الحضارة الإسلامية في بلاد المغرب


بلاد المغرب أو شمال إفريقيا
يرادف لفظ أو مصطلح “المغرب” اصطلاح “شمال إفريقيا”، والذي استعمله الجغرافيون والمؤرِّخون عند الحديث عن المناطق التي تمتد من الحدود الغربية لمصر، وحتى شواطئ المحيط الأطلسي، وكانت بلاد المغرب الأدنى تضم برقة، وطرابلس وتمتد غربًا حتى بجاية أو تاهرت، وقاعدتها مدينة القيروان. أما بلاد المغرب الأوسط فتضم المنطقة الممتدة من تاهرت وحتى وادي ملوية وجبال تازة غربًا، وقاعدتها تلمسان وجزائر بني مزغنة. وأما المغرب الأقصى فيمتد من وادي ملوية وحتى مدينة أسفى على المحيط الأطلسي وجبال درن جنوبًا.

تاريخ الإسلام في بلاد المغرب
تشتمل قصة المغرب على عدة عصور؛ إذ كانت محتلة من قِبَل الرومان قبل الفتح الإسلامي، أما بعد ذلك فكان هـناك عصر الفتح الإسلامي، والذي امتد من سنة (21هـ إلى سنة 98هـ)، بينما بدأ عصر الولاة من (98هـ إلى ما بين 144- 184هـ) حسب اختلاف الولايات، ثم عصر الدول المحلية كالدولة الرستمية (160هـ إلى 296هـ)، ودولة الأدارسة (172هـ إلى 309هـ)، ودولة الأغالبة (184هـ إلى 296هـ)، والدولة العبيدية الفاطمية (297هـ إلى 567هـ)، ثم دولة دولة بني زيرى (398هـ إلى حوالي 540هـ)، ثم دولة المرابطين (487 إلى 558هـ)، فدولة الموحدين (513هـ إلى 609هـ)، والتي توارثت ملكها الدولة الحفصية في تونس، والدولة المرينية في المغرب الأقصى، والدولة الزيانية في الجزائر والتي ألحقت بالخلافة العثمانية، وكانت نهايتها في 962هـ، حتى وقعت الدول المغربية تحت الاحتلال الأجنبي في القرن التاسع عشر [1].

تطور العلوم ببلاد المغرب بعد الفتح الإسلامي
كان الفتح الإسلامي لبلاد المغرب هـو المنبع الأساسي للحياة العلمية فيها، وكان مركز إشعاع العلم في تلك الحقبة المبكرة بل فيما تلاها من أزمنة هـو مدينة القيروان، التي قال فيها صاحب المعالم: “أما القيروان فهي البلد الأعظم والمصر المخصوص بالشرف الأقدم، قاعدة الإسلام والمسلمين بالمغرب، وقطرهم الأفخر، الذي أصبح لسان الدهر عن فضله يعرب، وبشرفه يغرب، قرارة الدين والإيمان، والأرض المطهرة من رجس الكافرين وعبادة الأوثان، قبلتها أول قبلة رسمت في بلاد المغرب، وسجد لله فيها سرا وعلانية، وناهيك بأرض كانت منازل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومحط رحالهم”.

ثم كانت نقطة الانطلاقة بالقيروان إنشاء جامع القيروان الذي كان مسرحا لتدريس العلم على يد الصحابة والتابعين الذين قدموا مع عقبة بن نافع، ومنهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما الذي روى عنه يزيد بن قاسط الإفريقي، وميسرة الزرودي وجاء قوم إليه وهو بإفريقية فلما أرادوا فراقه قالوا: “زودنا منك حديثا ننتفع به”، ولا يخفى تضلع ابن عمر في التفسير واهتمامه به.

وقد قام عقبة ببناء عدة مساجد بالمغربين الأقصى والأوسط، والتي كانت بلا شك مراكز تعليمية وترك صاحبه شاكرا في بعض مدن المغرب الأوسط لتعليم البربر الإسلام، وقد وصل عدد المساجد بالقيروان وغيرها في عصر ازدهارها ثلاثمائة مسجد، ثم جاء بعده حسان بن النعمان الذي خصص ثلاثة عشر فقيها من التابعين، ليعلم البربر العربية والفقه ومبادئ الإسلام.

وثبت أن عكرمة مولى ابن عباس لم يدخل إفريقية غازيا، وإنما دخلها لنشر العلم وكانت دروسه في الحديث والتفسير في جامع عقبة في مجلس بمؤخرة الجامع يقصده الطلاب فيه.

ثم ما كان من موسى بن نصير حيث أمر العرب أن يعلموا البربر القرآن، وأن يفقهوهم في الدين وترك في المغرب الأقصى سبعة وعشرين فقيها لتعليم أهله، وقد بدأت الكتاتيب لتعليم النشء المسلم منذ عهد مبكر في تلك المنطقة الإسلامية الجديدة، فعن غياث بن شبيب أنه قال: “كان سفيان بن وهب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بنا ونحن غلمة بالقيروان ويسلم علينا ونحن في الكتاب وعليه عمامة قد أرخاها من خلفه”.

وكانوا يتعلمون في تلك الكتاتيب الحديث الشريف والسنن بالإضافة لحفظ القرآن وتعلم إعرابه وترتيله والشكل والهجاء، والخط الحسن والدعاء والتدرب على الخطابة، وتعلم الوضوء والصلاة [2].

تعدد مراكز العلم وانتشار العلماء
ولم تقتصر مراكز العلم في بلاد المغرب على القيروان فقط، بل تعددت مراكز العلم، فإلى جانب جامع عقبة بالقيروان كان هـناك جامع الزيتونة بتونس وجامع القرويين بفاس، كما وقد اشتهر الولاة والأمراء بحذقهم للعلوم واللغات والفنون والآداب، مثل: إبراهيم بن الأغلب الذي أجاد الشعر والبلاغة، والمعز لدين الله العبيدي الفاطمي الذي تكلم عدة لغات كالبربرية والرومية والسودانية.

وبرز في إفريقية العديد من العلماء المتخرجين من جامعة القيروان، فاشتهر في اللغة والأدب: ابن الطرماح وأحمد اللؤلؤي ومحمد بن جعفر القزاز، وفي الفلسفة: أبو بكر القمودي وسعيد بن الحداد، كما تأسست بالقيروان مدرسة للطب واشتهر فيها عدد من الأطباء، مثل: إسحاق بن عمران ومحمد بن الجزار وخاصة أحمد بن الجزار صاحب كتاب “زاد المسافر”

كما تطور علم الجغرافيا واستغل في أغراض تطبيقية كالتجارة، وعلم التاريخ والأنساب وقد اشتهر فيه ابن حيان وابن حزم القرطبي والقاضي النعمان.

ابن رشد الفقيه والقاضي والطبيب والفيلسوف
وقد ساهم المغرب الإسلامي مساهمة فعالة في إثراء الحضارة الإسلامية خاصة في المجال الفكري فبرز العديد من المفكرين ومن أبرزهم ابن رشد الفقيه والقاضي والفيلسوف والطبيب، صاحب: “تهافت التهافت” و”فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال” و”الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة” و”الكليات في الطب”، والذي شرح فلسفة أرسطو ونقلها إلى الغرب ولخص مؤلفات جالينوس في الطب وأقبل الغرب المسيحي على مؤلفاته باعتباره أبرز مفكري التيار العقلاني داخل الفكر العربي الإسلامي ومرجعا هـاما في الفكر الأوروبي، فشكَّل بذلك نقطة تواصل وتفاعل بين الثقافتين الإسلامية والمسيحية.

الإدريسي الطبيب والجغرافي
كما أفرزت الحضارة الإسلامية ببلاد المغرب عالما اشتهر بمؤلفاته الجغرافية رغم انه كتب في علم النبات والأدوية وهو الإدريسي، صاحب “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” و”الأدوية المفردة”. وقد أسس الإدريسي جغرافيته على مفاهيم علمية صحيحة أهمها كروية الأرض ووجود خط الاستواء والأقاليم المناخية وتأثير الجبال في تكييف المناخ وتوجيه الرياح ونزول الأمطار، كما أنجز الإدريسي خريطة العالم المعروف في ذلك الوقت على شكل كروي وذلك قبل أن يثبت العلم الحديث صحة هـذا الشكل.

وتجاوز الإشعاع العلمي لبلاد المغرب حدود المنطقة الإفريقية حيث انتقل الإدريسي إلى جزيرة صقلية وعاش في قصر ملكها روجار الثاني الذي كلفه بتأليف كتاب شامل في وصف مملكته والبلدان المعروفة في ذلك العهد.

ولم يقتصر دور الحضارة العربية الإسلامية ببلاد المغرب على العلوم والثقافة، بل تجاوز ذلك إلى الفنون والعمران بما جعله قادرا على الإسهام في تطوير التراث الإنساني وإثرائه بإضافات بناءة كانت منطلقا للنهضة الأوروبية الحديثة.

ازدهار فن العمارة الإسلامية ببلاد المغرب
شهد المغرب الإسلامي نهضة عمرانية لم يسبق لها مثيل، تميزت بتعدد المدن إلى حد بروز شبكة حضرية متكونة من مدن كبرى ووسطى وصغرى، واشتهرت المدن الهامة بتنوع خصوصياتها المعمارية كالجوامع والقصور المتميزة بأشكالها الفنية المزخرفة.

أ – تعدد المدن الكبرى بالغرب الإسلامي
تأسست بالغرب الإسلامي شبكة حضرية متمحورة حول المدن الكبرى التي أسسها الأمراء واتخذوها عواصم لدولهم وقواعد لجيوشهم، مثل: القيروان وفاس وسجلماسة وتيارت (تاهرت) وقرطبة بالأندلس، ونشأت المدن المتوسطة والصغرى على طول المسالك والطرقات التي اتجهت نحو المشرق وباتجاه بلاد السودان جنوبا.

– مدينة القيروان: تم اختيار موضع القيروان على سهل فسيح، حيث شيدت على أنقاض حصن بيزنطي من طرف عقبة بن نافع. وكانت القيروان في موقع حصين بعيدة عن البحر لتفادي غزوات البيزنطيين، وهي في سهل خصب تتوفر به المراعي وعلى طريق المسالك التجارية الرابطة بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب. وفي عهد الخليفة هـشام بن عبد الملك تم تجهيز المدينة بفسقيات وهي مواجل كبيرة الحجم تقع شمال المدينة وجنوبها تجمع بها المياه لحاجة السكان، كما توسعت أسواقها وأحيطت بسور يبلغ عرضه خمسة أمتار، وامتدت المدينة خاصة في العهد الأغلبي فشيدت القصور خاصة في العباسية ورقَّادة وصبرة المنصورية، وازدهرت صناعاتها وقصدها الناس من كل مكان للتعلم والتجارة والإقامة حتى أصبحت من أهم الحواضر الإسلامية.

– مدينة المهدية: تقع المهدية على الساحل الشرقي لإفريقية، أسسها عبيد الله المهدي سنة 302هــ على موقع روماني قديم يسمى جُمَّة واختارها عاصمة للدولة الفاطمية عوضا عن القيروان. وقسم المهدي عاصمته إلى قسمين، أحدهما مقر الدولة والجامع والأسواق ودار الصناعة والميناء المنقور في الصخر ويدعى المهدية وأحاطها بسور، والثاني لعامة الناس ويدعى زويلة ويفصل بين المدينتين باب الفتوح. ولا تزال معالم المهدية الفاطمية قائمة إلى يومنا هـذا شاهدة على شموخ الحضارة الإسلامية بالمغرب الإسلامي رغم الحروب والحملات التدميرية التي تعرضت لها.

– مدينة سجلماسة: هـي مدينة صحراوية تقع في تافيلالت تنطلق منها القوافل التجارية إلى بلاد السودان جنوبا وإلى فاس شمالا. تأسست سجلماسة سنة 140هــ لتكون عاصمة لبني مدرار الصفريين ومركزا تجاريا صحراويا هـاما. شيدت بها القصور والمصانع والمساجد ولها سور يفتح بواسطة 12 بابا ولها أرباض كثيرة. وكان ازدهار سجلماسة مرتبطا بنشاط التجارة الصحراوية حيث تراكمت إيرادات الذهب من بلاد السودان، ومرت بها القوافل قادمة من فاس وأغمات والسوس والسودان وحققت تجارتها أرباحا طائلة.

– مدينة فاس: أنشأها الأدارسة سنة 172هــ، وتقع أسفل جبال الأطلس الأوسط في سهل فسيح، واشتهرت بجامع القرويين الذي يعتبر من أهم معالم المدينة إلى يومنا هـذا.

تعتبر هـذه المدن الكبرى أمثلة معبرة عن حركة التعمير والتمدين، التي شهدها الغرب الإسلامي بعد الفتح ولا تزال هـذه المدن قائمة إلى اليوم لتؤكد تواصل الحضارة الإسلامية ببلاد المغرب، على عكس المدن التي شيدت زمن الفينيقيين والرومان والبيزنطيين والتي لم يبق منها سوى بعض الآثار.

ب – تطور فن العمارة بالمغرب الإسلامي
يبرز ازدهار الفن المعماري ببلاد المغرب من خلال العمارة الدينية والمتمثلة في المساجد والجوامع والرباطات، والعمارة المدنية المتكونة من القصور والمنازل والمنشآت المائية الكبرى.

– المساجد والجوامع: شيدت المساجد والجوامع في جميع مناطق المغرب الإسلامي بالأرياف والمدن، وهي تدل على متانة العلاقة القائمة بين السكان والدين الجديد. وكانت خطة بناء الجوامع متشابهة حيث تكوَّن أغلبها من الصحن وقاعة الصلاة والمحراب مع تواجد الأعمدة الرخامية والشمسيات البلورية والقباب.

ويعتبر جامع القيروان من أهم المنشآت الدينية ببلاد المغرب، شيّد على مراحل عديدة وتم توسيعه عدة مرات. تنقسم قاعة الصلاة إلى 17 بلاطة أعرضها البلاطة الوسطى التي تؤدي إلى المحراب، ويقوم الجامع على أعمدة تعلوها تيجان ومسندات خشبية وحوامل عقود وعقود تضمن الإضاءة والتهوية، ويضم الجامع قبة المحراب وقبة البهو ومنارة قاعدتها ذات شكل مربع تعلوها قبة، أما المحراب فتغطيه لوحات رخامية تعلوها الزخارف الجصية والخشب المذهب.

– الرباطات: الرباط منشأة دينية وتعليمية وعسكرية تبنى على السواحل لمراقبتها من الغزوات البحرية، وكانت الرباطات عبارة عن حصون دفاعية تتكون من عدة غرف ومسجد وتوجد أبراج دائرية في زواياه ويحتوي كل رباط على منارة مستديرة الشكل. ومن أهم الرباطات ما شيد على ساحل سوسة والمنستير وكذلك رباطات المدن المغربية.

– القصور: يعتبر تشييد القصور دليلا على أوج الرخاء الاقتصادي والرفاه الاجتماعي الذي تحقق خاصة للفئات الثرية المقيمة بالمدن وخاصة بالقيروان، مثل: قصر الصحن برقادة وكان يتكون من 109 غرفة ويحيط به سور ضلعه 104 مترا. كما تعددت القصور بفاس وسجلماسة، ولا تزال آثار هـذه القصور قائمة إلى اليوم.

وتميزت العمارة المغربية بالزخرفة كالنقوش والعقود والأعمدة والتيجان والحنيات، وكانت هـذه الأشكال الفنية تنحت وتنقش على الرخام والحجارة والجص والخشب إضافة إلى الرسوم والألوان التي زيَّنت المواد الخزفية، وتكونت من أشكال طبيعية مثل ورق العنب والبراعم وجريد النخل، إضافة على الأشكال الهندسية كالظفائر المعقدة والحروف العربية المكتوبة بالقلم الكوفي.

خاتمة
كانت بلاد المغرب قبل الفتح الإسلامي خاضعة لقوى أجنبية متتالية كالفينيقيين والرومان والبيزنطيين ولم يكن للبربر والأفارقة دور هـام في الحضارة المغربية بل كانوا مستغلين من طرف الغزاة عن طريق الجباية والتجنيد والعبودية والسبي.

فعلى مر العصور لم يدخل البربر التاريخ البشري ولم تكن مساهمتهم في الحضارة الإنسانية هـامة إلى حين دخولهم الإسلام. ومثَّل فتح بلاد المغرب منعرجا حاسما في تاريخ المنطقة حيث اندمجت العناصر المحلية في المجتمع الجديد؛ ليحصل التلاقح الثقافي بين المسلمين والبربر ومهَّد لنشأة حضارة مضيئة في تاريخ الإنسانية لا تزال معالمها قائمة إلى يومنا هـذا [4].

[1] انظر:ابن عبد الحكم: فتوح مصر والمغرب. المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب. ابن سعيد: المغرب في حلى المغرب. ابن عذاري: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب. الناصري: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. محمود شاكر: التاريخ المعاصر – 14، تاريخ بلاد المغرب. حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب العربي والأندلس. والدكتور علي محمد الصلابي: الفتح الإسلامي في الشمال الإفريقي.
[2] أبو زيد الدباغ وابن ناجي: معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، 1/ 6.
[3] محمد بن رزق طرهوني: التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا، 1/ 48 – 51.
[4] نعيم الغالي: الفتح الإسلامي لبلاد المغرب وأبعاده الحضارية، موقع منارات إفريقية، فبراير 2015م.

قصة الإسلام

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: