mohamed-hnid-le-livre-noir-a-ete-fuite-de-l-imprimerie-officielle

السيادة للشعبْ والدكاكين للنُّخبْ بقلم محمد هنيد

السيادة للشعبْ والدكاكين للنُّخبْ بقلم محمد هنيد

[ads1]
حقق الشعب العربي مؤخرا في تونس نُقلة ضوئية في وعيه الثوري وفي تمكّنه الإدراكي من شروط السيادة جمعاً وفي تعبيره عن المطالب التي تجعل من الإنسان سيّدا على أرضه فتقطعَ عنه أصفاد العبودية وأغلال الذلّ التي كبّله بها “إعلام العار” وأوهام نُخب الجدْب المحلية. حملة “أين النفط” ـ “وينو البترول” ـ التلقائية اكتسحت في طرفة عين الفضاءَ الافتراضي وأزعجت مراكز الاستشعار العالمي عن قرب وعن بُعد وكذلك وكلاءهم في تونس لأنها رسمت علامة فارقة في رؤية الإنسان الفرد عبر قُرى إفريقية المفقّرة لشروط النهضة والتحرر أخذا بالأسباب التي أخذت بها أمم أخرى كثيرة قبله.

الحملة ككل الرجّات أكّدت حقيقة كان قد كشفها ربيع العرب خلال الموجة الأولى للثورات سنة 2010 وهي ” تقدُّمُ الوعي الشعبي الجماهيري مقارنةً بوعي نُخبه وخاصة السياسية منها”. العملية عوْدٌ على بدء واستنساخ للمنوال الانفجاري الأول عندما صاحت الجماهير” الشعب يريد إسقاط النظام” وذلك بعد أن أجاب النظامُ شعارَ “التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق” بالرصاص الحيّ وبفرَق الموت الجوّالة. لحظتها كانت “نُخب العار التونسية” من كل الاتجاهات كدأبِها تقايض السفاح على منصبه مقابل نصيب من الكعكة, كعكة “بن علي” المحشوة بالتغيير والحداثة والمطلية بلون النفط الأسود اللزج والمصففة على كراسي الوزارات والسفارات ورفوفها البلورية الفاخرة.

في لحظة الحقيقة هذه تراوحت مواقف نخب الايدولوجيا السياسية الزائفة بين خيارين وهما السعي الحثيث إلى إنقاذ الرئيس المُجرم قاتل المتظاهرين من أبناء شعبه أو اللوْذ بالصمت الأخرس صمتِ المساهِم في الجريمة باستثناء قلة نادرة جدا. لا نكاد نستثني أحدا من المعارضين المزيفين ودكاكينهم الإيديولوجية ممّن تصدروا “منابر العار” ودافعوا حتى النزْع الأخير عن جلاد الشعب في خيانة نادرة لأمّ الأمانات, أمانة الشعوب والأجيال المعمدّة بدماء الشهداء. عندها وعندها فقط انقشع المشهد التونسي ومن ورائه العربي في كل مزارع الموت القُطرية عن واحدة من أقبح الصور وأكثرها بشاعة وهي تُعرّي تحالف القاضي والجلاد فأثبتت أن النخب العربية صمام أمان الاستبداد وحارسه الأمين. الأخطر والأمرّ هو أن هذه النخب ـ لمن أراد الغوْصَ في أغوار أعماقها ـ هي جوهرُ الاستبداد نفسه لأنها تمدّه بشروط وجوده وهي قادرة على أن تبعثه وتبعث ثقافته ومجموع السلوكات المرتبطة به من رماد حال سقوط رأسه كما هو الأمر في مصر أو في تونس. في هذين السياقين الثوريين تمكنت نخب الاستبداد من إعادة حاضنتها التقليدية عن وعي أو عن غير وعي وقد زُيّن لها أن خطر الثورات أشدّ فتكا بها وبمصالحها من خطر الاستبداد.

قاصمة الظهر في ثورات الربيع العربي الأخيرة هو تسييس المسار الثوري وانقضاض مخالب إيديولوجيا العقم السياسي المعدّلة جينيا على جسد الربيع الأخضر النضر في وقت لم تخرج فيه خلايا الثورة بعدُ من طور التشكل الجنيني إلى طور التكوين وغير بعيد كانت تترصّدها أنشوطة وكلاء النهب العالمي ومصّاصي دماء الشعوب من ” كلاب الحراسة ” وضباع الاستعمار.

الوعي الشعبي القاعدي في شكله الحدسي المتيقظ يقع على جبهة متقدمة جدا من مطالب نخبه سواء في مضمون المطالب أوفي شكله السلمي المعبّر عن هذه المطالب حيث خرجت الجماهير الفقيرة المفقرة في أحراش الجنوب وقرى الشمال الغربي وأحزمة الفقر التي تلفّ العواصم والمدن الكبرى من “أبناء الحفيانة ” مطالبةً في لحظة سحرية فارقة برأس النظام وكان لها ما أرادت.

لقد خذلت النخب العربية شعوبها بشكل إجرامي خلال الثورات العربية وفي قلب الصراع ضد الورم الاستبدادي ثم خذلته مرة أخرى بشكل أكثر وحشية وعنفا عندما مكّنت لعودة الدولة العميقة وساهمت بكل طاقتها في فتوحات الثورة المضادة بل إن من نخب العار العربية من لا يزال يبارك مذابح النظام الطائفي في سوريا وحروب البراميل الايرانية على أطفال درعا ودير الزور ونساء حلب وحرائرها وهي جرائم لم يرتكبها المجرم شارون في عز طغيانه مسلحا بالخيانة العربية. الجريمة المادية ثابتة لا رجوع عنها لكن أمّ الجرائم إنما ترتكبها “ألسنة الأفاعي” بتعبير ـ السيّاب ـ أو “كلاب الحراسة” بتوصيف ” بول نيزان ” عندما تشرّع لأبشع جرائم القرن فتدوسَ بكل حقدها على أجساد الأطفال الذين مزقتهم جيوش نظام الممانعة والمقاومة.

النخب العربية وخاصة السياسية نخبٌ تجاوزها الزمن ولم تعد صالحة لقيادة المرحلة الحالية شأنها شأن كل المواد الفاسدة التي تحولت إلى مواد سامّة شديدة الضرر. تجلى فشلها على أصعدة كثيرة فقد فشلت في توقع الثورات وشككت في نجاحها وقدرتها على إسقاط رأس النظام فحاربتها ولا تزال وليست أباطيل اللفظ من “جهاد النكاح” و”الخريف الاسلامي” و”المؤامرة الكونية” إلا بعضا معجميا مما يترجم عجز نخب العرب عن الفعل و التغيير. لقد فشلت النخب العربية في صياغة مشروع ما بعد الثورات بعد أن أنجزت لها شعوبها ما أوهمتنا هي طيلة قرون أنها بصدد إنجازه في حين كانت المانع الرئيسي لتحقيقه.

حملة المطالبة بسيادة الشعب على ثرواته جولة جديدة عرّت نخبا كانت لتوّها تتلبس لبوس الضحية وأربكها الإخراج الإبداعي والجمالي المجّمع في التعبير عن الوعي الجديد وتوحد الجماهير العفوي حول هذا المطلب رغم كل حملات التشويه. الحملة حركة سقفيّة وموجة عالية في إبراز فكرة المطالبة بالكشف عن الثروات الوطنية وفي مزيد الشفافية ومراقبة شبكة العصابات وثقافة الفساد التي دمّرت الاقتصاد الوطني ورهنت مستقبل أجيال بكاملها من أبناء الوطن الفقراء وبناته.

لا يزال الشعب العربي في تونس يوحّد مطالبه وشعاراته ويحلق كالنسر الكاسر فوق التصنيف الإيديولوجي وفوق الأحزاب ودكاكينها المفتوحة لبيع الذمم والمواقف ليضرب هذا الشعب العظيم مع التاريخ درسا جديدا جوهره إعلان موت الأحزاب وانتهاء حقبة الزعيم فلا صوت يعلو فوق صوت الشعب : له السيادة وله السلطة وله الثروة, وللنخب ودكاكينها العار كلّ العار وبعضا من فتات الاستعمار.

محمد هنيد

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: