الثورة التونسية على حافة السكين بقلم محمد هنيد

لم يخطر ببال الانقلابين في داخل تونس وخارجها أن يكون صمود الثورة التونسية بهذا الشموخ الجبلي وبهذه القدرة على إبطال مفعول كل المضادات والسموم التي حقن بها الجسد الثوري الوليد خلال ما يزيد على ثلاث سنوات.

من جهة مقابلة لم يجل ببال الثوريين من التونسيين أن تكون الدولة العميقة بهذه الشراسة وأن يعود جلاد الشعب الهارب من باب صناديق الاقتراع هذه المرة بعد أن سمحت له “نخب العار الوطنية” خاصة من حركة النهضة المحسوبة على الإسلام السياسي بالعودة إلى المشهد وبالنجاة من القصاص لدماء الشهداء. المشهد في تونس يمتد على طرفي نقيض بين من اعتقد أنه نجح في تزوير الانتخابات التشريعية وسينجح كذلك في الرئاسية وبين من حسب أن التشريعية استثناء وأنّ الجلاد ليس بهذه الوقاحة والطيش.

لم تنجح كل وسائل التزوير التي اعتمدها “حزب الدستور” وخلاياه النائمة والمتمرسة بتزوير الانتخابات منذ ما يزيد عن نصف قرن من التزييف في قلب المشهد جملة رغم الأموال الهائلة التي رُصدت لذلك من المال الخليجي المموّل للانقلابات في المنطقة العربية. لم تنجح الثورة المضادة في ذلك رغم الرّجم المكثف لمكاسب الثورة والثوار عبر منصات “إعلام العار” في تونس والتي تحولت إلى لعنة تلاحق التونسيين أينما حلّوا لتطمس وعيهم بجرائم الجلاد وتمسح من ذاكرتهم فعائل مجرمي الأمس.

من الوهم إنكار القدرة الكبيرة لحزب “التجمع الدستوري الديمقراطي” أي حزب الرئيس الهارب بن علي في ثوبه الجديد على المناورة من أجل اكتساح المشهد من جديد. فمن كان يصدق أن حزبا عمره أقل من عامين قادر على لجم الزخم الثوري وإعادة الخلايا التجمعية النائمة إلى منابر الإعلام يتقدمهم مخبرو النظام وبوليسه من الجامعيين وأنصاف المثقفين. صراع الثورة والثورة المضادة هو اليوم على أشده بين من يريد دفن الثورة والثوار وإحياء الاستبداد من رماد وبين من لا يزال يؤمن بإرادة الحياة وبأن الإنسان العربي لا يمكن أن يموت في أرضه مرتين. نجحت تونس إذن في الدفع بمرشح الثورة أو ما تبقى منها إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية التي ستقام بعد شهر من انتخابات الدور الأول في مواجهة أخيرة مع مخالب الدولة العميقة.

إن خطاب التقسيم والإرهاب الصادر عن العجوز التسعيني مرشح الثورة المضادة يسعى في الأساس إلى إحياء نسق الاستبداد عبر تأجيج النعرات الجهوية وتفعيل التقسيم الجهوي لأجل صرف الجماهير عن الاستحقاقات الحقيقية لثورة ديسمبر الخالدة. لن يغفر المركز للهامش تمرده ولن يسمح له باستعادة سيادته بسهولة ولن يفرط المركز في مغانمه التاريخية دون صراع مرير قد يُفرض يوما على الثورة والثوار. صراع المركز والهامش لم يبلغ مرحلته النهائية بعدُ خاصة أن نظام الوكيل الأول بورقيبة والوكيل الثاني بن على قد رسّخا هذا الصراع ترسيخا في نفسية المجتمع وفي سلوكه الاجتماعي حتى غدا حتمية يومية لا تخطئها العين ولا ينكرها التونسيون أنفسهم وهي تستبطن شعورا مريرا بالاحتقار والإهانة يعيشه أغلب سكان البلاد.

لكنه صراع تنكره أغلب النخب التونسية النازحة التي جعلت من المركز مستقرا لها وغادرت عن طواعية ريفَها الفقير وأهله وأهلهم من أجل بريق المدنية الزائف و ضوء الحداثة الكاذبة، وهو ما منع العمق التونسي العميق من توطين نخبه المحلية وفرض التوزيع العادل للثروة والسلطة. “نخب النزوح” التي فرضها بورقيبة ورسخها بن علي تمثل أكبر نزيف للعمق الفقير وأكبر خسارة للأرض التي حضنت كفاءات نادرة هربت لتأثث أحزمة الرفاه المصطنعة في أحياء العاصمة وضواحيها. نكبة تونس في نخبها أساسا وهي نخب قد تنكرت منذ البداية لثورة الرعاع والمهمشين. تنكرت لثورة الهامش المعدم الذي خدش وقارها وعرى زيفها وزيف نضالاتها. لن تغفر “نخب النزوح التونسية” للفقراء والجهلة جرأتهم على إتيان ما عجزت هي عن التفكير فيه أو توقعه بله إنجازه وفعله، بعد أن أصمت آذاننا طويلا بقصص النضال المزيفة ومعرك طواحين الهواء الدامية.

اليوم تستعيد هذه النخب زمام الأمور في تونس بعد أن أنهكت سنوات الجدب الثلاث جيب المواطن واستنزفت طاقة التحمل لديه حتى لم يعد يأبه لغير مصدر رزقه وأمنه اليومي.

اليوم يجلس المناضل المزيف جنبا إلى جنب مع جلاد الشعب تحت قبة البرلمان ليستنشقا ملء منخريهما روح الديمقراطية ويتمتعا بنفحات التعبير الشعبي الحر في عزف لا تكدر رومانسيته حُمرة دماء الشهداء وأصوات الرصاص تخترق جسد الشهيد وتمزق أنسجة جسده من أجل أن يقتات تجار النضال على موائد السلطان بعيدا عن ضوضاء الثكالى وبكاء الأيتام.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: