الرجولة الغائبة!!

 

لكم يتوق المرء إلى أن يتصف العاملون في حقل الدعوة كلهم بأروع الصفات، وأنبل الأخلاق، وينفذون عمليًا أكرم المعاني، وأسمى السلوكيات.

والرجولة وصف يتمم محاسن الخلق ويدفع المرء دومًا نحو المروءة في الفعال، والإنجاز في التطبيق، والتميز في الأداء.
وحيث فقدت الرجولة فقد معها كثير من إيجابيات الداعية المؤمن الذي يصلح أن يقتدي الناس به. وإذا اغتربت عناصر تلك الصفة وآذنت الأيام بندرة وجودها والاتصاف بها، فقد قرب يوم لا نجد فيه الشهامة، ولا المروءة، ولا نجد فيه التضحية، ولا الفداء، ولا الإيثار والعطاء، ولا الثبات على المبدأ والاستمساك به. وهو حينئذ يوم أسود اسأل الله ألا يرينا إياه وأن يجنب الدعوة إلى الله أمثاله.

إنني عندما أتحدث عن صفة الرجولة بين الدعاة إلى الله لا أراها كما يحلو لكثير من الناس رؤيتها كقوة فائضة أو حركة زائدة أو صراع دائم، إنما أرى الرجولة وقد لبست ثوب عز وفخار إن هي نسبت لهذا الدين.

إني أراها ترك الخصومة والتغافل عن الذلة ونسيان الأذى، فلا يخاصم بلسانه ولا ينوي الخصومة بقلبه ولا يخطرها على باله، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان كثيرًا ما يدعو في وتره بقوله: «ولك خاصمت وإليك حاكمت» [رواه الألباني في صحيح الأدب المفرد، حديث صحيح].
وأما تغافله عن ذلة غيره أمامه فمعناه أن يتصنع أنه لم يره على ذلته لئلا يعرضه لكسر نفسه وشعوره بالوحشة فيتفرد به الشيطان وحده.

كذلك أراها أن تقترب ممن يقصيك، وتكرم من يؤذيك. وهي سمة للرجولة رآها العلماء في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- فكم من مؤذ للنبي -صلى الله عليه وسلم- أعطاه النبي ثم أعطاه ليرضى وكم من مقص له قربه ليدعوه إلى الخير والإيمان والهدى.
قال ابن القيم: “وما رأيت ممن عايشتهم قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية فقد كان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، بل كان يدعو لهم”.

كذلك فإني أرى الرجل هو من ينظر إلى عيوب نفسه ولا يرى عيوب غيره المؤمنين، فلا يشتغل بنقض الناس ولا عيوبهم ولا يتحسس أحوالهم أو يتجسس عليهم راجيًا نبش العيوب، بل يسترها ويبحث في علاج حال نفسه، مهما كانت عيوب الغير مالم تتعد إلى الإضرار بالآخرين، فلست أرى الرجولة نقض دائم لأخلاق الناس ولا لمعاملاتهم ولا لأحوالهم ولست أراها جرأة على كيل التهم وبث الألم في قلوب الغير، بل أراها رقة ورفق وحسن أدب وسمو في المعاملة والنقد والاختلاف.

وأرى الرجولة كذلك حياء مع الناس وذوقًا رفيعًا فبعض الناس يرون الحياء نقصًا وشينة في ذات الوقت الذي يرون فيه الوقاحة رجولة ومهابة!! فتغيرت القيم وصار القبيح حسنًا والحسن قبيحًا!

وأخيرًا فإن الرجولة بذل النفس والمال والجهد في معونة الناس ومساعدتهم وقضاء حوائجهم في كل وقت بغير مسألة منهم وبغير مصلحة متوقعة عائدة ولا مكافأة منتظرة.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: