الخشوع

* قال ابن فارس رحمه الله: “الخاء والشين والعين أصل واحد، يدل على التطامن”([1]).

* وقال ابن منظور: “خشع يخشع خُشُوعاً واختشع وتخشَّع: رمى ببصره نحو الأرض وغضَّه وخفض صوته.. وقيل: الخشوع قريب من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن، وهو الإقرار بالاستخذاء، والخشوع في البدن والصوت والبصر، كقوله تعالى: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} (القلم: 43)، وقوله تعالى: {وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً} (طه: 108)، أي: سكنت. وكل ساكن خاضع خاشع.. والتخشع: تكلف الخشوع ..”([2]).

* وقال الجرجاني: “الخشوع والخضوع والتواضع بمعنى واحد”([3]).

* الخشوع اصطلاحاً:

* قال الجنيد يرحمه الله: “الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب”([4]).

* وقال ابن رجب يرحمه الله: “وأصل الخشوع هو: لينُ القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء؛ لأنها تابعة له، كما قال صلى الله عليه وسلم: “ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب”([5])”([6]).

* أهمية الخشوع:

تبدو أهمية الخشوع من خلال الأمور التالية:

– أن الخشوع روح العبادة ولبها، وبه يعظم عند الله أجرها، ويظهر على العبد أثرها.. ولهذا قال بعض أهل العلم: “صلاة بلا خشوع جثة هامدة بلا روح”([7]).

قال الإمام الغزالي يرحمه الله: “حضور القلب هو روح الصلاة”([8]).

– “أنها صفة أهل العلم والدعوة الذين باشر العلم قلوبهم” فأوجب لها السكينة والخشية؛ وهل يمكن أن يخرج من صلاته ولا حظ له فيها؟! نعم. وفي هذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رب قائم ليس له من قيامه إلا السهر”([9])، ولأحمد: “رب قائم حظه من صلاته السهر”، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: “ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها”([10]).

– أن الخشوع من صفات الأنبياء المخلصين، وعباد الله المؤمنين، قال الله تعالى مادحاً أنبياءه: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (الأنبياء: 90)، وقال عز وجل مادحاً أولياءه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ {1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (المؤمنون: 1-2)، فجعل من أجلِّ صفاتهم بعد الإيمان خشوعهم في صلاتهم، فما أحرانا أن نتأسى بأنبيائه المكرمين وأوليائه الصالحين.

– أن حظَّ المرء من صلاته –بل من عباداته كلها- بقدر خشوعه فيها كما قال صلى الله عليه وسلم: “إن العبد ليصلي الصلاة ما يكتب له منها إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها”([11]). قال سلمان رضي الله عنه: “الصلاة مكيال؛ فمن أوفى، أوفى له، ومن طفف، فقد علمتم ما قال الله للمطففين”.

– أن الخشوع يُشعِر المرء بلذة العبادة؛ حتى تصبح قرة عينه، وسعادة فؤاده، وانشراح صدره، وراحة باله، كما قال صلى الله عليه وسلم: “وجعلت قرة عيني في الصلاة”([12])، وقال صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله: “أرحنا بها يا بلال”([13]).

* فضائل الخاشعين:

لقد امتدح الله عز وجل الخاشعين، وأسبغ عليهم من فضله العظيم، ووعدهم بالثواب الجسيم، وإليك طرفاً من تلك الفضائل، وشيئاً من تلك النوائل:

1- الخشوع سبب للفلاح والنجاة:

قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ {1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}، فجعل الحق عز وجل من أول صفات المؤمنين المفلحين خشوعهم في صلاتهم، وبشرهم بالفردوس، وجعلهم فيها مكرمين خالدين.

2- المغفرة والأجر العظيم:

جعل الله عز وجل الخاشعين والخاشعات من الفائزين بمغفرته وأجره فقال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} (الأحزاب: 35)، إلى قوله عز وجل: {وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ}، ثم قال في آخر الآية: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}. قال صلى الله عليه وسلم: “ما من مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأت كبيرة وذلك الدهر كله”.

3- الخشوع سبب في تيسير موقف العبد بين يدي مولاه:

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه؛ فمن قام بحق الموقف الأول هون عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفه حقه شدد عليه ذلك الموقف”. قال الله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً {26} إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً} (الإنسان: 26-27).

{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (الزمر: 23).

قال ابن رجب رحمه الله: “ولين القلوب: هو زوال قساوتها لحدوث الخشوع فيها والرقة”([14]). قال مالك بن دينار: “ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب، وما غضب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم”.

كما عاتب الحق عز وجل فئة من المؤمنين على عدم الخشوع فقال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد: 16).

* الترهيب من عدم الخشوع في الصلاة خاصة:

لما كانت الصلاة هي عمود الدين وركنه الأعظم، بعد الشهادتين، فإن الإخلال بها أو الانتقاص منها يعد استهانة وانتقاصاً لركن عظيم من أركان الإسلام. وقد روي أن الإمام أحمد رحمه الله قال: “كل مستخف بالصلاة مستهين بها هو مستخف بالإسلام مستهين به، وإنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة. فاعرف نفسك يا عبدالله، واعلم أن حظك في الإسلام وقدر الإسلام عندك بقدر حظك من الصلاة وقدرها عندك، واحذر أن تلقى الله عز وجل ولا قدر للإسلام عندك، فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك”([15]).

* خشوع الجوهر والمظهر:

خشوع الجوهر (القلب) هو الأصل، وخشوع المظهر (الجوارح) تابعاً له. قال الإمام ابن القيم: وأجمع العارفون على أن “الخشوع” محله القلب، وصورته على الجوارح وهي تظهره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “التقوى ها هنا”، وأشار إلى صدره ثلاث مرات([16]).

* خشوع الآخرة:

أما الذين خشعوا لله عز وجل وخضعوا له وأشفقوا منه في الدنيا، فسيبدل الله خوفهم أمناً وسكينة، وخشيتهم وبكاءهم ضحكاً وسروراً وطمأنينة. وقد أخبرنا الله عز وجل عن قولهم وهم ينعمون في الجنة: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ {27} قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} (الصافات: 27-28)، (أي: خائفين وجلين)، {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ {27} إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} (الطور: 27-28).

أما الذين أعرضوا عن الله عز وجل ولم يخضعوا له، ولا خافوا منه، بل أعرضوا واستكبروا، وضحكوا كثيراً وتجبروا، فسيبدل الله عز وجل في الآخرة استكبارهم ذلاً وصغاراً، وضحكهم بكاءً وحسرة وشقاءً. وستخشع وجوههم وأبصارهم وقلوبهم في ذلك اليوم طويلاً {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} (التوبة: 82).

* آثار الخشوع:

إليك بعض الآثار التي ينبغي أن تظهر جليّاً في قلوب الخاشعين وجوارحهم:

1- الامتثال لأوامر الله:

أي الانقياد لأوامر الله عز وجل وقبولها ومجاهدة النفس للانصياع لها مع الرضا والتسليم، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً} (الأحزاب: 36).

2- مراقبة الحق عز وجل:

أي استشعار العبد لنظر الحق عز وجل إليه، واطلاعه عليه، في سره وعلانيته، وخلوته وجلوته، فالخاشع الحق هو الذي يراقب الله في أعماله وأقواله.. ويؤمن أن الله عز وجل يعلم خلجات فؤاده، ووساوس نفسه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (ق: 16).

3- الصبر على قضاء الله:

من آثار الخشوع على صاحبه استسلامه لقضاء الله وتلقيه بالرضا والصبر، وعدم التسخط والاعتراض؛ ذلك لعلمه أن الله عز وجل يبتلي عبده بالمصائب ليطهره من الذنوب والمعايب، كما قال صلى الله عليه وسلم: “عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له”([17]).

4- البعد عن المعاصي:

الخاشع يستحيي أن يعصي الله عز وجل وهو يوقن أن الله عز وجل يراه ويسمعه. ويتجدد هذا الحياء العاصم من الدنايا في قلب العبد كلما صف قدميه في الصلاة، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} (العنكبوت: 45). فبقدر خشوع العبد فيها وتفهمه لحركاتها وتدبره لأذكارها يكون بعده عن معصية خالقه ومولاه.

5- الإخلاص:

وهو أن يجتهد في إخفاء أعماله وأحواله عن الناس؛ “لئلا يراها الناس فيعجبه اطلاعهم عليها، ورؤيتهم لها، فيفسد عليه وقته وقلبه وحاله مع الله”([18]).

* كيف نخشع في صلاتنا؟

1- معرفة الله بأسمائه وصفاته:

قال ابن رجب رحمه الله: وأصل الخشوع الحاصل في القلب، إنما هو من معرفة الله، ومعرفة عظمته وجلاله وكماله، فمن كان أعرف فهو له أخشع.

2- استشعار اللقاء مع الله ومناجاته([19]):

فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أحدكم إذا صلى يناجي ربه”([20]).

3- عدم الالتفات:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألتُ رسول الله عن الالتفات في الصلاة، فقال: “هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد”([21]).

4- التفهم لهيئات الصلاة وأذكارها:

من الأمور المهمة في دفع الخواطر الشاغلة وقطع الوساوس الصارفة، التدبر لمعاني الآيات والأدعية التي يقرؤها العبد في صلاته، وللحركات التي يؤديها.

5- صلاة المودع:

إن من عوامل زيادة الخشوع أن يستحضر المصلي في قلبه أن هذه الصلاة قد تكون آخر صلاة يصليها في عمره، فيحاول أن يقبل فيها على ربه؛ خائفاً منه، سائلاً إياه المغفرة والرحمة.

6- السكون:

مما يبعث الخشوع في القلب قلة الحركة في الصلاة، وقد امتدح الله عز وجل المصلين بسكون جوارحهم في الصلاة مهابة لله عز وجل فقال عز وجل: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} (المعارج: 23).

7- البعد عن الشواغل:

الأماكن التي يكثر فيها الصخب وترتفع فيها الأصوات مشغلة للمصلي عما يقرأ، وكذلك الثياب المزركشة والبسط المزخرفة ملهية عن صلاته. وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خميصة ذات أعلام، فنظر إلى علمها، فلما قضى صلاته قال: “اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي”([22]).

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: