بالحاج

” الدولة تحتكر الدين .. تتسلط عليه.. و تتسلط به ” … بقلم الأستاذ رضا بالحاج

” الدولة تحتكر الدين .. تتسلط عليه.. و تتسلط به ” … بقلم الأستاذ رضا بالحاج
إن العالم أجمع في طريقه إلى لفظ النظام الرأسمالي (جهنم الدنيا) بمرارات الطبقية و تحكم الأنانية و آلام القمع و القهر و وحشية الدكتاتورية و ويلات الاستعمار.. و هذا العالم يتوجه حثيثا أحيانا أو رويدا أحيانا أخرى إلى بديل نوعي ألا و هو الإسلام، يراه صراحة أو ضمنيا على وجه الإجمال أو بإدراك التفاصيل أنه المنقذ الوحيد من هذا الوحش الرأسمالي.. و ينتظر من يقوم على تقديم الإسلام و تطبيقه بكل أمانة و دون تسلط عليه و لا تسلط به أي كما أراده الله تعالى رحمة للعالمين و هدى و شفاء.. العالم ينتظر الترجمان الفكري لهذا البديل و ينتظر العزائم السياسية و ينتظر صدق الصادقين.. و هذا الإنتظار و الشوق للإسلام بديلا حقيقيا واقعيا في كيان الدولة و نسيج المجتمع هو أبين و أظهر في العالم الإسلامي و منه العربي .. و في سبيل ذلك نشأت صحوة إسلامية عظيمة في العالم الإسلامي ترفض اللاهوت و الكهنوت و ترفض الظلم و التبعية و ترفض العلمانية المقيتة و تتبنى الإسلام منهجا شاملا وافيا كافيا للحياة و قد قدمت هذه الصحوة تضحيات فوق التضحيات و لكن اليوم بعد هذه الآمال العريضة و التضحيات المثالية نلاحظ أن تجار الدين و المدجلين بالدين و المتسترين بالإسلام صفة دون الموصوف يخذلون حركة أمة برمتها نطق بها سياق التاريخ و سهلها بإذن ربها، فإذا بالإسلام على ألسنتهم هو مجرد أشكال و رسوم و نذور و تعويذات.. إذا هو دين بلا حق يكيَّف كل تكييف، و إذا هو دين بلا عدل ينحاز دعاته و أدعياؤه إلى صف الظالمين و المستكبرين و الفاسدين المفسدين صراحة و من ثم هم يقدمون الإسلام بلا صدق إذ يقول هؤلاء القول و نقيضه في اليوم الواحد و المكان الواحد و الموضوع الواحد مكيفا و مبدلا أي يبدلون الكلم عن مواضعه فيحتار أبناء الصحوة و الثوار و الذين يكمن فيهم المشروع الإسلامي و لو بالإجمال: ما هذا النفاق؟ ما هذا البيع للذمم؟ ما هذا الدجل؟
و بالطبع حين تغيب الفكرة مركزا و قطبا يتولد الصنم، و الصنم هو زعماء و قادة يحاطون بهالة الحكمة و ما فوق الحكمة و هم الذين يحددون للدين مقاله و مساره و ما يعلن منه و ما يؤجل فيه بل و ما يلغى أصلا.. هذه الصنمية المرعبة تنعدم حين يكون الفيصل و المقياس هو الحكم الشرعي منطوقا و مفهوما بأدلته التفصيلية كما فهم ذلك سائر المسلمين شرعا و عرفا عقلا و فطرة.. فبهذه المنهجية يكون الفقهاء أو العلماء مهما علا شأنهم بلا قداسة إذ هم مظهر الفكرة و ليسوا البديل عنها، يؤخذ عنهم و يرد وفق المقياس و المنهج، أما و الحال -عند القادة الجدد- أن الدين قد أصبح تابعا لا متبوعا و أصبح كسوق الغلال يتخير منه هؤلاء الأطيب وفق شهوتهم و صار الدين عندهم مقاصد عامة بشرية إنسانية بصيغ إنشائية.. فإن هؤلاء المستولين على الدين بألف “لا” في وجه نصوصه و بألف “نعم” في وجه خصومه فقد أصبحوا فعلا محتكرين للدين ناطقين حصريا بالحق مفسرين وحدهم للحق مؤولين دون سواهم للحق.. فالحق بل الدين كله تحت مزيتهم الحداثية المدنية العقلانية تابعا غير متبوع أي مجرد مقاصد ملحقة بمعميات ألفاظ و صيغ إنشائية.. و العجيب العجيب و ما أرقني فعلا أن هذا التيار المنعوت بالإسلام كان قد أخذ صِدْقِيَة تأسيسه و مساره من الإسلام بوصفه نصا آمرا يترتب عليه ثواب و عقاب و يلزم منه تقيد و طاعة.. و تبعا لذلك أخذ هذا التيار صدقيته كما يعلم الجميع من المساجد طولا و عرضا بزعم أنه يرد للمساجد حينئذ إعتبارها و مكانتها، و قد ناضل و كافح على هذا الصعيد ضد فصل الدين عن السياسة أي عن الحياة و أقيمت في هذا الصدد الدروس الجماهيرية الكفاحية التعبوية و اعتبر هذا التيار قانون المساجد سيء الذكر قانونا لا دستوريا و بالطبع لا شرعيا و لكن نراه اليوم في مشهد عبثي يُثَبِّت هذا القانون و يدافع عنه و يزيد فيه و هو الذي حقق من المساجد ذات يوم زخم الإنطلاق و الطابع ثم أغلق الأبواب من ورائه و أدخل المساجد في سبات عميق بل في تحنيط غير مسبوق، و الأمر مقصود مدروس ما قدروا فيه المسجد حق قدره و لا قدروا المصلين حق قدرهم و لا قدروا رب المساجد حق قدره.. فعلوا ذلك قصدا حتى لا يعلوَ المسجد بخطاب يناقض و لو تلميحا تمشيهم السياسي المتخاذل المتنازل المتاجر بالدين مرتين، حين استعمله بالأمس و حين تخلى عنه اليوم.. إنه كهنوت من نوع خاص و دجل من نوع فظيع.
إن أخطر مصيبة وقع تمريرها في الدستور بدأ الناس يذوقون ويلاتها هي (الدولة راعية للدين)، فكيف لدولة اعتبرت ابتداء أن فصل بل عزل بل إزاحة الدين عن التشريع لازم لإقامة الدولة و سلامة المجتمع؟ كيف لها أن ترعى هذا الدين؟ و ما مضامين هذا الدين؟.. و الرعاية تقتضي الاحتضان لا الإزاحة و التبني لا التخلي.. و كيف لدولة علمانية لا يهمها الدين إلاّ باعتباره أمرا واقعا تنظر له من هذا الباب فقط لا باعتباره واجبا و لا مقدسا و مطاعا؟ كيف لها أن ترعى هذا الدين؟ و كيف يسلم أمر الدين بين يديها و هو حق و هو وحي و هو ما عليه سنحاسب يوم القيامة؟ كيف يصبح هذا الدين بمقتضى هذه المادة الدستورية مجرد مراسيم من وزارة تحدد الدين على وجه الإلزام و تسكت مكتبة مليونية للأمة و تخرس نداء قرآنيا قائما دائما إلى يوم الدين و تعتبر المخالف لهذا التمشي تحت طائلة القانون؟ و هذه المفارقة أكدها رئيس الدولة الباجي قائد السبسي حين قال “إن دستور البلاد خال من كل مرجعية إسلامية”.. إذن يا سيادة الرئيس كيف يسلم لهذه الدولة أمر الدين و ما أدراك ما الدين إذا تحكمت فيه السلطة بالمقياس الوضعي المدني العلماني.. و هذا فعلا ما وصل إليه أمر تونس في مشهد مسكون بكل أنواع التناقضات إذ يراد من الأئمة أن يكونوا مجرد مباركين و مؤيدين لإقصاء الإسلام عن الدولة و عن الشأن العام و أن يبدعوا في لَيِّ النصوص و إخضاعها لأهواء مدنية الدولة و مدنية المجتمع و مدنية السلوك و مدنية القوانين ليصبح الدين معزولا في ركن ركين و في أفراد مشتتين.. هذا هو الدجل الديني بعينه: شق منه يفصل الدين عن الحياة بزعم حماية الدين من دنس السياسة و شق منه يفصل الدين عن الحياة بزعم حماية الحياة المدنية من أعباء الدين و كهنوته و هكذا يلتقي الفريقان على أرضية واحدة هذا بعلمانية وقحة و هذا بعلمانية متوضئة.. هذا بإله بلا دين و هذا بدين وضعي بلا إله.
المستفيد الأكبر هو النظام الرأسمالي الفاسد الذي يسعد بهذه النتيجة و يكون بذلك قد قمع دينا أبيّا عصيا و لكن بزعم رعايته و حفظه و يكون بذلك قد ألغى شوكة دين بما هو حق و عدل في وجه الظالمين لا يركن إليهم أبدا و زعمهم و مبررهم هذه المرة هو التطوير و التجديد.. الأمة لن ترحم هذه الوضعية المسيخة التي لزم منها تجفيف للمنابع و لزمت منها فضائح معرفية فوق الحصر و لزم منها قمع لكل المُصِرِّين على أن الإسلام هو منهج حياة و هو دين منه الدولة و هو دين لا ينفك أبدا عن الحق و عن العدل.. قائدا لا مقودا متبوعا لا تابعا.. دين الطريق المستقيم لا دين التوافقات و المواضعات.. المحاسبة و رب الكعبة ستكون شديدة لأصحاب الدجل الديني و الدجل السياسي فهذه الأمة حية و سياق التاريخ في صفها.

الأستاذ رضا بالحاج
08/08/2015

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: