السيسي في قبضة الدولة العميقة.. (أحمــد منصـور)

حينما تشيخ النظم وتترهل تتوزع مراكز القوة فيها بين أطراف مختلفة تتعايش وتتجاذب وكل طرف يسعى لتقوية مركزه على حساب الآخر، وكان هذا وضع مصر في نهاية عهد حسني مبارك، فحينما ترهل النظام وتفككت قوة الدولة توزعت بين مراكز قوى مختلفة كل منها كان له دور ومساحة حيث يقوم اللاعبون إما بالتراضي أو الصراع فيهما بينهم.

وقبيل الإطاحة بحسني مبارك كانت مراكز القوى الرئيسية في الدولة التي تمثل الدولة العميقة كما توصف تتكون من أولا: قيادة الجيش أو تحديدا المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يضم النخبة العاملة من كبار الضباط وهؤلاء بدأ الفساد يسري في أوصالهم بعدما تخلى الجيش عن مهمته الأساسية كحام للحدود والدولة واتجه إلى التجارة والصناعة والشركات حيث وصل نصيب القوات المسلحة في النهاية إلى التحكم في نصف اقتصاد مصر وربما أكثر.

ثانيا: الشرطة وأمن الدولة وهؤلاء كانوا ذراع الحاكم الضاربة وكان لهم من الامتيازات التي جعلت حظوتهم في بعض الأيام تتفوق على حظوة القوات المسلحة، لاسيما جهاز أمن الدولة الذي كشفت وثائقه بعد اقتحامه خلال ثورة 25 يناير أنهم كانوا يتجسسون على مصر كلها بما فيها ضباط الجيش.

ثالثا: الجهاز القضائي: وقد نجح مبارك في افساد الجهاز القضائي بعدما أخذ يمد في سن التقاعد للقضاة بعد الستين حتى وصل لسبعين عاما وأصبح حقا مكتسبا كما أصبحوا شركاء في الحصول على الامتيازات لكن الأمر لم يكن لكل القضاة وإنما كان فقط لقضاة النظام حيث كان لهم حصة في المناصب العليا من محافظين ووزراء.

رابعا: الجهاز البيروقراطي للدولة والذي يضم ستة ملايين موظف على رأسهم الأجهزة الرقابية مثل الرقابة الإدارية والجهاز المركزي للمحاسبات وغيرهما من الأجهزة التى تعطي سلطة.

خامسا: طبقة رجال الأعمال الجدد وحتى كثير من القدامى الذين أصبحوا رجال النظام يدعمون ويرسخون الفساد ويشكلون يدا ضاربة تقوم بالأدوار التي تطلب منها لاسيما أجهزة الإعلام حيث منحوا التصاريح الخاصة لأقامة محطات تليفزيونية أهلية أشبه ما تكون بمحطات الإذاعة الأهلية التي عرفتها مصر خلال الثلاثينيات و الأربعينيات وكان أغلبها يقوم على الردح والشتائم مثلما تحولت إليه الفضائيات الأهلية التي يملكها النظام ويدفع رجال الأعمال تكاليف العاملين بها.

هذه باختصار أهم أركان الدولة العميقة، هذه الأركان اهتزت بفعل ثورة 25 يناير لكن الجيش وجد الفرصة للتخلص من قوة الشرطة ووضعها تحت أقدامه ولذلك سمح للشعب أن يدخل مقار أمن الدولة حتى يحطم الأسطورة، كما قام بالتضحية بمبارك حتى تبقى المؤسسة، وكان ما حدث في 11 فبراير انقلابا ناعما على مبارك، مع اهتزاز مراكز الدولة العميقة المختلفة سيطر المجلس الأعلى للقوات المسلحة على مقاليد الأمور وأعاد صناعة وإنتاج النظام ولكن من خلال رؤيته وأن يكون تحت أقدامه، لكن العلاقة بين أعضاء المجلس ليست صافية وما حدث بين السيسي وعنان دليل على ذلك، وكل منهم يرى أنه الأحق بحكم مصر ويخشى أن يعصف به الآخر، لذلك لم يقم السيسي بالانقلاب وحده وإنما كلهم كانوا شركاء.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: