“الرأسمالية .. حين تتضاءل كلّ القيم ما عدى قيمة المادة ! ” … بقلم الأستاذ عبد الرؤوف الطويل

“الرأسمالية .. حين تتضاءل كلّ القيم ما عدى قيمة المادة ! ” … بقلم الأستاذ عبد الرؤوف الطويل 
تداولت بعض المواقع الاجتماعية الأسبوع الماضي صورة محفظة  معروضة بإحدى المساحات التجارية بسعر  مشط  لم يقبله البعض فرفضه محتجًا و لم يعقله البعض الآخر فعلق عليه  متعجّبا حائرا أو ساخرا مستهزئا أو ناقدا محللا..

ما أثارني ليس سعر المحفظة المرتفع جدّا في حدّ ذاته بل سبب ارتفاع أثمان المحفظات هذا العام رغم شعار وزير التربية المرفوع هذه السنة “مدرسة بلا محفظة”. ألندرةٍ هذا الغلاء أم لجودة أم هي لهفة على العلم و حبّ للمعرفة و صون للثمين في وعاء أثمن؟

مائتان و ثمانية عشر دينارا هب أنها تحوي كل كتب الابتدائي من الأولى إلى السادسة و اجمع أثمان كل كتب هذه المرحلة تجدها دون هذا المقدار بكثير (حوالي 102.170 د )! .و هب هذا التلميذ يدرس بالإعدادي ـ و الذي ارتقى إليه هذا العام بلا امتحان و اجمع كتب سنوات الإعدادي الثلاث مجتمعة تجدها لا تتجاوز نصف هذا المقدار إلا قليلا (قرابة 120د).. هذا مع استحالة أن يدرس التلميذ الواحد أكثر من مستوى في السنة الدراسية الواحدة…. لكننا قمنا بهذه العملية لنبين العقلية الكامنة خلف هذا التصرّف عرضًا من البائع و إقبالا من المبتاع، و كيف أصبح يُعامَل العلمُ بالأرقام و الأشكال و الأثمان و بمقدار ما يُدفَع باعتباره المقياس المحدد لقيمة كل شيء، من الحذاء إلى الحكمة، و من الجورب إلى الكتاب. هذا و لم نتحدّث عن الأقلام و الكرّاسات و أثمانها فهي أيضا تقاس بالألوان و الأشكال و حتى الرّائحة و الأضواء..

في ظل هذه الرأسمالية المادّية تنقلب المعايير والقيم و يتحوّلُ الشكل مطلبا و الثمن مقياسا و الموسم الدراسي فرصة للإثراء و التعليمُ مشروعا تجاريا مثمرا وتقاس المدرسة بقيمة ما يُدفع فيها و يتسابق الناس إلى المدارس الخاصة مُفاخِرين و يزهدون في المدرسة العمومية لأنها “بوبلاش”  ..أما اللب و الجوهر كالعلم و المّعلم و المعرفة و الأخلاق فتتدحرج إلى ما وراء المنفعة المادّية و القيمة المالية..

في ظل مبدأ رأس المال و سيادة رجال الأعمال ..صُنَّاع السياسات و الأشكال كيف يُقدِّر تلميذٌ علمًا و كل كتبه لا تساوي ثمن جيب من محفظته أو “فردة” من حذائه الرياضي ” السينياي”؟ في ظل هيمنة النظرة المادية المالية كيف يقدر النّاس مُعلما مرتّبه محفظتان أو ثلاث؟؟؟ و كيف يبدع تلميذ و يهتم بعلم و يقتنص المعرفة اقتناصا و هو يرى العلم في أدنى المراتب رجالا و مآلا؟؟.

لا  تتعجبوا ! في ظل هذه الرّأسمالية المنحرفة و المحرّفة و المُزَيِّفة في بلادنا تكون محفظة تلميذ مقدار مرتب أمه العاملة بمعمل الخياطة أو ِبِـ”السّانية”  من الصباح إلى المساء شهرا كاملا .. نعم يمكنكم الآن أن تفهموا كيف يكون دخل عارضة الأزياء مئات مرات دخل العاملات اللواتي صنعن الثوب الذي تعرضه للحظات، صنعنه بالأنامل و العيون و بعض العمر..و كيف يكون دخل لاعب محترف أعلى آلاف المرات من أستاذ جامعي .. و كيف يكون دخل مغنّ في ليلة واحدة دخل معلّم في حياته !

سيُعلّق بعض الأغبياء منهم يجب أن نزيد في أثمان الكتب المدرسية حتى يُقدّر العلم إذن،، تلك مقاييسهم وتلك معالجاتهم ترونها في كل مجال ، يعالجون ارتفاع الأسعار بصفقات التوريد و يخمدون الحروب بزعمهم ببيع الأسلحة لأطراف الصراع .. و ينشرون الفيروسات لبيع مضادّاتها..

حين تُغيَّب القيمُ الرّوحية و يُستبعدُ الإسلام سياسةً و اقتصادًا و اجتماعا عمدا و بسابق الإصرار، و حين تسود القيم الرأسمالية الليبرالية حيث لا سلطانَ إلا للمادّة مالا و مقياسا و انتفاعًا، يتقدّم الشكل على المضمون و القشرة على اللبّ و إذا العالم مُزيّف بناسه و أشيائه، عالم بلا نكهة ولا ذوق و لا رائحة ، فليس ثمّة إلا الأثمان و الأشكال و الألوان ، و هي أيضا بمقدار..

بقلم عبد الرؤوف الطويل – أستاذ و ناشط الاجتماعي-

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: