السعودية ليست القرصان.. وليست الإسكندر/ بقلم إحسان الفقيه

[ads2]
سأل الإسكندر الأكبر قرصانا وقع في الأسر: كيف تجرؤ على إزعاج العالم كله؟ فأجاب القرصان: “أنا أفعل ذلك بسفينة صغيرة فحسب، فأُدعى لصا، وأنت تفعل ذلك بأسطول ضخم فتُدعى إمبراطورا”.

كلمات تنطبق أكثر ما تنطبق على المجتمع الدولي المعاصر، في توصيفه للقضايا والأحداث بشكل انتقائي بما يتناسب مع توجّهاته، وقد عرض تشومسكي في كتابه “النظام العالمي الجديد والقديم” صورتين متقابلتين تجسدان الميزان النقدي، ومعيار التوصيف والتصنيف لدى الغرب.

فأمريكا قصفت العراق وحوّلتها إلى خراب، وجوّعت الشعب بالحصار، لأن صدام تعدى على سيادة دولة أخرى، لكنها في المقابل غضّت الطرف عن عقود من القمع والقتل في عهد الرئيس الإندونيسي سوهارتو، فنيويورك تايمز رأت في ذبحه لمئات الآلاف أنه وميضٌ من الضوء في آسيا، وتعامل معه الأكاديميون على أنه مبرر لغزو فيتنام.

في الوقت الذي يتغافل المجتمع الدولي عن استهداف المدنيين في سوريا من قِبل الطيران الروسي، ويضع في أذنيه الطين والعجين معا كلما جرَت مذبحة تنفذها ميلشيات ممولة من إيران بحق المدنيين في سوريا والعراق.

فجأة أصبح ذلك المجتمع الدولي يقيم وزنا لحقوق الإنسان، ويتحدث عن خرق المواثيق الدولية وتجريم استهداف المدنيين، وأصبحت دماء هؤلاء المدنيين ذات قيمة، فقط لأن الأمر قد ارتبط بالسعودية.

حادث قصف العزاء باليمن حتما هو حدث جلل، يرثيه كل إنسان، ولكن قد تم توظيف الحدث لتصفية حسابات دولية وإقليمية مع السعودية باعتبارها تقود التحالف العربي.

ابتداء، ما إن وقع الحادث حتى انبرى الشرق والغرب لتحميل السعودية مسؤولية الهجوم على مقرّ العزاء، ولم تنس أطراف عربية -تُعارض السعودية في تدخلها في اليمن- أن تدق طبول الشجب والاستنكار مجددة الرفض للعمليات التي تقودها السعودية ضد الانقلابيين في اليمن.

وعلى الرغم من أن السعودية نفَت مسؤوليتها عن الحادث ووعدت بالتحقيق الجدّي والعاجل، إلا أن بعض القوم سارعوا بتوجيه الاتهام إليها.

“بان كي مون” الأمين العام الأمم المتحدة، في إدانته للحادث يصرح بأن السعودية التي تقود التحالف استهدفت المدنيين، هكذا دون انتظار نتائج التحقيقات.

حتى الصحف الهندية تصف العمليات العسكرية في اليمن بالحرب السعودية الوحشية، بل اتهمت المملكة بارتكاب جرائم حرب في اليمن، وتطالب بوقف العمليات العسكرية فيها.

السبت 15 تشرين الأول/ أكتوبر، أصدر الفريق المشترك لتقييم الحوادث بشأن واقعة صالة العزاء في صنعاء بيانا، أعلن خلاله أنه توصّلَ إلى أن جهة تابعة لهيئة الأركان اليمنية قدمت معلومات مغلوطة إلى مركز توجيه العمليات الجوية في اليمن عن وجود أهداف عسكرية مشروعة من القيادات الحوثية في الموقع.

وأصرّت الجهة (قيد التحقيق) على استهداف الموقع بشكل فوري، فقام المركز بالسماح بتنفيذ العملية دون الحصول على توجيه من الجهة المعنية في قيادة التحالف (بحسب البروتوكولات المتبعة)، ودون اتباع الإجراءات الاحترازية المعتمدة من قبل قوات التحالف للتأكد من عدم وجود الموقع ضمن المواقع المدنية محظورة الاستهداف، مشيرا إلى قيام أطراف أخرى في موقع الحادث بالعمل على رفع عدد الضحايا.

ونفت السعودية أن تكون طائراتها قد نفذت العملية أو أنها تمّت بعلم قيادة التحالف، وشرعت في التحقيق ووعدت بمعاقبة المسؤولين.

وإلى أن يتم استيفاء التحقيقات، ينبغي أن نتساءل: هل من مصلحة السعودية استهداف هذا الموقع وتنفيذ هذه المذبحة؟

الجواب حتما: لا؛ لأن التدخل السعودي في اليمن يجري على صفيح ساخن، والسعودية مُحاطة بعدد من الأزمات السياسية والاقتصادية التي تجعلها تلتزم مبدأ التحرك بغطاء شرعي في المنطقة، وهي تدرك جيدا كُلفة مثل هذه العملية التي قد تُعرضها لخسارة وفقدان أي جهة داعمة لعملياتها في اليمن.

كما أن السعودية تدرك يقينا أن العملية سوف يتم استغلالها إقليميا ودوليا ضد المملكة، فمِن ثَم لن تُقدم السعودية على تنفيذ هذا الحادث، وفق أبسط الحسابات السياسية.

حسابات العقل والمنطق والسياسة، تقول بأن هناك من يسعى لتوريط السعودية بهدف التأليب والتجييش ضدها، وبهدف إجهاض عملياتها العسكرية في اليمن، ولا يُستبعد أن تكون إحدى الدول العربية المشاركة بالتحالف هي التي أدارت الحدث.

ويَرِد من ناحية أخرى أن يكون لقوات تحالف الحوثي/ صالح، ضلوع في رفع عدد الضحايا، عن طريق إحداث تفجيرات داخلية بالتزامن مع القصف، واستهداف شخصيات ناجية، لا سيما وأن صالح قد توعّد بتصفية قادة عسكريين حال التحرك ضده، وهو ما ظهر في التسجيل المسرب الذي بثته الجزيرة، حيث هدد المخلوع عبر المكالمة، قائد قوات الاحتياط اللواء علي الجائفي، الذي أُعلن عن مقتله متأثرا بجراحه نتيجة حادثة مجلس العزاء.

السعودية لن تمد يمينها للشعب اليمني لتأخذ منه بشمالها، ولن تُربت على كتف الشعب اليمني بيد لتصفعه بالأخرى، فهي تضع في أولوياتها الاعتبارات الإنسانية، ولذا وجّه خادم الحرمين، مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، بالتنسيق مع قيادة التحالف والحكومة الشرعية ومؤسسات الأمم المتحدة، إلى نقل جرحى الحادث الذين تستدعي حالاتهم العلاج خارج اليمن، دون التفرقة بين مواطن وغيره، ودون اعتبار انتماءات أيٍ من المصابين للحوثيين أو غيرهم.

ولقد أتيحت لي الفرصة للاطلاع على خدمات المركز إبان زيارتي الرسمية للسعودية في كانون الثاني/ يناير الماضي، وطالعت التعليمات التي وُضعت تزامنا مع العمليات العسكرية في اليمن، التي تتضمن علاج الجرحى والمصابين دون اعتبار للانتماء الديني، وهذا رابط مقالتي سابقا عن المركز لمن يرغب في الاستزادة.

اضغط هنا

ولا يمكن بأي حال تجاهُل الموقف الأمريكي إزاء الحادث، الذي يتناغم مع التوتر المتنامي بينها وبين السعودية.

فالمسؤولون الأمريكان حمّلوا السعودية مسؤولية الحادث، وصرحوا بإعادة النظر في الدعم الأمريكي للتحالف الذي تقوده السعودية، الذي تَقلّص بالفعل.

وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، نيد برايس، إن “التعاون الأمني الأمريكي مع السعودية ليس شيكا على بياض، ونحن مستعدون لضبط دعمنا بما يتلاءم بشكل أفضل مع المبادئ والقيم والمصالح الأمريكية، بما في ذلك التوصل إلى وقف فوري ودائم للنزاع المأساوي في اليمن”.

وأما بريطانيا، فأعلنت أنها ستتقدم بمشروع قرار إلى مجلس الأمن يطالب بوقف فوري لإطلاق النار، وفي شباط/ فبراير الماضي، دعا البرلمان الأوروبي إلى فرض الاتحاد حظرا على تصدير الأسلحة إلى السعودية، وصوّت نواب البرلمان بأغلبية لصالح فرض الحظر الأوروبي.

لقد بات من الواضح أن هناك اتجاها دوليا وأمريكيا إلى إنهاء العمليات العسكرية على نحو يتعارض مع مصالح الأمن القومي السعودي والخليجي.

منذ الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة سعت الأخيرة إلى تمهيد الطريق أمام زيادة النفوذ الإيراني في عموم المنطقة دون اكتراث لأمن دول الخليج العربي، ثم صار التنسيق بين واشنطن وطهران في سوريا، الذي جعل الأمريكان يغضون الطرف عن التدخل الإيراني السافر في ذلك القطر العربي المسلم، ومن قبلها كان التنسيق وتبادل الأدوار في العراق.

ومؤخرا، أظهر قانون “جاستا” توجهات أمريكا لإدارة ظهرها للسعودية، ونزع الصفة القيادية لها في المنطقة، ولذا تتجه لإنهاء دورها في اليمن وإيجاد موطئ قدم لها ولإيران في الجمهورية اليمنية.

علينا ألا ننخدع بالعملية المحدودة التي نفذتها أمريكا مؤخرا ضد الحوثيين، التي لم تأت إلا لفك تطويق التحالف عن اليمن، ودخولها على الخط.

والخلاصة، بأن السعودية تواجه اليوم تحالفات دولية وإقليمية تشكّلت من فرقاء الأمس، يريدون ضرب المعقل السني في مقتل، عن طريق استهداف السعودية، وسلْبها دورها القيادي المتنامي في المنطقة.

عربي 21
[ads2]

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: