الديمقراطية والفساد: حتى لا نؤسس لديمقراطية الاوليغارشيا /بقلم طارق الكحلاوي

الديمقراطية والفساد: حتى لا نؤسس لديمقراطية الاوليغارشيا /بقلم طارق الكحلاوي

 

بالتوازي مع بدء مفاوضات اشبه بالسرية من اجل “الشراكة المعمقة مع الاتحاد الاوروبي” اي واحدة من اهم الاتفاقيات في تاريخ تونس وبدون تقييم الاتفاقيات السابقة (سنعود اليها مرة اخرى)، وفي خضم الغبار المثار حول الصراعات الهوياتية الايديلوجية المعتادة، تتعاضد الجهود لتمرير “قانون المصالحة” الذي بادر به السبسي في صيغة جديدة والذي اجمعت المنظمات الدولية المهتمة بمقاومة الفساد والشفافية والعدالة الانتقالية انه تبييض للفساد. فالتحالف الندائي-النهضوي (او جزء من النهضة على الاقل) الذي يمهد لتوسيع صلاحيات الرئيس السبسي هو ايضا الذي يقف كرافعة اساسية لهذا القانون في صيغة “قانون العفو الوطني العام”.

واعلن هذا الاسبوع المحامي خالد الكريشي عضو هيئة الحقيقة والكرامة المعنية بالعدالة الانتقالية رفض المكلف العام بنزاعات الدولة تقديم شكايات بمن سرق المال العمومي لحوالي 900 ملف فساد مالي ورفض وزارة الداخلية تنظيم جلسات التحكيم والمصالحة مع من قام بجرائم ضد المواطنين قبل الثورة. وهذا مثال لمن يقول ان قانون “المصالحة” او “العفو” لن يمنع تطبيق العدالة الانتقالية. اذ انه يتم الامتناع عن تطبيقها من الان. في ذات السياق والاسبوع صرح رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد: “مسؤولون كبار في الدولة مورطٌون في قضايا فساد”، مما ادى الى ابلاغه بتهديدات لسلامته بعد يوم من التصريح.

ذكر الدكتور المرزوقي منذ اسبوع اننا نواجه في تونس خطر تأسيس ديمقراطية تخضع للفساد. ليس ذلك امرا استثنائيا في تاريخ الديمقراطيات لكن التاريخ موجود تحديدا حتى نتعلم اخطاءه والا نكررها. فما الذي يمكن ان تتعلمه تونس من التاريخ حتى تتجنب ديمقراطية فاسدة؟

ساخصص ملاحظاتي هنا على تاريخ الديمقراطية الامريكية والفساد معتمدا على احد المؤلفات الجديدة والجدية، كتاب زيفير تيتشآوت “الفساد في امريكا” من منشورات جامعة هارفارد سنة 2014. وكانت قضية “Citizen United” التي اشعلت الضوء الاخضر لاغراق “سوق السياسة” الامريكية بالمال السياسي بلا اي سقف والذي صادقت عليها المحكمة العليا الامريكية سنة 2010 بمثابة الضربة القوية للنموذج الامريكي. وما السيط النسبي لكن الذي يبقى محدودا لحملة السيناتور بيرني ساندرز في الاشهر الاخيرة الا تعبيرا على ردة الفعل المتصاعدة ضد النخبة السائدة في واشنطن والشكوك حول ارتهانها لمصالح اللوبيات وتطبيعها لوضع اوليغارشي لاديمقراطي.

تبقى التجربة التاريخية الامريكية في التاسيس للديمقراطية الاكثر اثارة للجدل. حيث شهدت حالات نموذجية لتدخل المال السياسي وفي المقابل تشريعات نموذجية ايضا لمقاومته. ومنذ البداية كان هاجس تفادي “الفساد الملكي البريطاني” مهيمنا على عقلية “الاباء المؤسسين”. هذا الهاجس كان يتعقب كل شيء بما في ذلك الهدايا التي كانت تمنح للمسؤولين السامين. وكان التداخل بين السياسي والمالي واضحا منذ البداية وكانت اول فضيحة لاستغلال النفوذ بيع ملايين الهكتارات في ولاية جورجيا اخر القرن الثامن عشر من قبل حكومة الولاية لشركات تتبع لبعض اعضاء السلطة التشريعية بثمن بخس وصل لسنت واحد مقابل الهكتار.

كما كانت منذ البداية احد المسائل الاكثر اثارة للجدل صلاحية التعيينات في المناصب العليا. وعليه انتهى المؤسسون خاصة خلال مرحلة رئاسة جيمس ماديسون الى التوافق على توزيعها بين السلطة التنفيذية (الرئيس) والتشريعية (الكونغرس)، حتى لا تتغول سلطة الرئيس وتتحول الى ملكية، ولا يصبح التعيين وسيلة لكسب رضا ممثلي السلطة التشريعية وبالتالي للمحاباة. بيد ان ذلك لم يمنع الفساد في التعيينات فيما بعد حيث كان الرئيس الامريكي في النصف الثاني للقرن التاسع عشر معنيا مثلا بتعيين عشرات الالاف من الموظفين وكانوا يصطفون في البيت الابيض منتظرين اعطاءهم وظيفة على قدر مساهمتهم في حملة الرئيس الانتخابية.

وكانت ادارة نيويورك للديوانة من بين اهم التعيينات حيث كانت غالبية مداخيل الدولة الضريبية متأتية منها بفعل ان ميناء نيويورك كان المحطة الرئيسية للتجارة في البلاد وكان بعض سيناتورات مدينة نيويورك يعتبرون ذلك المنصب امتيازا استثنائيا يمنحهم سلطة كبيرة.

وبلغ الفساد مستوى كبيرا خاصة اثر الحرب الاهلية في الثلاث عقود الاخيرة من القرن التاسع عشر مع الصعود الكبير لمؤسسي الراسمالية الامريكية مثل فاندربيلت (سكك الحديد) وروكفيلر (النفط) وكارنيغي (صناعة الفولاذ) وجي بي مورغان (الاستثمار البنكي خاصة في الكهرباء) وغيرهم حيث بدوا الحاكمين الفعليين للبلاد وبالغوا في استغلال العمال وفي تشكيل احتكارات كبرى ومن ثمة شراء الطبقة السياسية. على سبيل الذكر لا الحصر قام فاندربلت في سياق محاولته احتكار قطاع سكك الحديد ولضمان شراء غالبية الشركات خاصة الموجودة في نيويروك الى غلق الجسر المؤدي للمدينة لاخضاع الشركة المحلية لصفقة شرائها مع العلم ان معظم الولايات المتحدة تعيش انذاك على الصادرات والواردات التي تخرج من ميناء نيويورك. كما قام كارنيغي وشريكه فريك بارتكاب مجزرة ضد العمال المضريبن باستعمال ميليشات مرتزقة امام صمت حاكم بنسلفانيا.

وأصبحت مراكز المصالح او اللوبيات ايضا عصب تأثير المال السياسي منذ البداية. ورغم محاولات تجريمها، مثلما حصل في جورجيا في سبعينات القرن التاسع عشر، الا انها استطاعت تحصين نفسها والتحول الى مؤسسة مؤثرة تتفوق على المؤسسات المنتخبة وتتحكم فيها الى الان. ومثلما اوضح المرشح الديمقراطي ساندرز تقوم مثلا وال ستريت بضمان ولاء غالبية السياسيين بمنحهم اموال كبيرة في صيغة تقديم محاضرات. وبلغت مداخيل هيلاري كلينتون من هذا الصنف على سبيل المثال مئات الاف الدولارات. وبهذا المعنى يمكن فهم ما توصلت اليه دراسة صدرت سنة 2014 عن جامعة برنستون العريقة خلصت الى ان الولايات المتحدة تتجه لان تكون “اوليغارشية” بسبب تدخل المال السياسي المفرط.

ورغم ذلك تمثل الولايات المتحدة ايضا في بعض القطاعات نموذجا في مكافحة الفساد وعلى سبيل الذكر لا الحصر توجد فيها قوانين نحتاج لمحاكاتها مثل نشر عقود النفط للعموم وهو ما اقترحناه في البرنامج الانتخابي لسنة 2014. لكن تبقى التجربة الاسكندنافية النموذج الاساسي للاتباع في ضمان التوازن بين التنمية وتشجيع القطاع الخاص مع ضمان مستوى رفيع من الشفافية. وقدمنا في اطار كتلة الحزب منذ سنة 2012 حزمة مشاريع قوانين لم تحظ بالمصادقة لاننا كنا اقلية مثل مشروع قانون أساسي يتعلق بتطهير القضاء والمحاماة، ومشروع قانون يتعلق بالتدقيق في المديونية يقضي باستعراض ورصد وتقييم عملية التفاوض بشأن الديون وإعادة هيكلتها كما يشمل تحديد المسؤولية عن سوء الاستخدام الذي يتعارض مع المصالح الوطنية للشعب التونسي. وأيضا مشروع قانون أساسي يتعلق بالشفافية ومكافحة الإثراء غير الشرعي.

يُكرر السبسي يوميا تقريبا ان “قانون المصالحة” او ما سيسمى الان “قانون العفو الوطني العام” هو الذي سيحسن الوضع الاقتصادي في البلاد. بما يعني ان مشكل التنمية في البلاد هو ملاحقة وحجر السفر على مديرين ومسؤولين سياسيين كانوا خبراء ومستعدين للتواطؤ في تسهيل الفساد ما يفسر ثقة بن علي فيهم بوضعهم في تلك المواقع الحساسة. اي ان السبسي ببساطة ومن معه من احزاب ستدعم هذا القانون يرون ان خبرة اي مسؤولين في الفساد شرط اساسي للتنمية. يعني بعكس تماما بديهيات الاقتصاد وبعكس ما تطالب به رسميا المؤسسات المالية الدولية التي تقرض تونس.

عربي 21

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: