السفير الأمريكي في نواكشوط يزعج الأحزاب والمدونين والكل يعتبره «منتهكاً للسيادة».. (مقال/عبد الله مولود)

بات لاري آندري السفير الأمريكي المعتمد في موريتانيا مزعجا.. وإذا كانت حكومة نواكشوط تتعامل معه وتتجاوز عن هفواته فالأحزاب والمدونون الموريتانيون قطعوا الشك باليقين وأعلنوه أمس «برسونا ننو غراتا».
والذي أزعج هؤلاء هو أن السفير لاري آندري منذ بدأ عمله أواخر العام المنصرم وهو يقوم بأنشطة مكثفة مريبة بدأت بأكل اللحم المشوي في المطاعم الشعبية مرورا بلبس الزي الموريتاني من الفضفاضة «الدراعة» للثام، وانتهت بدس الأنف في أخطر ملف حقوقي في موريتانيا هو ملف الرق.
كان حزب الصواب «البعث الموريتاني» أول حزب ينتقد تحركات السفير في بيان صحافي أكدت فيه القيادة السياسية للحزب «أن تحركات السفير تجاوزت بكثير الحدود القصوى المسموح بها لرؤساء البعثات الدبلوماسية المتعارف عليها في العالم».
«فقد وصل الأمر أخيرا» يضيف الحزب «بسفير الولايات المتحدة الأمريكية إلى إقحام نفسه في ملف الوحدة الوطنية في جانبه المتعلق بالرق وجعل من نفسه جهة تمتلك حق تحديد الأطراف (الوطنية) المعنية بنقاش وتدارس هذا الملف، وفتح لاحقا فضاء سفارة بلده لعقد سلسلة لقاءات مع جهات وطنية هو من حددها واختارها، في تهيئة نفسية وإعلامية لطرح مبادرة بين هذه الأطراف التي وقع عليها اختياره لمناقشة ملف الرق في موريتانيا».
وأكدت قيادة حزب الصواب أنها «لا ترى انتهاكا للسيادة الوطنية أشد خطرا من هذا الانتهاك، ولا تهديدا وشيكا على وحدتنا الوطنية أكثر منه جدية، خصوصا أن سوابق هذا (الدبلوماسي) معروفة وآخرها في دولة السودان الشقيقة التي عمل فيها ممثلا لـ (هيئة السلام العالمية) في السنوات القليلة التي سبقت تقسيمها وشرذمتها».
«إن تحركات هذا ( الدبلوماسي) وما يعتمل في ساحتنا الداخلية منذ مدة يؤكدان أن ملف الوحدة الوطنية بحاجة إلى معالجة حقيقة تعترف بحقائق الواقع التي تؤكد أن الرق، ممارسة وآثارا ومنظومة ذهنية واجتماعية، لن يجدي التعامل معه باللغة الخشبية ولا الحلول التي لا تعترف به كظاهرة مقيتة ما زالت جاثمة على مجتمعنا وهي أهم معوق لنهضته، وإنقاذه من التخلف، وأن الحاجة الملحة تستدعي هبة وطنية للتعامل معها على نحو يستثمر الإرث النضالي والحقوقي والتضحيات التاريخية والإنجازات التي قدمت وتحققت في سبيل القضاء عليها، بعيدا عن سفارة فرنسا والولايات المتحدة وما لديهم من نماذج المساعدة والتدخل المعروفة التي استنفذت (كتالوغاتها) الوخيمة من أفغانستان حتى بوروندي والعراق»، يضيف البيان.
ولم ترق تحركات السفير لصحيفة أطلس الإلكترونية التي أكدت في افتتاحية لها أمس «أن أمر السفير الأمريكي عجيب فهو يذرف دموع التماسيح تعاطفا مع حقوق السود في موريتانيا بينما تقتلهم وتنكل بهم حكومته التي يمثلها في واشنطن».
«إن من قتل أكثر من ستة ملاين طفل وامرأة في العراق، تضيف الصحيفة، ومثلهم في افغانستان، وأباد سكان مدينتين يابانيتين وأزالهما من الوجود بالسلاح النووي، ودمر وأحرق شعب فيتنام بقنابل النابالم المحرمة عالميا، لا يحق له أن يتكلم عن حقوق الإنسان أو يعتبر نفسه راعيا ومسؤولا عنها فالأجدر به أن يخجل من نفسه ويتوارى عن الأنظار من سوء عمله».
وتساءلت أطلس بلهجة مريرة «من أعطى لهذا السفاح الملطخة يديه بدماء وأعراض العراقيات الشريفات أن يأكل اللحم المشوي في بيوتنا، وأن يجد الترحيب والاستقبال الحار من بعضنا، وأن يصول ويجول بين مدننا وأحيائنا ليزرع الفتن ما ظهر منها وما بطن؟».
وطالبت الصحيفة «السلطات الموريتانية بوضع حد لتحركات هذا السفير التي لا تتماشى والأعراف والتقاليد الديبلوماسية المعمول بها في جميع انحاء العالم، اذ لا يحق له بل لا ينبغي أن يظل هذا السفير يسرح ويمرح ويزرع الشقاق والفتن بين مكونات شعبنا ونحن لاهون غافلون الى «أن تقع الفأس في الرأس، لاقدرالله.»
وخصص المدون الشهير محمد الأمين الفاظل مقالا لنقد تحركات السفير أكد في مستهله
«أن السفير الأمريكي ظهر مؤخرا في صور مثيرة، منها صورة وهو يأكل اللحم المشوي في محل شعبي في مقاطعة عرفات، ومنها صورة أخرى جاءتنا هذه المرة من مهرجان شنقيط، حيث ظهر لنا فيها هذا السفير وهو يلبس دراعة بيضاء ويلف رأسه بعمامة سوداء».
«ما يميز لقاءات السفير الأمريكي، يقول الفاظل، هو أنها تتشابه تماما مع لقاءات السفير الفرنسي السابق في بلادنا، فهي لقاءات تركز دائما على المنظمات غير المرخصة، وتتجاهل دائما الأحزاب والهيئات المرخصة، وهو ما يعد انتهاكا سافرا لسيادة بلادنا».
وأكد محمد الأمين الفاظل «أن ما يثير القلق هو أن السفير الأمريكي صاحب هذه التحركات والاتصالات المشبوهة قد أعطي لنفسه الحق في تحديد من هو معني بملف الرق في موريتانيا، وبمن هو غير معن بهذا الملف»؛ فما على السفير الأمريكي أن يعلمه هو أنه ليس له الحق في أن يقدم للموريتانيين مبادرة في قضية من قضاياهم الخاصة بهم، ثم إذا ما سكتنا وتغافلنا عن غلطة السفير الأمريكي التي جعلته يتجرأ على تقديم مبادرة سياسية في قضية وطنية داخلية لا تعني إلا الموريتانيين، فإذا ما سكتنا عن ذلك، فإن الشيء الذي لا يمكن السكوت عنه هو أن نترك للسفير الأمريكي الحق في تحديد من هو المعني بملف العبودية، ومن هو غير معني بهذا الملف».
«وما يؤسف له حقا» يضيف الكاتب «هو أن هذه التحركات المشبوهة للسفير الأمريكي لم تجد من يتحدث عنها، ولا من يستنكرها، وكأن ولايات نواكشوط الثلاث قد أصبحت جزءا لا يتجزأ من الولايات المتحدة الأمريكية التي يحق للسفير الأمريكي أن يتحرك فيها متى شاء، وكيفما شاء، وأن يصرح فيها بما يشاء كقوله إن ملف العبودية يشكل تهديدا جديا لوحدة البلاد، وانسجام مكوناتها الاجتماعية، في ظل غياب أي حلول مقبولة من مجمل الأطراف».
وأكد الكاتب «أنه على الرئيس الموريتاني أن يعلم أن كبرياءه الزائفة تكاد تدمر البلد، وأن هذه الكبرياء الزائفة التي يحاول من خلالها أن يقصي كل الأطراف السياسية قد تسببت في ترك فراغ سياسي كبير يحاول اليوم السفير الأمريكي، الذي يصول ويجول في مقاطعات نواكشوط الثلاث دون حسيب أو رقيب، أن يملأه ويستغله على حساب سيادة وأمن بلادنا».
وانهالت إدراجات المدونين الموريتانيين على شبكات التواصل لتندد بتحركات السفير الأمريكي حيث علق عليها المدون سميدع موريتانيا قائلا «.. ليست لنا حكومة توقف من تجاوز حدوده الدبلوماسية لأن الولاء للكرسي والجيب فقط».
وعلق المدون محمد الموريتاني قائلا قام السفير بهذا التصرف لأنه يعرف أنه في بلد ليست لديه سيادة ولا قانون والكل مشغول في نهب ثروات البلاد».
وكان تعليق الناجي فال حبوب «صحيح أن تحركات الرجل مشبوهة، لكن المشبوه حقا هو سكوت نظام الفساد والنهب عليها وكأنها تحركات تقع في المريخ، فعزيز وطغمته لا يعبأون بمصير موريتانيا وهم جزء من المؤامرة :الغرب يتركهم ينهبون البلاد مقابل تدميرها وتقديمها للزنوج والحراطين المتطرفين المتزنجين».
واستدرك المدون أبيه الموقف ليقول «.. قليلا من الأدب: غالباً ما تلجأ وزارات الخارجية في العالم للفت انتباه البعثات الدبلوماسية إلى مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتقيد بالقوانين والأعراف في الاتصال بالجهات والأشخاص، إذ لا يتصور أن تبادر أي بعثة أو عضو بالاتصال المباشر بجهة رسمية أو موازية أو اعتبارية، إلا بعد الإذن والإخطار».

عبد الله مولود – القدس العربي

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: