الدم الحرام

يوم القيامة هو يوم الحساب والقضاء، والوزن والجزاء، يوم يقف فيه جبريل والملائكة صفا بين يدي الرحمن لا ينطقون بكلمة، قال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً} [النبأ:38].

في ذلك اليوم ينكشف كل مستور، ويعلم كل مجهول، ويقف كل فرد وحيداً أمام الملك الديان ليُسأل أولاً عن أمرين: الصلاة والدماء، قال: “إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته”، فالصلاة هي أولى الفرائض العملية التي جاءت لتصديق عقيدة الإيمان.

وقال: “أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء”.

فالله سبحانه يتولى يوم القيامة القضاء والحكم فيما يتعلق بمعاملات الخلق ويكون أول القضايا في الدماء وسفكها بغير حق، وفي الابتداء بالقضاء في قتل النفس بيان لعظم هذه الفعلة الشنعاء المهلكة التي تورّط صاحبها، قال عليه الصلاة والسلام: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً» (رواه البخاري).

فالإنسان يبقى في فسحة وسعة يستحق رحمة الله وعفوه بأعماله الصالحة ما لم يقتل نفساً، فإن قتل نفساً ورّط نفسه فأهلكها، قال ربنا سبحانه: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} [المائدة:32].

فالله تعالى حرم القتل ظلماً في جميع الشرائع وبنو إسرائيل لما فشا فيهم سفك الدماء حتى قتلوا الأنبياء، خصهم في هذه الآية بالذكر وبين تعالى أنه من أجل فعل ابن آدم الأول كتب وفرض أنه من قتل نفساً واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعاً.

لذلك استُبعد العفو عن قاتل النفس؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء:93]؛ فالله تعالى كرّم الإنسان ووهبه الحياة، والقاتل معاند لله.

ولقد ثبت النهي عن قتل الحيوان بغير حق والوعيد على ذلك؛ فكيف بقتل الآدمي؛ فكيف بقتل المسلم؛ فكيف بقتل التقي الصالح، قال: “دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت”؛ هذا في الحيوان.

وقال تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء من الآية:33]؛ هذا في كل نفس معصومة.

وقال: «لزوال الدنيا كلها أهون على الله من قتل رجل مسلم» (رواه النسائي والترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما)، هذا في المسلم الذي رفع الله قدره وأعلى منزلته.

قال ابن عمر رضي الله عنهما: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة، ويقول: «ما أطيبك، وما أطيب ريحك، ما أعظمك وما أعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك: ماله ودمه».

فمكانة المسلم عند الله تعالى وحرمة ماله ودمه أعظم من حرمة الكعبة؛ فمن اعتدى على مال مسلم بأن أخذه منه ظلماً، أو اعتدى عليه بأن قتله فقد ارتكب جرماً يفوق أي اعتداء على الكعبة المشرفة، لذلك حُقَّ لابن عمر أن يقول: “إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله”.

ولنسأل القاتل: ماذا يكون جوابك عندما تسأل يوم الحساب، قال ابن عباس: سمعت نبيكم يقول: «يأتي المقتول متعلقاً رأسه بإحدى يديه -أي حاملاً رأسه بيده- متلبباً قاتله باليد الأخرى -أي قابضاً على عنقه- تشخب أوداجه، أي تجري عروقه دماَ، حتى يأتي به العرش، فيقول المقتول لربّ العالمين: هذا قتلني، فيقول الله عز وجل للقاتل: تعست، ويذهب به إلى النار».

فلو فكر الناس فيما يلحق سفاكي الدماء، من خزي يوم الجزاء؛ ما سفك دم حرام.

عباد الله:

لعلنا اليوم نعيش في الزمن الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قَتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قُتل» (رواه أبو داود).

فها هي الأخبار تذاع كل يوم عن حوادث سفك الدماء لسبب أو لغير سبب، فهذا طالب بدولة غربية يطلق النار على زملائه في المدرسة، وهؤلاء لصوص أو مغتصبين لا يكتفون بجريمة السرقة أو الاغتصاب بل يضيفون إليها القتل، وهذه شعوب يباد أهلها في حروب أهلية، يتقاتل فيها الأقارب.

وإن مما يدمي القلب أن جلّ هذا الاقتتال اللامعقول يقع في بلاد الإسلام، وبذلك يتحقق ما أخبر عنه الصادق الأمين نبينا محمد عليه الصلاة والسلام عندما قال: «إن بين يدي الساعة لهرجاً»، قال الراوي: قلت: “يا رسول الله ما الهرج؟” قال: «القتل»، فقال بعض المسلمين: “يا رسول الله إنا نقتل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا”، فقال رسول الله صلى الله عليه: «ليس بقتل المشركين، ولكن بقتل بعضكم بعضاً حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته»، فقال بعض القوم: “يا رسول الله ومعنا عقولنا ذلك اليوم؟” فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا، تُنزع عقول أكثر ذلك الزمان، ويخلف له هباء من الناس لا عقول لهم» (رواه الإمام أحمد).

صدق رسول الله فهل من العقل ما يقع اليوم من سفك للدماء في بلاد المسلمين.

المصدر: موقع ملتقى الخطباء

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: