الحلقة الأولى من سورة الحشر و موضوعها: إجلاء يهود بنى النضير وبيان حكم الفيء ( بقلم الأستاذ علي زين العابدين الحلو )

سلسلة الكلام الحلو:على زين العابدين الحلو:وموضوعات القرآن الكريم:والحلقة الأولى من سورة الحشر..و موضوعها((اجلاء يهود بنى النضير وبيان حكم الفىء))..
ومع قول الله تعالى:( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم ( 1 ) هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ( 2 ) ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ( 3 ) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ( 4 ) ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ( 5 ) )

يخبر تعالى أن جميع ما في السماوات وما في الأرض من شيء يسبح له ويمجده ويقدسه ، ويصلي له ويوحده .
وقوله : ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ) يعني : يهود بني النضير .
كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لما قدم المدينة هادنهم وأعطاهم عهدا وذمة ، على ألا يقاتلهم ولا يقاتلوه ، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه ، فأحل الله بهم بأسه الذي لا يرد ، وأنزل عليهم قضاءه الذي لا يصد ، فأجلاهم النبي – صلى الله عليه وسلم – وأخرجهم من حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها المسلمون ، وظن بنو النضيرأنها مانعتهم من بأس الله ، فما أغنى عنهم من الله شيئا ، وجاءهم ما لم يكن ببالهم ، وسيرهم رسول الله وأجلاهم من المدينة فكان منهم طائفة ذهبوا إلى أذرعات من أعالي الشام وهي أرض المحشر والمنشر ، ومنهم طائفة ذهبوا إلى خيبر .
وكان قد أنزلهم منها على أن لهم ما حملت إبلهم ، فكانوا يخربون ما في بيوتهم من المنقولات التي يمكن أن تحمل معهم ; ولهذا قال : ( يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ) أي : تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله وخالف رسوله ، وكذب كتابه ، كيف يحل به من بأسه المخزي له في الدنيا ، مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم .
ولنذكر ملخص غزوة بني النضير على وجه الاختصار وكان سبب ذلك فيما ذكره أصحاب المغازي والسير : أنه لما قتل أصحاب بئر معونة ، من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكانوا سبعين ، وأفلت منهم عمرو بن أمية الضمري ، فلما كان في أثناء الطريق راجعا إلى المدينة قتل رجلين من بني عامر ، وكان معهما عهد من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأمان لم يعلم به عمرو فلما رجع أخبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” لقد قتلت رجلين ، لأدينهما ” وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد ، فخرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى بني النضير يستعينهم في دية هذين الرجلين ، وكان منازل بني النضير ظاهر المدينة على أميال منها شرقيها .
ثم خرج رسول الله إلى بني النضير ، يستعينهم في دية هذين القتيلين من بني عامر اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري ; للجوار الذي كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عقد لهما ، وكان بين بني النضير ، وبني عامر عقد وحلف .
فلما أتاهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يستعينهم في دية هذين القتيلين قالوا : نعم ، يا أبا القاسم ، نعينك على ما أحببت ، مما استعنت بنا عليه .
ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه – ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى جنب جدار من بيوتهم – فمن رجل يعلو على هذا البيت ، فيلقي عليه صخرة ، فيريحنا منه ؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم ، فقال : أنا لذلك ، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – في نفر من أصحابه ، فيهم أبو بكر ، وعمر ، وعلي رضي الله عنهم .
فأتى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الخبر من السماء بما أراد القوم ، فقام وخرج راجعا إلى المدينة فلما استلبث النبي – صلى الله عليه وسلم – أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه ، فقال : رأيته داخلا المدينة .
فأقبل أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى انتهوا إليه ، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به ، وأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم . ثم سار حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصون ، فأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقطع النخل والتحريق فيها . فنادوه : أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه ، فما بال قطع النخل وتحريقها ؟ وقد كان رهط من المنافقين من بني عوف بن الخزرج ، منهم عبد الله بن أبي بن سلول ، ووديعة ، ومالك بن أبي قوقل ، وسويد ، وداعس ، قد بعثوا إلى بني النضير : أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم ، إن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم ، فتربصوا ذلك من نصرهم ، فلم يفعلوا ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، فسألوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يجليهم ويكف عن دمائهم ، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ، ففعل ، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل ، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه ، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به .
فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام وخلوا الأموال إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فكانت لرسول الله خاصة يضعها حيث شاء ، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار . إلا أن سهل بن حنيف ، وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا ، فأعطاهما رسول الله – صلى الله عليه وسلم . ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان : يامين بن عمير بن كعب بن عمرو بن جحاش وأبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها . قال : ابن إسحاق : قد حدثني بعض آل يامين : أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال ليامين : ” ألم تر ما لقيت من ابن عمك ، وما هم به من شأني ” .
فجعل يامين بن عمير لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله فيما يزعمون . قال ابن إسحاق : ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها . فقوله : ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ) يعني : بني النضير ( من ديارهم لأول الحشر ) .عن ابن عباس قال : من شك في أن أرض المحشر ها هنا – يعني الشام فليتل هذه الآية : ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ) قال لهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” اخرجوا ” . قالوا : إلى أين ؟ قال : ” إلى أرض المحشر ” .وقوله : ( ما ظننتم أن يخرجوا ) أي : في مدة حصاركم لهم وقصرها ، وكانت ستة أيام ، مع شدة حصونهم ومنعتها ; ولهذا قال : ( وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ) أي : جاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال .وقوله : ( وقذف في قلوبهم الرعب ) أي : الخوف والهلع والجزع ، وكيف لا يحصل لهم ذلك وقد حاصرهم الذي نصر بالرعب مسيرة شهر ، صلوات الله وسلامه عليه . وقوله : ( يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ) وهو نقض ما استحسنوه من سقوفهم وأبوابهم ، وتحملها على الإبل ،وقال مقاتل بن حيان : كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقاتلهم ، فإذا ظهر على درب أو دار ، هدم حيطانها ليتسع المكان للقتال . وكان اليهود إذا علوا مكانا أو غلبوا على درب أو دار ، نقبوا من أدبارها ثم حصنوها ودربوها ، يقول الله تعالى : ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) .
وقوله : ( ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ) أي : لولا أن كتب الله عليهم هذا الجلاء ، وهو النفي من ديارهم وأموالهم ، لكان لهم عند الله عذاب آخر من القتل والسبي ، ونحو ذلك ، قاله الزهري ، عن عروة ، والسدي ، وابن زيد ; لأن الله قد كتب عليهم أنه سيعذبهم في الدار الدنيا مع ما أعد لهم في الآخرة من العذاب في نار جهنم .
وقوله : ( ولهم في الآخرة عذاب النار ) أي : حتم لازم لا بد لهم منه .وقوله : ( ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ) أي : إنما فعل الله بهم ذلك وسلط عليهم رسوله وعباده المؤمنين ; لأنهم خالفوا الله ورسوله ، وكذبوا بما أنزل الله على رسله المتقدمين في البشارة بمحمد – صلى الله عليه وسلم – وهم يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم ، ثم قال : ( ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ) .
وقوله تعالى : ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ) اللين : نوع من التمر ، وهو جيد .وذلك أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لما حاصرهم أمر بقطع نخيلهم إهانة لهم ، وإرهابا وإرعابا لقلوبهم . فروى محمد ابن إسحاق ، عن يزيد بن رومان ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان أنهم قالوا : [ فبعث بنو النضير ] يقولون لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – : إنك تنهى عن الفساد ، فما بالك تأمر بقطع الأشجار ؟ فأنزل الله هذه الآية الكريمة ، أي : ما قطعتم وما تركتم من الأشجار ، فالجميع بإذن الله ومشيئته وقدرته ورضاه ، وفيه نكاية بالعدو وخزي لهم ، وإرغام لأنوفهم . ، عن ابن عباس ، في قوله : ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ) قال : يستنزلونهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل ، فحاك في صدورهم ، فقال المسلمون : قطعنا بعضا وتركنا بعضا ، فلنسألن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : هل لنا فيما قطعنا من أجر ؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر ؟ فأنزل الله عز وجل : ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ) . .والى لقاء آخر ان شاء الله لبيان حكم الفىء فابقوا معنا.علي زين العابدين الحلو

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: