الربيع العبري في القاهرة ( بقلم الدكتور محمد ضيف الله)

الربيع العبري في القاهرة ( بقلم الدكتور محمد ضيف الله)

لم يكن الخبر من نوع قدوم القطار في موعده أو الكلب الذي عض رجلا، حتى لا تهتم بتغطيته وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية المصرية، أو لا تتناقله مواقع الصحف المصرية الإلكترونية في يوم وقوعه. في حين تناقلته المواقع المشابهة للدولة العبرية وغيرها من المواقع العالمية، كأي خبر يثير اهتمام الإعلام المحترف بقدر ما يثير اهتمام المستهلكين. وحينئذ لم يبق من أسرار الدولة المصرية، ولا هو من الحجم الذي يمكن إخفاؤه أو إنكاره.

يتمثل الخبر في إعادة فتح سفارة الكيان الصهيوني في العاصمة المصرية القاهرة، في 9 سبتمبر 2015 الذي يصادف، والأمر لم يكن صدفة ولا كان عفويا، الذكرى الرابعة يوما بيوم من تاريخ غلقها في 9 سبتمبر 2011. نتذكر هنا جماهير المتظاهرين في ذلك اليوم المشهود وهي تقتحم تلك القلعة الصهيونية المنيعة في قلب القاهرة بعد كسر أجزاء من الجدار الخرساني المجعول لتأمينها، وتم آنذاك إنزال العلم الصهيوني. مشاهد لن تنسى أثارت الحماس في أرض العرب وأنه من الممكن في المدى المنظور تحرير فلسطين، كلها. لكن. ها أن الذكرى الرابعة تأتي بإعادة فتح السفارة من جديد، ليرفع نفس العلم على أنغام الهاتكفا، النشيد الرسمي للدولة العبرية. وهو ما يعني رمزيا أن صفحة طويت، لتفتح صفحة جديدة قديمة من العلاقات التي بنيت من الاسمنت المسلح في مخيم داوود.

لا يفوتنا هنا أن نسجل مفارقة أولى وهي أن غلق سفارة الدولة العبرية، كان في إطار ما يسميه البعض بالربيع العبري. أما المفارقة الثانية فهي أن رأس النظام الذي آذن بفتحها يحظى لديهم بالقبول الحسن وبالحماس الفياض حتى أنهم شبّهوه بجمال عبد الناصر نفسه. بلغة أخرى، وإذ أن أولئك القوم يعتبرون أن ما جرى في 2011 على امتداد الوطن العربي وفي قلبه مصر، إنما هو مؤامرة صهيو-أمريكية، والعبارة لهم، فالمفارقة تتأتى من أن الجماهير الشعبية تحركت ونجحت في أن تغلق الوكر الصهيوني المتقدم في القاهرة بالذات. كذلك إذا كان النظام العسكري الذي أتت به ما سموها بثورة 30 يونيو قد أضفوا عليه صفات الثورية والناصرية والقومية والتقدمية، فإن ما لا يستطيعون تفسيره أو تبريره هو أنه هو الذي آذن للصهاينة بفتح سفارتهم وبالتالي العودة إلى ما كان عليه الوضع أيام أنور السادات وحسني مبارك. وأغلق القوس.

وحينئذ فالربيع العبري الحقيقي هو ما تعيشه القاهرة اليوم في ظل النظام العسكري الذي صفق له الكثيرون لما يمثله بالنسبة لهم من أمل في التحرير والوحدة العربية، إلا أن ما اكتشفوه -حتى وإن لم يعترفوا بذلك- هو أنه بفضله استعادت الدولة العبرية ليس فقط فتح سفارتها في القاهرة، في انتظار سفارات أخرى في العواصم العربية الأخرى، وإنما استعادت أيضا صورتها في البروبغندا كالديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. وهذا هو الربيع العبري في القاهرة إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

محمد ضيف الله

9 سبتمبر 2015

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: