الذين لا يدرون شيئا.. في تونس !! (بقلم أحمد منصور)

 رغم أنني لا أحب الأماكن الصاخبة ولا أرتادها وأحب دائما الأماكن الهادئة لاسيما في طعامي وشرابي، حينما أكون على سفر وأنا على سفر شبه دائم، إلا أن أحد أصدقائي في زيارتي الأخيرة لتونس قال لي: ما رأيك لو تناولنا العشاء في مكان يعج بالناس، رفضت رفضا قاطعا وقلت له انت تعرف أنني لا أحب إلا الأماكن الهادئة البعيدة عن الزحام؟ قال: ولكنك لا تعرف بهذه الطريقة كل جوانب المجتمع وأنا هدفي أن تتعرف على جانب آخر من المجتمع التونسي لا تعرفه.
والمكان في النهاية ليس سوى مطعم كبير يرتاده كثير من الناس وليس به ما يزعجك سوى الزحام ونوعية الناس التي يمكن أن تراها، ولا زيادة على ذلك، فكرت قليلا ثم قبلت الدعوة بشرط أن أقرر بعد أن أرى المكان بعيني إن كان يناسبني أم لا، وذهبت فوجدت المكان عبارة عن فيلا تحتوي على عدد من المطاعم وليس مطعما واحدا والزحام كان شديدا حتى أننا لم نجد طاولة في مطعم المأكولات البحرية الذي قصدناه، غير أن مديرة المطعم ما إن رأتني حتى تعرفت علي وسرعان ما أعدت لنا طاولة، ما لفت نظري هو أننا كنا في منتصف الأسبوع ولم نكن في آخره ومن ثم فقد كان الزحام ملفتا للنظر، الحضور كانوا من كل الأعمار وإن كان الشباب لهم الغلبة لكن من الواضح أن رجال الأعمال وضيوفهم وكذلك سياسيين وإعلاميين وغيرهم كانوا يتواجدون في أماكن مختلفة أو ينتظرون خلو طاولة، ورغم أنه ليس من عادتي أن أتلفت حولي لاسيما أن من حولي عادة ما يتلفتون نحوي، إلا أن ما شاهدته دفع فضولي لسؤال مديرة المطعم حينما جاءت لتحيتي مرة أخرى بعض الأسئلة، قلت لها: رغم أن اليوم ليس نهاية الأسبوع إلا أن مطعمكم أو مطاعمكم إن صح القول ممتلئة بالناس هل هناك مناسبة لذلك لا أعرفها، ضحكت وقالت: لا.. هكذا نحن كل يوم أما آخر الأسبوع فهذه قصة أخرى، قلت لها: معنى ذلك أنكم مشغولون على مدار الأسبوع؟ قالت: الحمد الله مطعمنا هكذا طوال الأسبوع، فعن لي سؤال لا أعرف كيف جاءني في هذا الوقت فقلت لها: حتى أيام الثورة؟ ضحكت السيدة وقالت: نحن لم نعرف أن هناك ثورة إلا من حديث الزبائن الذين كانوا يملؤون المكان كل ليلة ويتحدثون عما يجرى خارجه، قلت لها متعجبا: إن مطعمكم ليس بعيدا عن قلب الأحداث كيف لم تدروا بها، قالت: لم ينقطع الناس عن المجيء ولم نعرف إلا من حديث الزبائن ولم نتخيل أن هناك ثورة في هذا البلد الجميل فالناس هنا كما ترى كلهم سعداء ومسرورون وهذه نوعية زبائننا فما الذي يدعو الناس للثورة؟، نحن هنا نعيش داخل هذا العالم الذي تراه ولا ندري ماذا يجري خارجه.
ما ذكرته لي هذه السيدة يعكس وضع قطاع كبير من الناس في دولنا العربية بل في العالم اجمع لا يعلمون شيئا عما يجرى خارج نطاق حياتهم الخاصة وبعدما فكرت في الأمر تذكرت مقولة الحكيم الأيرلندي جورج برنارد شو التي أوجز فيها هذا الأمر قائلا «هناك أناس يصنعون الأحداث، وهناك أناس يتأثرون بما يحدث، وهناك أناس لا يدرون ماذا يحدث»، وكم في عالمنا العربي من أناس لا يدرون ماذا يحدث حولهم.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: