الفرنسي، أن الأخيرة لم تستطع في الواقع بأي شكل من الأشكال إعادة “النظام القديم”. أي ثورة مضادة في الحقيقة هي محاولة تأقلم مع تغيير بلا رجعة أحدثته الثورة. فآل البروبون كانوا يحكمون ضمن تغييرات قانونية ودستورية وعملية فرضتها الثورة الفرنسية. ولم يستطيعوا البتة استعادة الحكم المطلق للويس السادس عشر.

وهكذا حتى في سياق الثورات العربية حيث حصل انقلاب واضح، مثلما هو الحال في مصر، لا يمكن للسيسي أن يتشبه البتة بمبارك. إذ إن هشاشته قوية وذكرى إسقاط مبارك وتحديه لاتزال بادية للعيان، وليست السطوة الدموية والأداء الاستعلائي الكاريكاتوري للسيسي ونظامه إلا دليلا على الارتباك وليس على أي ثقة في النفس.

في هذا السياق تحديدا، التاريخ لا يعود إلى الوراء، كتب ماركس نصه الشهير “الثامن عشر من بريمير”، نموذج في الأدب السياسي الكوميدي الأسود، إثر فشل ثورات 1848 والانقلاب الذي قام به سنة 1851 ابن أخ نابوليون شارل لويس بونابارت. وحيث قال: “يلاحظ هيغل في مكان ما أن كل الوقائع والشخصيات المهمة في التاريخ البشري تحدث مرتين. نسي هيغل أن يضيف: في المرة الأولى كتراجيديا وفي المرة الثانية كمهزلة”.

عربي21

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: