الثورة، ياسمين طوقه البنفسج.. (غـازي الدريـدي)

مثل بيت عنكبوتي، ظلت المآزق و المخاطر محدقة بالثورة التونسية في الأركان و الزوايا المفصلية و اللحظات الحاسمة . و لبث العنكبوت مكانه لا يحرك ساكنا على أمل الفرصة الملائمة لاهتزاز شباكه و الظفر بفريسة .

ان السؤال عن مآل التجمع الدستوري – بعد الحكم القضائي بحله – هو طرح اشكالي من قبيل الوجاهة المطلوبة خصوصا اذا ما تحدثنا عن اقتراب الاستحقاق الانتخابي المقبل . فأين هم ترسانة القياديين من أصحاب المناصب في المكتب التنفيذي و السياسي و الدولة و الادارة للحزب المتحلل على الأقل قضائيا ؟

لا شك بأن الاجابة لا تحتاج سقفا عاليا من سرعة البديهة و التمعن الشديد، بقدر ما تستحق عملية استعادية ( flash-bck) صغيرة لبعض تفاصيل الماضي القريب، و مقارنته بالواقع الراهن بغية تبيان ضروب الائتلاف البعيدة عن مضمون الاختلاف . ان التجمعيين القادة ممن كانوا يصنعون ” فرحة شباب تونس ” ، لم يظنوا يوما بأن هذا الشباب هو من سيكسر مد الولاء و يصنع جزر ” ثورة الشباب التونسي”، الرافضة للزعيم الواحد و الحزب الواحد، و المصححة لمسار الحركة الوطنية.

و كما الذئب الذي و قع في المصيدة، و عض ساقه حتى قطعت و مضى مكملا طريقه، عاد التجمعيون بقوة الى المشهد الوطني، حيث لم يكفِ حل التجمع للحصول على تراخيص قانونية و تأسيس أحزاب جديدة تواصل نهج تقديس الأصنام و الديكتاتورية. فتناثر البنفسج و طوق الياسمين،  بل التئم في حزب ناداهم جميعا و لا زال.

ان معضلة تونس تكمن في هؤلاء ممن تجاوزوا النفوذ، و استغلوا السلطة في تأسيس نظام قائم على الولاءات و الطاعة، و عقد الصفقات المشبوهة و قمع الشباب من حاملي الشهادات العليا عبر اقصائهم من الانتداب في الوظيفة العمومية التي ترسخت على الرشاوى و المحسوبية , و جعلهم ينتظرون في صفوف طويلة لتصبح البلاد في المرتبة الأولى عربيا من حيث نسبة البطالة .

لكن الاشكال الأكبر بقي عدم تفعيل قانون العدالة الانتقالية و محاسبة رموز الدكتاتورية، عما اقترفت أيديهم من جرائم عمقت التفاوت بين جهات الوطن و مزقته في تقسيم غير عادل للثروة، و أثخنت جراحه الدائمة على أساس منظومة سياحية يعلم أهل الاختصاص أن عائداتها من العملة الصعبة ضعيفة و تتحكم بها وكالات الأسفار الأجنبية بأسعار تفاضلية، لملأ أسرة النزل الفخمة بالعجزة الباحثات عن سياحة الجنس، و استغلال شبابنا الحالمين بالهجرة في زواج المتعة على أمل الفيزا. هكذا تم تخريب المنظومة الاقتصادية في نسيج معوق و عاجز و غير متكامل النمو و المراحل – فقد تم المرور من الفلاحة الى القطاع الخدماتي دون تركيز الصناعة المغيبة، و بالتالي ينهار الاقتصاد أمام أول أزمة، و لا عجب في ذلك ان كان تابعا لعائلة بعينها، فرت بجلدها و أموالها بعد أن عمقت الفرقة الاجتماعية و طفق زبانيتها الآن يجهزون على الحياة السياسية .

تلملم الذئاب الجائعة في هذه اللحظات جراحها، و تتوعد هذا الشباب الذي أطاح بدكتاتورهم من على برجه العاجي بالسجون و المنافي . ان نظرة صغيرة على الآلة الاعلامية الجديدة بعد 14 جانفي ، تؤكد استثمار خلف العائلة السابقة الحاكمة، في الاعلام و التحكم في الاشهار و الاعلانات وسبر الآراء , لتلميع الصور و خدمة الأجندات الحزبية، ليتربعوا على أولمب الاعلام بغية خنق الأقلام في خطوط بلا شطوط، عمادها الصفراوية و قوامها الثلب بعيدا عن كل مصداقية و قدسية للخبر أو حرية في الرأي – بلا مرفأ أو مرسى … .

اذا كانت الحرية لسان حال بنفسجي ، ان معنى ذلك أن الاستثمار في الاعلام و الأحزاب و التهريب، وقودا لخام وعود تجمعية، خلنا لوهلة أنها نفقت و اختفت لكنها ما لبثت على السطح أن طفت . لقد نافق التجمعيون و لم يوافقوا بعد أن غادر شق منهم البلاد ؛ و كان ذلك بمثابة الضحك على الذقون و ذر الرماد في العيون . في نداء غث السمين، ثور انتفخ شحما و لحما و دهرا فلم يعد يقوى على الحراك من فرط الخوار و الحنين . ألا أيها البدين، يا سمين قد طوقك البنفسج، أفلا تخجل !

– غازي الدريدي – 

كاتب صحفي

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: