الخبيرة البيداغوجية التونسية سلوى العباسي بن علي لـ”الخبر” الجزائرية :”التعليم بالعامية سيؤدي إلى تأخر الوعي لدى الطفل”

الخبيرة البيداغوجية التونسية سلوى العباسي بن علي لـ”الخبر” الجزائرية :”التعليم بالعامية سيؤدي إلى تأخر الوعي لدى الطفل”

 

على إثر الجدل القائم بالجزائر على خلفية عزم وزيرة التربية الجزائرية نورية بن غبريط رمعون إبدال اللغة العربية الفصحى باللهجة العامية في المناهج التعليمية في مرحلتها الأولى أجرت جريدة الخبر حوارا مع الخبيرة البيداغوجية التونسية سلوى العباسي بن علي للبحث حول خطورة هذا الموضوع
ننقل الحوار من صحيفة الخبر وهوة الآتي:

تعتبر سلوى بن علي العباسي، وهي واحدة من أبرز خبراء التربية والبيداغوجيا التعليمية في تونس، أن طرح فكرة التعليم باللغة الأم أو العامية مشروع مردود ومرفوض علميا، وتؤكد في مقابلة مع “الخبر” أن الأبحاث البيداغوجية أثبتت أن التعليم بالعاميّة لا يؤدي ضرورة إلى تعلم قواعد اللغة الفصيحة ونظامها السليم، بل بالعكس سيؤدي إلى نتائج عكسية تؤخّر حصول الوعي لدى الطفل.
هل سبق أن طُرح مقترح التدريس باللغة الأم والعاميّة في تونس؟
لم تطرح المدرسة التونسية على مدى الأنظمة السياسية المتعاقبة، منذ الاستقلال وخلال كلّ المشاريع الإصلاحيّة المقترحة لسنة 1958 وسنة 1991 وسنة 2002 وحتّى بعد ثورة جانفي 2011 وإلى سنة 2015، قضيّة التدريس باللهجة العاميّة. المسألة أثيرت ثقافيا وإبداعيّا في إطار مباحث لسانيّة معجميّة في بداية السبعينيات ضمن ما عُرف وقتها بمعركة “الدّارجة والفصحى”، وفي إطار النقاشات الفكريّة التي فجّرها مثّقفو “حركة الطّليعة” وأغلبهم من الجامعيين والباحثين اللسانيين، حتّى حسم الوزير الأديب ذو التوّجه الصفويّ محمود المسعدي الأمر، وكان الانتصار بيّنا للفصحى الذي انعكس مباشرة على الخيارات التربويّة الكبرى.
يحتدم في الجزائر جدل حول التدريس باللغة الأم أو العامية في السنوات الأولى؛ كخبيرة بيداغوجية هل يستند هذا إلى أساس بيداغوجي وعلمي؟
لكي نحسم الأمر تعليميا وبيداغوجيا علينا أن نميّز في البدء بين ثالوث من المفاهيم: “الاكتساب” و«التعلّم” و«التملّك”، أمّا الاكتساب فمجاله التعلّم الطبيعيّ للسان من الألسنة، وينشأ دون حاجة مباشرة إلى الوعي الصناعي أو العلميّ بمكوّنات ذلك اللسان ونظامه النحويّ لأنّه مخزون الذّاكرة التواصليّة من الأصوات ومعانيها بعد إنجاز كمّ هائل من التبادلات الخطابية بين الأفراد في محيطهم اللغويّ الأصليّ أو “الأصيل”، فهو تعلّم فطريّ حدسيّ تنتجه الملكة وجوهره “تحصيل المعاني”، وهو الذي أجاز اعتبار العاميّة أسبق من الفصحى ومعاملتها معاملة اللغة الأمّ.
أمّا “التعلّم” فهو فعل واع يحدث استجابة لفعل يسبقه هو “التّعليم” فمجاله مؤسسّي مبرمج ومدروس، تنشئه المدرسة على نحو ما، وتسعى قدر الإمكان إلى أن تكسب متعلميها جرّاءه قواعد لسان مقروء مكتوب، ومنها التركيز على الأشكال والقوالب وعلى قواعد ذلك النّظام.
بيداغوجيا هل يمكن الاعتماد على اللغة العامية لتعليم اللغة الفصحى؟
علينا أن نعترف- تعليميّا وعلميّا- أنّ تعليم الفصحى بالعاميّة لا يؤدّي ضرورة إلى تعلّم قواعدها الفصيحة ونظامها السليم، بل بالعكس سيؤدي إلى نتائج عكسية تؤخّر حصول الوعي النظاميّ أو الصناعيّ بقواعدها، مثلما أنّ تعليم القواعد النحويّة للفصحى بصفتها أشكالا وقوالب مجرّدة من المعاني مفصولة عن سياقاتها التداوليّة الحيّة وعن ذاكرتها الخطابيّة لا ينجم عنه تعلّم يضاهي اكتساب ما هو فطريّ أو طبيعيّ أو عاميّ، فهو لا يعني حصول الدرجة المطلوبة من “التملّك” التي نلاحظ فيها تقلّص الأخطاء وتحسّن المستوى، فالأمر منحصر بين استعمال القاعدة وقاعدة الاستعمال.
كيف يمكن تجاوز المشكلات اللغوية في التعليم في السنوات الأولى، وما هي الحلول التي يجدر اتّباعها؟
أن تستثمر الفصحى المؤسسيّة صلاتها القريبة والبعيدة بالعاميّة، باستدعاء الرّصيد اللسانيّ المودوع في الذّاكرة الخطابيّة للمتعلّم عبر توظيف التواصل وتنويع أوضاع الخطاب. فالاستثمار يكون استثمارا دلاليا بالأساس يستعير الأنساق والعمليات التبادليّة التي تقع في محيط الاكتساب، ويوظّف مفهوم “النّشاط اللغويّ” ليشغّل المهارات التواصلية ويلبّي أغراض الكلام، لكن مع العمل على تخليص الألسنة من آثار ذلك التلهيج وتقليص عدد الأخطاء ومجابهة ضعف المستويات اللغوية وضمور سجلاتها، إضافة إلى شحذ السماع والتلقيّ باللغة الفصحى وتكثيف تمارين القراءة والكتابة وتنويع المقروء والمكتوب باستخدام الوسائط والبرمجيات الرقمية والألعاب والخارطة الذّهنية والمسرحة والفنون واتباع مناويل استكشافية وتفاعلية تبني المشاريع وتستعين بالبرمجيات الرقمية الحديثة، وتنفتح على المحيط الثقافي الاجتماعي للمتعلّم الجزائريّ لتصبح اللغة العربية أداة تواصل مع ذلك المحيط وأفق تفاعل مع العالم.
إلى أي حد يمكن أن يشكل التدريس بالعامية الهويّة التعليميّة للمجتمعات المغاربية؟
الخطر محدق بالمدرسة وبقيمة المعرفة وبالذاكرة الثقافية للمجتمعات المغاربية، وهذا يتطلب أولا تحديد مكانة تلك اللغة العربية وحماية تشريعيّة ثانيا، كما هو الحال في تونس، فالتشريع اللسانيّ يعطي مشروعية لحسم المسألة شرط أن تقع الاستفادة من محصلات علوم النفس و«اللسانيات العرفانيّة” والأبحاث التعليميّة من أجل بلوغ نتائج بيداغوجيّة مقنعة سهلة التجراب والتطبيق والتطوير.
هل يثار في تونس جدل حول أولوية تدريس اللغة الإنجليزية كلغة ثانية بدلا من اللغة الفرنسية؟
اللغة العربية في تونس محميّة قانونا، وإن كانت تزاحمها اللغة الفرنسيّة بدرجة أولى وبقيّة اللغات الأجنبيّة بدرجة ثانية في علاقتها بالموادّ العلميّة المدرّسة. لكن الإشكال قائم حول مدى وجاهة تقديم تدريس الفرنسيّة والإنجليزيّة في الأقسام الأولى من المرحلة الابتدائيّة ومدى خطر ذلك التقديم أو أثره في تلك اللغة الوطنيّة الأمّ، مما لا يجعل العربية في منأى عن قضايا التداخل اللسانيّ.

حاورها :مراسل “الخبر” عثمان لحياني

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: