السيسي بالصعيـدي!!.. (مقـال/الكاتب سليـم عـزوز)

ورد عن المصريين القدماء قولهم: “أول الرقص حنجلة”. وفي المعجم الوسيط: “حنجلة” مصدر “حنجل” يعني مشي فيه تصنع. وفي قول آخر، أن “حنجلة” تعني المرآة البدينة، وللتقريب “ليلى علوي” في فيلم “بحب السيما”!.

[ads2]

المعنى الأخير لا علاقة له البتة بما قصده المصريون القدماء بـ”حنجلة”، والمعنى الأول قريب من هذا المثل، لكنه ليس مطابقاً، وقبل أن يستغرقنا المعنى في المعاجم، سأوضح المقصود بـ”أول الرقص حنجلة”، فالمعاجم بائسة، وقد كانت إلى وقت قريب تشرح السندوتش، بأنه “شاطر ومشطور وبينهما طازج”، وفي الصعيد قاموا بحل هذا الإشكال اللغوي مبكراً، فصار السندوتش “شقة” بفتح الشين.. “شقة فول” و”شقة طعمية” أو “فلافل”!.

“الرقص” المقصود هنا هو رقص الرجال، وليس رقص النساء، والرجل يرقص في الصعيد على أنغام “الطبل البلدي”، و”أول الرقص حنجلة” أي يظل فترة “التسخين” الأولى، يتحرك، فيرفع ساقاً واحدة في خيلاء، قبل أن يدخل في “المود”!.

السيسي لعب على أرضي، عندما تحدث مؤخراً عن ضرورة الأخذ بالثأر، وبدا زعيم قبيلة، لا رئيس دولة، فأعادنا إلى المجتمع البدائي، الذي يصفه علماء الأنثروبولوجيا بأنه الذي لم يشكل دولة. وهو توصيف ليس دقيقاً، فالمجتمعات البدائية التي لا تعرف الدولة، تتصرف خارج القانون العام لأن لها قانونها الخاص، أو القانون العرفي، ومجتمعاتنا العربية تجمع بين النمطين، على نحو كاشف بأن الدولة مع وجودها، لم تلامس احتياجات الناس، ولم تستقر هيبتها في وجدانهم!.

الجديد، أن من نصب نفسه، رئيساً للدولة، لا يؤمن بقيم وتقاليد الدول، فيحرض المصريين على الأخذ بالثأر ممن قتلوا الجنود المصريين، فتأتي المذكرة التفسيرية عبر أذرعه الإعلامية بأن القتلة هم من الإخوان، وأن تنظيم القاعدة، وبيت المقدس، وداعش، كلها فروع للسوبر ماركت الكبير، الذي اسمه الإخوان المسلمين. وعندما يصله نبأ اختطاف واحد وعشرين مصرياً في ليبيا يضع يده في الماء البارد لأكثر من شهرين، إلى أن يقتلوا، فيقرر على الفور أن يأخذ بالثأر، أو “بالتار”، كما نقول في الصعيد، ويصبح لزاماً علينا، ألا نعترض على شيء، أو نحاول فهم ما جرى أو نعاتبه على تقاعسه، فالجيش في حالة حرب، وينبغي أن نصطف خلف الدولة، ممثلة في شخص عبد الفتاح السيسي، مع أننا نبحث عن الدولة فلا نجد سوى السيسي وسكرتيره “عباس”!.

عندما أقول أن السيسي يلعب على أرضي، فلأني “صعيدي”، أولاً، ترعرعت في مجتمعات تقر “الأخذ بالتار”، وإن كانت قد بدأت في التخلص من هذه الموروثات الخاطئة. فضلاً عن أنني، ثانياً، لديّ اهتمامات أنثروبولوجية، لا سيما عندما كان المجال الفسيح لعلم الأنثروبولوجيا هو فهم المجتمعات البدائية، التي لم تشكل دولة!.

لا بأس إذن إن قرر السيسي أن ينتقل من موقع رئيس الدولة، لأنه في قرارة نفسه لا يصدق أنه كذلك، وقرر أن يعمل “بعد الظهر” زعيم قبيلة، وعليه كان قراره بالثأر. ويبدو أنها اعتقادات مستحدثة عنده، فقرر أن ينتظر حتى يقتل المصريين، ليمارس هوايته الجديدة في الثأر لهم، لكن يبدو الإشكال في أنه يعمل من على قواعد الاستشراق، وقدوته بريمر عندما ذهب للعراق، وظن أن بإمكانه أن يتصرف على أنه من زعماء قبائل البشتون، في التعامل مع وجهاء القبائل العراقية، وكان أن تحول إلى مسخرة من العيار الثقيل، عندما التف حوله، من لا قيمة لهم ولا وزن، وقدموا أنفسهم على أنهم ممثلو القبائل، وبلع هو لجهله الطعم!.

يقال إن السيسي منوفي يكتم منوفيته، تماماً كما فعلها مبارك من قبل عندما قال إنه من محافظة البحيرة، وأن قريته ضمت مؤخراً لتكون ضمن أعمال محافظة المنوفية. ولست محكوماً بالنظرة السلبية التي تحكم البعض في تعاملهم مع “المنايفة”، فكل من عاشرتهم من هذه المحافظة، لم يكونوا كما يشاع عنهم، يكفي أنهم ليسوا مؤذين، فضلاً عن أن القوم قد أبلوا بلاء حسناً في الثورة، وإذا كان منهم مبارك والسادات وعبد الفتاح السيسي، فمنهم أيضاً محمد القدوسي وحمزة زوبع وأشرف بدر الدين وسالم المحروقي. ويقول البعض إن أيمن عزام منوفي، وتقول بعض الآثار إنه من الغربية!.

ما قصدته مما سبق، أن السيسي بحكم النشأة والتكوين، بعيد عن المجال الحيوي لفكرة الأخذ بالثأر، لهذا جاء تصرفه متسمًا بالرعونة، فيقال إن “داعش” اختطفت واحدًا وعشرين مصرياً من “سرت” وقتلهم في طرابلس، فيقصف “درنا”، ويقال إنه استهدف مواقع عسكرية لتنظيم الدولة، فإذا بثلاثة أطفال من الضحايا، وإذا بمواقع مدنية ومساكن تتعرض للقصف الجوي.

لا بأس، فكما قالت التنظيمات المتطرفة في سابق العصر والأوان: “يبعث الناس على نواياهم” عندما قيل لهم إن رصاصكم يصيب الأبرياء. وطيران السيسي قد عجل بدخول هؤلاء للجنة، وماذا في الدنيا يستدعي حب البقاء فيها؟!.

لكن لأن السيسي مستشرق، فلم يعلم أنه في المجتمعات التي تقر الأخذ بالثأر، تؤمن بأن “أخذ الحق صنعة”، وقد يظل صاحب الحق صابراً، سنوات وسنوات، قبل أن يقدم على هذه الخطوة، لأن الخبط العشوائي سيحوله إلى مسخرة!.

ومع صيحات الأخذ بالثأر التي أطلقها عبد الفتاح السيسي ورددتها جوقته الإعلامية ونتائجها المخيبة للآمال ومن جريمة الفرافرة، إلى جرائم قتل الجنود في سيناء، إلى ما جرى للأقباط الواحد العشرين في ليبيا، تذكرت فريقنا القومي في سالف العصر والأوان، إذ كنت صبياً محترفاً في فريق “نجع عزوز”، وواجهنا فريق “الخبايرة” فهزمنا هزيمة نكراء، وأقنع أحد أعضاء فريقنا والدته، التي استنكرت أن ينصرف عن دروسه باللعب، بأن هزيمتنا ثأر، وفي كل يوم جمعة نحن على موعد مع الأخذ بالثأر فنأتي لقومنا بثأر جديد، وإزاء هذه الهزائم اعتزلت!.

في الواقع، أن السيسي هو مثل قريبي هذا، الذي استدعى موضوع الثأر في غير مجاله، ليبرر هروبه.. كلاهما هرب، قريبي كان يهرب من المذاكرة، والسيسي يهرب من الفشل، ويريد من الغرب أن يكلفه بمهام جديدة بعد أن استنفد مرات الرسوب!.

وسأسلم بأن قصف “درنة” هو ثأر من تنظيم “داعش” لقتلهم المصريين، إذن عليه أن يواصل المهمة ولا يتوقف بعد صفعة الدول الكبار في مجلس الأمن!.

والأفضل أن يجتاح ليبيا برياً. فلو فعلها لبايعته على المنشط والمكره، بدلاً من أسلوب المزايدة والحديث عن الاصطفاف الوطني في ساعة الحرب.

إلى الأمام .. إلى الأمام.. بيت بيت.. زنقة زنقة!

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: