الدولة “الساقطة”.. ساقطة.. (مقال/ الكاتب السعودي عبد الله البريدي)

يتوهم البعض أن “السقوط الأخلاقي” سمة للأشخاص فقط دون الدول، وهذا وهم تجب إزالته، فالتاريخ يثبت أن ثمة دولتين لا غير: “دولة أخلاقية” و”دولة ساقطة”.

دولة أخلاقية أو ساقطة
لا أتوخى من هذا المقال سوى التأكيد على الفكرة القائلة إن “الدولة الساقطة أخلاقيا هي ساقطة زائلة لا محالة، غدا أو بعد غد، بسبب تنامي التفكك والتناقض الداخليين، ليكونا بمثابة النار التي تذيب غراء الوحدة وتذهب بريحها”.

ولإقامة الدليل على صحة ما سبق يمكننا التوسل بعدة مداخل، غير أنني أتوسل في هذا المقال ببعض الأفكار والنتائج البحثية في مجال “الهوية” على وجه التحديد، مع وجوب توضيح جملة من الأمور المنهجية قبل الخوض في هذه المقاربة، حيث يتعين علينا التفطن للأمور الآتية:

1- السقوط الأخلاقي للدولة نقصد به عدم الالتزام بالأطر القيمية إزاء التعامل مع الإنسان، سواء أكان ذلك التعامل داخل الدولة أو خارجها، وبعبارة مباشرة يعني التورط بجرائم ضد الإنسان، قتلا وتعذيبا وحبسا وهدرا لكرامته وحريته وعدالته، ولنقل سحقا لإنسانيته.

2- التوصيف السابق لا يعني أننا نقع في أحبولة التزكية المطلقة للدولة، إذ لا دولة “أخلاقية” بإطلاق، ولا وجود أصلا للمدينة الفاضلة في حياة البشر، ولكنها مسألة نسبية، إذ يتوجب الوفاء بمعدلات تمثل حدودا دنيا من المقبول أخلاقيا في سياق التجمعات البشرية وديناميكيتها، تأسيسا ومعاشا وتفاعلا.

مدخل إلى “هوية الدولة”
تتشكل هوية الدولة من مضمون يمنح أفرادها معنى التفرد أو التميز عن أفراد دولة أخرى، وهذا المضمون يمكن إرجاعه إلى ثلاثة مكونات رئيسة: مضمون الـ”نحن”، ومضمون الـ”هو”، ومضمون الرؤية، ويمكن التعريف بهذه المكونات كما يلي:

1- مضمون الـ”نحن”: معنى الجماعة ومعايير الانتماء إليها وغاياتها، تأخذ نواة الدولة بالتشكل حينما تفلح في إيجاد تعريف مقبول لـ”الجماعة الوطنية” التي تشترك في سمات محددة (لغوية ودينية وثقافية واجتماعية وعرقية..)، وبعد إيجاد هذا التعريف تسعى الدولة إلى بلورة “معايير الانتماء” إليها والشروط والالتزامات المترتبة على عضوية الجماعة.

وهذا مكون رئيس في تشكل الدولة، ولا يمكن تصور خلو هذا المكون من البعد الأخلاقي، إن في تعريف الجماعة أو في الانتماء إليها، وذلك أن الأخلاق مغروسة في “الوجدان الجمعي العميق” للإنسان، مما يجعلها تقدم “إشباعا واجبا” لاحتياجات روحية نفسية اجتماعية ملحة.

وتحديد معنى الجماعة ومعايير الانتماء إليها يتطلب الاتفاق على غايات ومصالح مشتركة للجماعة، بحيث يسعى الأفراد المنتمون إليها لتحقيقها عبر ترسيخ الثقة المتبادلة وبث روح التعاون وتوليد معاني التحدي للوصول إلى المنشود من الأهداف والمصالح والتفضيلات المشتركة، مع التأكيد على أن (الغايات التي تريد الجماعة تحقيقها تعتمد على تصورها لكينونتها) [انظر: قياس الهوية، راوي عبد العال وآخرون، 2014، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، ص 33].

2- مضمون الـ”هو”: حدود الجماعة وعلاقاتها، فالمكون السابق (مضمون الـ”نحن”) يحدد “المعنى الذاتي” للجماعة، أي المعنى المنبثق من نظرة الجماعة إلى ذاتها، وهذا أمر مهم ولكنه غير كاف للظفر بـ”هوية مكتملة”، إذ لا يكتمل فهم الجماعة لذاتها إلا بالنظرة إلى الجماعات الأخرى، بما يجعلها قادرة على “التمايز” عن “الآخر”، وهو ما يعكسه “مضمون الـ”هو”.

ويدخل في هذا المكون أيضا تحديد طبيعة العلاقات الواجبة أو الممكنة مع “الآخر”، سلما وحربا، وهذه الأمور لا تستقيم دون الاتكاء على البعد الأخلاقي، فالجماعة لكي تبدو “جذابة ومقنعة” لأفرداها فإنها تظل مفتقرة إلى نوع من “الكاريزما الأخلاقية” أي التميز الأخلاقي، فإن لم تكن أفضل من الجماعات الأخرى أو بعضها فهي ليست بأقل منها، كما في عيون أتباعها.

3- مضمون الرؤية: نموذج معرفي تجاه الحياة، فلا تكتمل هوية الجماعة إلا بتحديد النموذج المعرفي الذي يرسم نظرتها الكلية النهائية للحياة وللماضي والحاضر والمستقبل، وتثبت الوقائع أن الرؤية المعرفية تعد من السمات الرئيسة المائزة لهذه الجماعة عن تلك، لارتباط ذلك بالبعد الديني والثقافي واللغوي الذي يؤمن به أفراد الجماعة وينصاعون له.

وفي ضوء هذه الرؤية يتأسس إطار عام لـ”التفكير الجمعي” تجاه القضايا والأحداث والأشخاص والزمن ماضيا وحاضرا ومستقبلا، ويمكننا القول هنا إن “الجماعة تصنع نظارة ملونة بأطياف كينونتها ونظرتها الكلية للحياة” مع السعي لإلزام أفرادها بارتداء هذه النظارة، ولا تعدم الجماعة آنذاك القدرة على تصنيع “مبررات أخلاقية” لرؤيتها الكلية ونظارتها المعرفية، على نحو يعزز الالتزام بالرؤية المعرفية السائدة المشتركة، والتي ينظر إليها على أنها ممارسة معرفية أخلاقية تحظى بالاحترام والقبول المجتمعين.

لقد بات من المسلم به في العلوم الاجتماعية أن “الهوية الجماعية غير ناجزة”، إذ إنها تقوم دوما بتفاعلات سياقية من شأنها إحداث تغيرات بنيوية في نواتها أو موادها أو غشائها، مما يخلق ما نسميها “أزمة الهوية” أو “المعضلة الهوياتية” التي تتمثل في ديمومة التشكل وفقا لمتغيرات ثقافية ومجتمعية.

ويطرح بعض الباحثين فكرة “الجدل” حول مكونات الهوية أو المضامين الثلاثة التي سقتها آنفا (انظر الكتاب السابق، الفصل الأول)، أي أن أفراد الجماعة (الدولة) يدخلون في جدل لا ينقطع حول “مضمون الـ”نحن” و”مضمون الـ”هو” ومضمون “الرؤية”، مما يعني بالضرورة أن “الهوية الوطنية” في حالة تشكل دائم، وهذا ما لا يفقهه كثيرون في عالمنا العربي للأسف الشديد، حيث يتوهمون أن “الهوية الوطنية” مسألة ناجزة محسومة وبشكل نهائي، معتمدين على بعض العوامل كالتأسيس التاريخي للدولة، وما علموا أن ذلك لا يكفي البتة لحسم “معركة الهوية”.

هوية “الدولة الساقطة”
من المفيد تناول هوية “الدولة الساقطة” عبر المكونات الثلاثة السابقة للهوية الوطنية، مع الإشارة إلى أهم جوانب الخلل أو العطب في هذه المكونات وفق الأطر الأخلاقية، وذلك كما يلي:

1- في الدولة الساقطة يضعف “مضمون الـ”نحن” بالتدريج، بسبب اقتراف جرائم أخلاقية بحق الإنسان، ومع مرور الوقت وتراكم الانتهاكات الأخلاقية يأخذ تعريف هذه الدولة لـ”الجماعة الوطنية” بالتضعضع وتتخلق مشاعر الشك بالمشروعية مع تنامي الشعور بالإحباط والظلم و”الخزي الوطني” المناقض لـ”الاعتزاز الوطني”.

وهنا يشعر الأفراد بمعضلة أخلاقية تفرز لهم توترا متزايدا، بسبب التناقض بين منظومة الأخلاق المثالية للجماعة الوطنية وسلسلة التصرفات العملية غير الأخلاقية التي يرونها واقعا، ويدفعهم هذا إلى توجيه سؤال حول مدى شرعية الالتزام بمعايير هذه الجماعة (الدولة) وتبني تصرفاتها تلك؟ تغلغل البعد الأخلاقي لدى الأفراد من جهة وحاجتهم الفطرية إلى التخلص من التوتر يدفعانهم إلى اعتناق فكرة “التخلي المعنوي” عن عضوية هذه الجماعة (الدولة).

2- الدولة الساقطة لا تعمل في فراغ، بل في بيئة ممتلئة بدول قد تبدو أكثر أخلاقية في نظر أفراد الدولة الساقطة، مما يؤدي إلى إعادة تعريف الجماعة الوطنية وإعادة رسم حدودها وشبكة علاقاتها الواجبة أو المفترضة على أسس جديدة تختلف عن الأسس التي تم إقرارها في مرحلة تأسيس الدولة الساقطة.

وهنا نجد أن “مضمون الـ”هو” يلعب دورا خطيرا في تقويض مضمون الـ”نحن”، وفي هذا السياق أشير إلى أن “الدولة الساقطة” لا يفيدها انصياع بعض المتنفعين لأوامرها أو إملاءاتها، إذ “لكل ساقطة لاقطة”، وفي كل هذا مزيد من التضعضع غير المرئي والانهيار والتناقض الداخلي لهذه الدولة، ولا تفيدها بشيء التمظهرات الشكلانية لـ”الوحدة”، ولو بالغوا في تصوير ذلك في القرارات والتصرفات والشوارع والتجمعات.

3- منهجة الممارسات غير الأخلاقية لـ”الدولة الساقطة” واستمرارها تقود إلى إعادة بلورة “مضمون الرؤية” للجماعة الوطنية، إذ تجهد هذه الدولة إلى “أنماط مضطربة” من تفسير الماضي وشرعنة الحاضر بطريقة تبرر ممارساتها غير الأخلاقية، مع السعي لبلورة المستقبل بقوالب فكرية وأخلاقية تسوغ الاستمرار في التعاطي غير الأخلاقي مع الإنسان، داخليا وخارجيا.

ومثل هذا الأمر يصعب تحقيقه، فالأفراد لديهم حساسية من محاولات “الدولة الساقطة” لتعطيل أجهزتهم المعرفية التي يرون من خلالها الحياة ويفهمون بها العالم من حولهم، وينتج عن هذا المزيد من ذلك التضعضع والانهيار، وربما طوروا نمط “التخلي المعنوي” إلى نوع من “الطلاق البائن” مع دولتهم التي لم يعودوا يؤمنون بأخلاقيتها.

إذن، “الدولة الساقطة” تفتقد القدرة على شد “الجماعة” في “لحمة وطنية متماسكة” ومبررة أخلاقيا، ومؤدى هذا ضمور متنام في “كاريزما الدولة” في عيون مواطنيها، وتخلُّق شعور طاغٍ بـ”الظلم” و”الهوان” و”الهدر” و”الخزي” بجانب أقدار لا تطاق من التوتر جراء ممارسات يرونها “لا أخلاقية” من دولتهم -حكومتهم- تجاه الإنسان، سواء أكان في الداخل أو في الخارج أو معا.

وفي هذا السياق، تتولد اتجاهات سلبية في المحيطين الداخلي والخارجي، حيث ينظر إلى الدولة الساقطة باعتبارها “دولة منافقة”، فلا ثقة في أقوالها ولا في أفعالها، وبهذا كله تتخلق “السوسة في جمّارة الدولة”.. والكارثة أن بعض الساسة ينخدعون بصورة “النخلة الباسقة المثمرة”، ويكتفون بتغذيتها ماء وسمادا (أو يقترضون لفعل ذلك)، وما علموا أن سوسة السقوط تنخر في قلب المشروعية والشرعية.. لتسقط النخلة أو تموت واقفة.

ومثل هذا الطرح التشخيصي العام يوجب على السياسي العربي في هذه المرحلة الحرجة التمعن الدقيق والعمل المتواصل لترسيخ هوية الجماعة الوطنية (أو الهوية الوطنية) بطريقة تحفظ التماسك والوحدة والسيادة.

ولا يتحقق هذا إلا بإثراء المحتوى الأخلاقي الحقيقي للدولة ومراجعة صارمة لسجلاتها وتصرفاتها الأخلاقية تجاه مواطنيها بمختلف أطيافهم وتنوع هوياتهم الفرعية، وتجاه الإنسان القريب والبعيد، مع ما يتطلبه ذلك من محاربة جادة للفساد بكل أصنافه، وضمان دائم للحرية والعدالة والكرامة.

نعم، لا مكان ولا استقرار إلا للدول الأخلاقية القوية التي تعمل بقوة الأخلاق وتلتزم بأخلاق القوة، وأما “الدولة الساقطة” فساقطة لا محالة، “وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا”. وترى البلاد تحسبها صامدة، وهي تمر إلى الخراب!

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: