الرهـــان الخاســر ( بقلم أبو يعرب المرزوقي )

كنت أتصور الثورة قد دقت ناقوص الخطر. وكنت أعتقد أن الأنظمة العربية التي لم يصلها بعد تسونامي الثورة لقياداتها نزر من العقل يجعلها تستبق الأحداث قبل فوات الأوان فتقوم بالإصلاحات الضرورية لتجنيب شعوبها اللجوء إلى كلفة الثورة التي هي من جنس “ما يلزك للمر إلا ما أمر منه”.

وكنت أتصور هذه الأنظمة التي من الله عليها بما هو في الحقيقة ملك الأمة كلها أن تشرع باب الحوار مع الأقطار التي حصلت فيها الثورة من أجل بناء أواصر الصداقة وتمكينها مما يحول دونها والذهاب بالثورة إلى منطقها المعلوم للجميع والذي قديأتي على الأخضر واليابس إذا أجبر على اليأس من منطق الإصلاح.

وقد سعيت لتغليب هذين الخيارين قدر مستطاعي بالقلم وحتى باللسان المباشر عند لقاء من لهم صلة بأهل الحل والعقد فيها. ولكن كما قال حجة الإسلام لسائله عن فائدة ما يكتب إذا كان ذلك لا يغير ما عليه الأمر. وكان أساس رده مبدأ: النظر مشروط بـ”لو” الناقلة إلى العمل. قال: لو استمعوا خطاب العقل لحصل الإصلاح. فالانتقال من المشروط إلى الشرط يقتضي وجود إرادة متبصرة. وهذاما يتبين أنه معدوم أو شبه معدوم عند جل القيادات العربية: إذ يوجد بعض الاستثناء ومن ثم فلا يمكن فقدان الأمل. ولهذا اشدت بمقال الأستاذ خاشقجي مثلا وحاولت توجيه إشارات لتغليب صوت العقل.

ولو فقد هذا الاستثناء لآل الأمر في مصر إلى مآله في دمشق من اليوم الأول: لأنك إذا غلقت كل الأبواب بما في ذلك باب الهجرة ومنعت شروط الحياة فإنك تضطر الجميع للذهاب إلى غاية الدفاع عن النفس أي القتال المباشر.
ولعل هذا هو أهم ثمرات المضوأة الوحيدة التي ما زالت تنير في الإعلام العربي وإلا لكانت المذابح تمر دون أن يعلم عنها الرأي العام العربي شيئا.
لذلك فكل من يغلق الأبواب على الثوار يفرض عليهم اللجوء إلى منطق الثورة المطلق. ومن يفعل ذلك ويراهن على أدوات القمع المادي والرمزي يراهن على الجواد الخاسر. ومثل هذا الرهان من أكبر الأدلة على الحمق السياسي والبلادة الذهنية.فالرهان على جهازي القمع المادي والرمزي والحماية الأجنبية بهذين البعدين لن ينفع لأن الأنظمة التي بدأت بها الثورة هي التي وصلت إلى غاية ما تستطيعه هذه الأجهزة:

1و2-الجيش والأمن أداة الاستبداد المادي لأنها تستعمل العنف المادي لتسيطر على الأبدان. وذلك مباشرة من نواب الاستعمار أو الحكام المحليين وبصورة غير مباشرة من الاستعمار ذاته عندما لا تكفي أداة الاستبداد المحلية.
3و4-والإعلام والثقافة أدة الفساد الرمزي لأنها تستعمل العنف الرمزي لتسيطر على الأذهان. وذلك مباشرة من نواب الاستعمار من النخب المحلية وبصورة غير مباشرة من نخب الاستعمار ذاته عندما لا تكفي أداة الفساد المحلية.

5-وهذه الأدوات الأربع تأتمر بمركز يخطط استراتيجيا لجعلها تعمل لصالح أعداء الشعوب العربية فلا تكون وظيفتها حماية الأمة ورعايتها بل تحقيق شروط استعبادها واستحلاب ثرواتها وانتهاك حقوقها حتى تحقق غايات الاستعمار دون كلفة وذلك هو معنى الاستعمار غير المباشر الذي يكون فيه حكام الأمة ولاة في الامبراطورية الاستعمارية وليسوا معبرين عن إرادة ألامة ولا ممثلين لقيمها وتراثها إلا لمخادعة الشعب إما بقيم الإسلام كما حرفها الانحطاط الموروث عن ماضينا أو بقيم الحداثة كما حرفها الانحطاط الموروث عن حاضر الاستعمار .

ومع ذلك ورغم كل ما لهذين المستويين من يد طولى مادية ورمزية فإن الثورة بدأت ولن تتوقف حتى تقضي على عاهتي الاستبداد والفساد بأداتية وبمستوييهما. وهدف هذه المحاولة السريعة إثبات أن الرهان عليها خاسر لا محالة بدليل صمود الشعب المصري البطولي أمام غاية ما يمكن أن تحققه الثورة المضادة من تعاضد هذه المستويات الأربعة بقيادة المافية العالمية التي يمثلها الدمل السرطاني من عبدة العجل وأذرعهم التي تمكنهم من السيطرة على نخب العالم المستكبر بفضل ما لديها من أدوات ابتزاز لها جلعها تصبح خاتما في إصبع شبكاتها. ولهذه العلة قلنا إن ثورة هذه الأمة هي بالجوهر ثورة كونية لأنها من البداية كانت ولا تزال ثورة ضد الاستبداد والفساد الكونيين:

1-فقد كانت النشأة الأولى لدور هذه الأمة ثورة لتحرير البشرية من التحريف الروحي ونظرية الشعب المختارالذي يعتبر بقية البشر جوهيم وذلك في مستوى العقيدة دون أن يكون له أدوات تحقيقها في الواقع الفعلي: استعباد البشرية بالوهم.

2-وهي في النشأة الثانية الحالية تستأنف نفس الرسالة لتحرير البشرية من التحريف المادي ونظرية الشعب الغدار الذي جمع في المسيحية الصهونية لأنه يظن أنه بوسعه أن يحقق ما كان مجرد فكرة في الواقع الفعلي: استعباد البشرية بالفعل.

معركة الأمة اليوم مثلما كانت في الماضي لا تقتصر على تحرير ذاتها فحسب بل هي تتجاوز الخصوصي إلى الكلي كما هو جوهر الرسالة الإسلامية التي تخاطب كل البشر. ومن ثم فهي تحرير البشرية من هذا المرض الذي عاد بمستوييه الوهمي والفعلي فأصبح سرطانا عالميا من أهم نتائجه المهازل التي نراها في:

تنصيب السيسي الذي لا يمثل إلا فساد العسكر وخادم الاستعمار.
وتنصيب بشار الذي لا يمثل إلا فساد الطائفية والشعوبية وخادمها.

أعني جعل نخب وشعوب في غيبوبة تصل إلى حد القبول بمثل هذا الخروج عن كل عقل ونقل فتهدم بنفسها ذاتها وتنصب دمى تحركها المافية الدولية للإبقاء على العبودية وتحقيق وهم الشعب المختار في الوهم وفي الفعل.

لكن هذه الأمة ما تزال صامدة وبصورة أدق شعوبها ما تزال سليمة لم يصبحا السرطان ولا السيدا لأن إسلامها حررها من وهم الشعب المختار وهو سيحررها من واقعه بمجرد أن يحقق الثورة التي ستزيل المستبدين بأمره لأنهم أصبحوا مثل كل حكام الغرب ونخبه الذين خانوا قيم العقل والنقل في آن واصبحوا خاضعين لهذه المافية الدولية التي صارت مصدر سلطانهم بعد أن فصل السلطان عن الشرعية: والدليل أنهم بمجرد مغادرة سدة الحكم والسلطة تجدهم يعترفون بأنهم قد خانوا القيم التي يدعون تمثيلها والدفاع عنها.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: