الحروب زمان بعثة النبي صلى الله عليه وسلم / مع د. راغب السرجاني

الحروب زمان بعثة النبي صلى الله عليه وسلم / مع د. راغب السرجاني
إذا كنا قد انبهرنا بنظرة رسول الله للنفس الإنسانية، والتي تعرضنا لها في فصلٍ سابق، وإذا كنا سنعرض في هذا البحث -إن شاء الله- لصور أخرى مبهرة من أخلاقه صلى الله عليه وسلم في مجال الحروب، فإن هذا الانبهار سيتضاعف -لا شك- إذا اطَّلعنا على طبيعة الحروب في الأمم المعاصرة لبيئته صلى الله عليه وسلم.
لقد وصلت البشرية قبيل وقت بعثته صلى الله عليه وسلم إلى حالة من التردي المقيت، والانهيار الأخلاقي البشع، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوضح حال الأرض قبل بعثته صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ»، لقد وصل حال الناس إلى درجة من الانحطاط جلبت عليهم مقت الله سبحانه وتعالى، والمقت هو شدة الكراهية، واستخدام الرسول صلى الله عليه وسلم لكلمة (بقايا) يوحى بالأثرية، أي كأنهم آثار من عهود سحيقة لا قيمة لها في واقع الناس، ومن جانب آخر فإنَّ هذه البقايا لم تشكل مجتمعات كاملة، بل كانت أفرادًا معدودين. وإذا كانت الأخلاق متردية في معظم مجالات الحياة، فإنها -ولا ريب- أكثر ترديًا في مجال الحروب، فهو مجال لا يُستغرَب فيه العنف والقتل والتدمير، بل إنه عند انهيار الأخلاق يفتخر الناس أحيانًا بأنهم أكثر دموية، وأشد فتكًا في حروبهم!!
وسيتم تناول هذا الموضوع -إن شاء الله- من خلال المباحث التالية:

المبحث الأول: الحروب في الدولة الرومانية
مزقت الخلافات العقائدية بين طوائف النصارى أواصر هذه الدولة ، فالخلاف بين المذهب الأرثوذكسي والكنيسة الشرقية من ناحية، والمذهب الكاثوليكي والكنيسة الغربية من ناحية أخرى كان خلافًا حادًا أسفر عن حروب مدمرة قُتل فيها عشرات الألوف.
بل في داخل الدولة الرومانية الأرثوذكسية الشرقية ذاتها اشتعلت الخلافات العقيمة بين طائفة الملكانية (على مذهب الملك) وتعتقد بازدواجية طبيعة المسيح، أي أنَّ له طبيعتين: بشرية وإلهية، وطائفة المنوفيسية وهم أهل مصر والحبشة ويعتقدون بطبيعة إلهية واحدة للمسيح، وكانت طائفة الملكانية تقوم بتعذيب الطائفة الأخرى تعذيبًا بشعًا، فيحرقوهم أحيانًا، ويغرقوهم أحيانًا أخرى، مع أنهم جميعًا أبناء مذهب واحد هو الأرثوذكسية .
وقد ظلت هذه الحروب العقائدية مستعرةً، حتى جاء الفتح الإسلامي لمصر، فشكل لأقباطها خلاصًا من اضطهاد وتعذيب الدولة الرومانية لهم.
ولقد وصلت الوحشية في الجيوش الرومانية إلى درجة غير متخيلة من السوء، وما أكثر الجرائم العنيفة التي كانت ترتكب في حق شعوب الأرض على أيدي الرومان، وليس أدل على ذلك مما فعلوه في عهد الإمبراطور (فسبسيان)، حين حاصر الرومان اليهود في القدس (وكان اليهود يسمونها أورشليم) لمدة خمسة أشهر، انتهت في سبتمبر سنة (70) ميلادية، ثم سقطت المدينة في أشد هزيمة مهينة عرفها التاريخ. لقد أمر الرومانُ اليهودَ أن يقتلوا أبناءهم ونساءهم بأيديهم، وللعجب فقد استجاب اليهود لهم من شدة الرعب، وطمعًا في النجاة، فهم أحرص الناس على حياة، ولو كانت حياة ذليلة مهينة، ثم بدأ الرومان يُجرُون القرعة بين كل يهوديين، ومن يَفُزْ بالقرعة يَقُمْ بقتل صاحبه، حتى أُبِيدَ اليهود في القدس عن آخرهم، وسقطت دولتهم، ولم ينجُ منهم سوى الشريد، وأولئك الذين كانوا يسكنون في أماكن بعيدة! .
ومن أبرز الأمثلة على الجرائم الأخلاقية للدولة الرومانية احتلالهم لمصر منذ هزيمة (كليوباترا) على يد (أوكتافيوس) سنة 31 قبل الميلاد، وعندما سقطت الدولة الرومانية الغربية سنة 476 ميلادية (أي قبل ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم بحوالي مائة عام) آلَت أملاك الدولة الرومانية الغربية – ومنها مصر – إلى الدولة الرومانية الشرقية.
لقد تحولت مصر في عهود الرومان إلى مخزن يُمد الإمبراطورية الرومانية باحتياجاتها من الغذاء، وفقد المصريون السلطة بكاملها في بلادهم، وإن كان الرومان قد حرصوا على أن يتركوا بعض الرموز المصرية كصورة فقط، وذلك لتجنب ثورة الشعب. وتمَّ فرض الضرائب الباهظة جدًّا بمختلف أنواعها على الشعب المعدم حتى تجاوزت الضرائب الأحياء ـ في سابقة تاريخية ـ إلى الأموات، فلم يكن يسمح بدفن الميت إلا بعد دفع ضريبة معينة. وتتبع الرومان قادة الأقباط المصريين بالقتل والتعذيب حتى اضطروهم إلى الهرب إلى الصحراء، وإقامة أماكن عبادتهم في مناطق نائية أو مهجورة حفاظًا على حياة من تبقى منهم.

المبحث الثاني: الحروب في الدولة الفارسية
كانت الدولة الفارسية والدولة الرومانية في هذه الفترة بمثابة فرسيّ رهان يتسابقان على زعامة العالم، وفي إطار هذا التنافس حدثت سلسلة من الحروب الدامية بينهما، وقد راح ضحية هذه الحروب الآلاف من أبناء الدولتين بدون جريرة، فقد كان الجنود بمثابة العبيد ليس أمامهم إلا الانصياع لأوامر ورغبات الحاكم الجامحة الطامعة.. ولم تكن هناك أي رسالة للحاك أو الجيش اللهم توسيع مساحة الأرض المملوكة!
ولعل من أشهر الحروب والمعارك التي خاضتها الدولتان في هذه الفترة المعارك التالية:
– معركة دارا التي وقعت في عام 530م، وكانت ضدَّ الروم عدوهم اللدود، وفيها تقابلت الجيوش الفارسية والجيوش البيزنطية في شمال سوريا، وبعد قتال مرير واستطاع البيزنطيون هزيمة الفرس وكسب هذه الجولة من الجولات الحربية الدامية التي كانت مشتعلة بين الدولتين !!
– معركة (مالاطيا) التي وقعت في عام 574م، وتعتبر هذه المعركة من أكبر معارك القرن السادس الميلادي، وفيها اصطدمت جيوش الفرس بقيادة أنوشروان مع الجموع الكبيرة التي حشدها البيزنطيون ليدافعوا عن بيزنطة، وفي هذه المعركة أيضًا انهزم الفرس، وفرّ أنوشروان من المعركة.
– أما في معركة (أركسامون) التي وقعت في عام 605م، في منطقة تقع بين أورفه والنزيب شمال سوريا، والتي التقت فيها جيوش الفرس بقيادة كسرى الثاني بارويز بالجيش البيزنطي، فقد استطاع الفرس أن يُلحِقوا بالروم هزيمة كبيرة، ولكنها أيضًا لم تكن حاسمة!!
فهذه أمثلة لبعض الحروب التي وقعت بين الفرس والروم بحثًا عن الزعامة والاستئثار بثروات العالم.
والملاحظ في كل هذه الحروب أنه لم يكن هناك اهتمام بالمرَّة براحة أو أمان الجنود، بل اعتاد الفرس أن يربطوا جنودهم في المعارك بالسلاسل، ليمنعوهم من الفرار!! وقد شاهد المسلمون ذلك بأعينهم في أكثر من موقعة مع الفرس، لعل من أشهرها موقعة “الأبلَّة”، والتي كان المسلمون فيها تحت قيادة البطل الإسلامي الفذ خالد بن الوليد -رضي الله عنه- ، وفيها انتصر المسلمون، وعُرِفت الموقعة باسم “ذات السلاسل”، لأن الفرس كانوا يربطون كل عشرة من الجنود في سلسلة!!

المبحث الثالث: الحروب في أوروبا الشمالية
أما الأمم الأوروبية المتوغلة في الشمال والغرب فكانت تتسكع في ظلام الجهل المطبق، والأمية الفاشية، والحروب الدامية، لم ينبثق فيها فجر الحضارة والعلم بعد، ولم تظهر على مسرحها الأندلس الإسلامية لتؤدي رسالتها في العلم والمدنية، ولم تصهرها الحوادث، وكانت بمعزل عن جادة قافلة الحضارة الإنسانية، وكانت بين نصرانية وليدة، ووثنية شائبة، ولم تكن بذات رسالة في الدين، ولا بذات راية في السياسة.
يقول هـ. ج. ويلز في كتابه (التاريخ المختصر للعالم): “ولم تكن في أوروبا الغربية في ذلك العهد أمارات الوحدة والنظام “، ويقول روبرت بريفولت؛ في كتابه (صناعة الإنسان): “لقد أطبق على أوروبا ليل حالك من القرن الخامس إلى القرن العاشر، وكان هذا الليل يزداد ظلامًا وسوادًا، قد كانت همجية ذلك العهد أشد هولاً وأفظع من همجية العهد القديم؛ لأنها كانت أشبه بجثة حضارة كبيرة قد تعفنت، وقد انطمست معالم هذه الحضارة وقضي عليها بالزوال، وقد كانت الأقطار الكبيرة التي ازدهرت فيها هذه الحضارة وبلغت أوجها في الماضي كإيطاليا وفرنسا فريسة الدمار والفوضى والخراب”.

المبحث الرابع: الحروب في الهند
كانت الهند في هذه الحقبة من التاريخ متمزقة الأحشاء بفعل الحروب الداخلية والخارجية، وبالتالي فهي لم تكن أفضل حالاً عن سائر الدول الأخرى، وقد خلَّفت هذه الحروب عددًا هائلاً من الرقيق، وكان الهنود يعتقدون أن الرقيق خُلِقوا من قدم الإله، ومن ثَمَّ فهم بخلقتهم خرقاء مهينون، ولا يمكن أن يرتفعوا عن هذا الوضع المقسوم لهم إلا بتحمل الهوان والعذاب عسى أن تنسخ أرواحهم بعد الموت في مخلوقات أفضل!! وبذلك تضاف إلى لعنة الوضع السيئ الذي يعيشون فيه لعنة أخرى روحية تقضي عليهم أن يرضوا بالذل ولا يقاوموه، ومن ثم لم تكن معاملة الرقيق في الهند تختلف كثيرًا عما كان شائعًا في هذا الوقت من حيث إهدار إنسانية الرقيق إهدارًا كاملاً وتحميله بأثقل الواجبات دون إعطائه حقًّا مقابلها!!

المبحث الخامس: الحروب عند اليهود
عاش اليهود مضطهدين في آسيا وأوروبا وكل مكان؛ لأنه لم يكن لأحدٍ من الناس بمعاشرتهم طاقة؛ فهم في لحظات الضعف يبدون الخنوع والنفاق والدَّس والوقيعة والكيد والكذب، وفي لحظات القوة يبدون التجبر والتكبر والظلم والوحشية والرِّبا، وقد تركَّزوا بالشام في هذا الوقت.
وفي سنة (610) ميلادية، (في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) انتصر الفرس على الروم {غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 2] فانقلب اليهود على نصارى الشام، وقد ضعفت جيوش الروم هناك، فخرَّبوا الكنائس، وقتلوا الرهبان، وظهرت لهم شوكة وتَكَبُّر لعدة سنوات. ثم انتصر الروم على الفرس {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 3]، فذهب اليهود إلى هرقل، وتذلَّلوا له؛ فقبل منهم، وأعطاهم العهد بالأمان، ولكن أتى رهبان الشام، فذكروا لهرقل ما فعله اليهود وقت هزيمة الروم، فغضب هرقل وأراد معاقبة اليهود، ولكن منعه العهد الذي أعطاه إياهم، فجاء رهبان النصارى وقالوا لهرقل: لا عليك من العهد، اقتلهم وسنصوم عنك جمعة كل سنةٍ أبد الدّهر، فقبل هرقل وعذب اليهود عذابًا شديدًا حتى لم يفلت إلا الذي هرب من الشام.
تمركز اليهود في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم في شمال المدينة المنورة، وكانوا -كعادتهم- قومًا غِلاظ الطباع، قساة القلوب، منحرفي الأخلاق، يعيشون على الرِّبا، وإشعال الفتن، والتكسب من بيع السلاح، وعلى إيقاع السادة في الفضائح الأخلاقية وتهديدهم بها، وعلى السيطرة على الجهال بكتبهم المحرفة وأفكارهم الضالة.
وقد ظهرت الطبيعة التدميرية لدى اليهود في توراتهم المحرَّفة في أكثر من نص، فتجد مثلاً: 
”إن سمعت عن إحدى مدنك التي يعطيك الرب إلهك لتسكن فيها قولاً، فضربًا تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف وتحرِّمها (أي تدمرها) بكل ما فيها من بهائمها بحد السيف، تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة للرب إلهك، فتكون تلاًّ إلى الأبد لا تُبنى بعد، لكي يرجع الرب عن حُمُوّ غضبه ويعطيك رحمة “. فرحمة الرب مشروطة بإبادة غير اليهود، بل وكل مكونات الحياة عندهم!
وفي التوراة أيضًا: “وكلم الرب موسى –عليه السلام- في عربات موآب على أردن أريحا قائلاً: كلم إسرائيل وقل لهم: إنكم عابرون للأردن إلى أرض كنعان، فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم.. تملكون الأرض وتسكنون فيها، وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكًا في أعينكم ومناخس في جوانبكم ويضايقونكم في الأرض التي أنتم ساكنون فيها، فيكون أني بكم كما هممت أن أفعل بهم”.
وفيها كذلك: “وحين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير، ويُستعبَد لك، وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربًا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، أما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن.. فلا تستبق منها نسمة ما، بل تحرِّمها (أي تبيدها)..”. فالذين يصالحون ويُسلِّمون، لهم العبودية والاستعباد، والذين لا يصالحون ولا يُسلِّمون لهم الإبادة والدمار!

المبحث السادس: الحروب العربية في الجزيرة العربية قبل البعثة .
تفشت في العرب أدواء أخلاقية كثيرة قبل الإسلام ، ولا شك أن هذه الأدواء قد ظهرت بشكل مكثَّف في الحروب بين القبائل، وقد كانت هذه الحروب تقوم لأتفه الأسباب، كحرب البسوس التي نشبت بين بكر وتغلب بسبب ناقة جرحت، وحرب داحس والغبراء -فَرَسَان- بين عبس وذبيان، واستمرت كل منهما أربعين سنة ، كما قامت بين الأوس والخزرج -أبناء عمومة- حروب استمرت طويلاً كان أشهرها يوم بعاث الذي انتهى لصالح الأوس، ومن أشهر أيام العرب حرب الْفِجَارِ التي كانت بين قريش وكنانة من جهة، وقيس عيلان من جهة أخرى، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيًّا يناولهم النبل، وسُمي الفجار لما استحل الحيَّان كنانة وقيس فيه من المحارم، ومن أيام العرب يوم عين أباغ وكان بين غسان ولخم، وكان قائد غسان الحارث، وكان قائد لخم المنذر بن ماء السماء، وقُتل المنذر في هذا اليوم، وانهزمت لخم، وتبعتهم غسان إِلى الحيرة، وأكثروا فيهم القتل، ومنها يوم أوارة وهو جبل، وكان بين المنذر بن امرئ القيس ملك الحيرة وبين بكر بن وائل بسبب اجتماع بكر على سلمة بن الحارث، فظفر المنذر ببكر، وأقسم أنه لا يزال يذبحهم حتى يسيل دمهم من رأس أوارة إِلى حضيضه، فبقي يذبحهم والدم يجمد، فسكب عليه ماء حتى سال الدم من رأس الجبل إِلى حضيضه، وبرت يمينه.
ومن أبلغ الدلائل على ما وصلوا إليه من شهوة الدم، ما روي عن يوم الكلاب الأول وكان بين الأخوين شراحيل وسلمة ابني الحارث ابن عمرو الكندي، وكان مع شراحيل وهو الأكبر بكر بن وائل وغيرهم، وكان مع سلمة أخيه تغلب وائل وغيرهم، ووقعت الحرب بينهما في الكلاب وهو بين البصرة والكوفة، واشتد القتال بينهم، ونادى منادي شراحيل: من أتاه برأس أخيه سلمة فله مائة من الإبل، ونادى منادي سلمة: من أتاه برأس أخيه شراحيل فله مائة من الإبل، فانتصر سلمة وتغلب على شراحيل وبكر، وانهزم شراحيل وتبعته خيل أخيه ولحقوه وقتلوه وحملوا رأسه إِلى سلمة.
ومما يدل على كثرة الحروب بين العرب أن ابن الأثير بدأ باب ذكر أيام (حروب) العرب في الجاهلية بقوله: “نحن نذكر الأيام المشهورة والوقائع المذكورة التي اشتملت على جمع كثيرة وقتال شديد، ولم أُعَرِّج على ذكر غارات تشتمل على النفر اليسير لأنه يكثر ويخرج عن الحصر”، ومع هذا يأتي بما يربو على خمسين يومًا (معركة)، كلها من الوقائع الكبيرة المشهورة!!
بل بلغ من تعلقهم الشديد بالحرب والقتال وتأصلها في نفوسهم؛ أن قال شاعرهم عمرو بن كلثوم بيتًا من الشعر يُعبِّر عن هذه النفسيات المعقَّدة، والعقول المضطربة:

أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ••• فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا

إنه لم يكن هناك مانع إذن أن يُحارب الأخ أخاه، فقط لأن زمانه خلا من حرب أخرى!!
هكذا كان الوضع في جزيرة العرب، ومثله في العالم كله، وكما تبيَّن لنا فإنه لم يكن على الحقِّ في كل هذه الحضارات -إن جاز أن نسمي هذه التجمعات بالحضارات- إلا أفراد قلائل، وقلائل جدًّا.

المصدر: كتاب ( أخلاق الحروب في السنة النبوية) للدكتور راغب السرجاني.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: